بوابة الجزائر الإخبارية : في وقت لا تزال فيه تداعيات التجارب النووية واستخدام الأسلحة النووية تلقي بظلالها على أجيال كاملة، أعادت الجزائر إلى الواجهة قضية المسؤولية تجاه الضحايا وحقهم في الإنصاف والتعويض، مؤكدة، باسم مجموعة دول عابرة للأقاليم، أن الخطر النووي لا يقتصر على التهديد العسكري الراهن، بل يمتد إلى إرث إنساني وبيئي ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم.
ويكتسب الموقف الجزائري دلالة خاصة من خلال الربط بين آثار التجارب والأسلحة النووية وبين حقوق الإنسان، بما في ذلك أوضاع السكان في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. فالحديث هنا لا يتعلق فقط بنزع السلاح ومنع الانتشار، وإنما بمسؤولية معالجة الأضرار التاريخية، وضمان وصول الضحايا وأسرهم ومجتمعاتهم إلى المعلومات والمساعدة التقنية وسبل التعويض والإنصاف.

ومن خلال تجديد التضامن مع جميع الضحايا والتأكيد على ضرورة إبقاء أصواتهم في صميم التحرك الدولي، تدفع الجزائر باتجاه مقاربة تجعل البعد الإنساني جزءا أساسيا من النقاش العالمي حول الأسلحة النووية، وتطرح في الوقت ذاته مسألة مسؤولية المجتمع الدولي تجاه المناطق والشعوب التي ما تزال تتحمل آثار التجارب النووية بعد عقود من إجرائها.
وفي هذا السياق أكد الدكتور طارق عبد العزيز فرج، خبير الصراعات النووية، في تصريح خص به “بوابة الجزائر”، أن الاجتماع الدولي الذي عقدته الأمم المتحدة بموجب قراري الجمعية العامة 79/60 و80/56 لمساعدة ضحايا الاستخدام والتجارب النووية والمعالجة البيئية، عكس تحولاً مفصلياً في التعاطي الأممي مع الإرث النووي.
وأوضح د. طارق عبد العزيز فرج أن الجزائر تحدثت في هذا المحفل الاستثنائي من واقع تجربتها المباشرة مع 17 تفجيراً نووياً فرنسياً في الصحراء الجزائرية، لطرح قضية “العدالة النووية” كالتزام إنساني وأخلاقي تجاوز الطرح التقليدي المحصور في أطر نزع السلاح.
وأشار الدكتور طارق عبد العزيز فرج، خبير الصراعات النووية، إلى أن الجزائر كشفت بالحقائق والأرقام التبعات الممتدة لتلك التفجيرات الـ 17 (4 تجارب جوية في رقان و13 تجربة تحت الأرض في إن إيكر)، مؤكدة أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الانفجار بل تمتد لـ نفايات ومواد مشعة شائكة تعبر مناطق حركة المجتمعات البدوية. وأبرز د. طارق عبد العزيز فرج في حديثه لـ “بوابة الجزائر” أهمية الطرح الجزائري الذي يفرض على الدول التي أجرت التجارب تقديم البيانات الإشعاعية والفنية كـ “واجب إنساني” لا كـ “تنازل سياسي”، وهو ما ينقل الملف منطقياً من مجرد نية التعاون الاختياري إلى دائرة الالتزام الأممي القانوني والأخلاقي.
وفي تحليله لدلالات هذا التحرك الدبلوماسي، حدد الدكتور طارق عبد العزيز فرج، خبير الصراعات النووية، سبع أبعاد أساسية؛ أولها نقل الإنسان المتضرر والأمن الإنساني من هامش النقاشات النووية إلى مركزها، اتساقاً مع معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW). وأضاف د. طارق عبد العزيز فرج أن الدلالة الثانية تكمن في تحويل الماضي النووي إلى مسؤولية حاضرة؛ نظرًا لأن النظائر المشعة كـ البلوتونيوم-239 يمتد نصف عمرها الإشعاعي لنحو 24 ألف سنة، مما يلغي تماماً فرضية التقادم التاريخي للمسؤولية.
وتابع الدكتور طارق عبد العزيز فرج لـ “بوابة الجزائر” موضّحاً الدلالتين الثالثة والرابعة، حيث أدخلت الجزائر حقوق الإنسان (الصحة، البيئة، السكن، والأمن المائي) في قلب الملف النووي لتوسيع ساحة الضغط الدولي، مع إعادة فتح ملف الاستعمار النووي والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي التي احتضنت أكثر من 2000 تجربة عالمية دون إرادتها.
كما شدد د. طارق عبد العزيز فرج على أهمية التحرك الجزائري ضمن “مجموعات عابرة للأقاليم” لتجريد الملف من الطابع الثنائي الصرف وتحويله إلى قضية رأي عام دولي تخص إرث العصر النووي، وهو ما يمنح الخطاب الجزائري ثقلاً استثنائياً كـ “دولة متضررة” تطالب بخرائط دقيقة للتلوث مع فصل ملف مساعدة الضحايا عن الصراعات الجيوسياسية حول نزع السلاح.
ولتحويل هذه الرؤية إلى إجراءات تنفيذية على الأرض، اقترح الدكتور طارق عبد العزيز فرج، خبير الصراعات النووية، رؤية شاملة لبناء نظام دولي للعدالة النووية يستند إلى ثمانية عناصر عمليّة؛ تبدأ بإنشاء سجل دولي شامل للضحايا يراعي الآثار الصحية والنفسية الممتدة عبر الأجيال، وتدشين خريطة عالمية لم مواقع التجارب والنفايات لتحديد مسارات السقوط الإشعاعي، إلى جانب إلزام الدول المجربة برفع السرية عن الوثائق الفنية والتاريخية بذريعة الأمن القومي.
كما تضمنت خارطة الطريق التي قدمها د. طارق عبد العزيز فرج لـ “بوابة الجزائر” مطالبة المجتمع الدولي بـ تأسيس صندوق دولي لتعويض ومساعدة الضحايا وإعادة التأهيل البيئي (وفق نموذج العمل المشترك بين كازاخستان وكيريباتي)، وإطلاق برامج صحية دولية طويلة الأمد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.
وأكد د. طارق عبد العزيز فرج على وجوبة معالجة البيئة والتربة والمياه كضحية مباشرة، مع تمثيل الضحايا والمجتمعات المحلية في صناعة القرار الأممي، وإيجاد آلية دولية مستقلة لتقييم المطالبات والتعويضات بعيداً عن أروقة المحاكم الوطنية المعقدة.
وعن العوائق القانونية وموقف فرنسا، أكد الدكتور طارق عبد العزيز فرج، خبير الصراعات النووية، أن العقبات القضائية الوطنية والحصانات تجعل من بناء المعايير والضغط الدولي المسار الأكثر واقعية، مشيراً إلى أن الرسالة الجزائرية لباريس تفيد بأن “التاريخ الاستعماري النووي لم يُغلق بعد”.
وشدد د. طارق عبد العزيز فرج على فرق جوهري بين “التعويض المالي” و”الإنصاف الشامل” الذي تطالبه الجزائر، والذين يشمل كشف الحقيقة، الاعتراف بالضرر، تقديم الوثائق، علاج الإنسان، وإصلاح البيئة.
واختتم الدكتور طارق عبد العزيز فرج، بالتأكيد على أن تحرك الجزائر ينقل الملف من مجرد صواريخ ورؤوس حربية إلى قضية عدالة تاريخية بامتياز، مذكرًا بعبارته المحورية: “القنبلة النووية قد تنفجر في ثوانٍ معدودات، لكن آثارها تعيش آلاف السنين.. ولذلك لا يجوز بأي حال أن تكون مسؤولية من فجرها أقصر عمراً من الإشعاع الذي تركه وراءه”.















