بوابة الجزائر الإخبارية : شهدت القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة التهديدات الأمنية؛ حيث تراجعت النزاعات العسكرية التقليدية بين الدول لصالح تحديات أكثر تعقيداً وعابرة للحدود، مثل الإرهاب، والجرائم المنظمة، والتغيرات المناخية، والأزمات الإنسانية. ورداً على هذه المعطيات المتغيرة، جاء مؤتمر كمبالا الافتتاحي لقادة الدفاع الأفارقة ليركز على مفهوم “العمليات العسكرية بخلاف الحرب” (MOOTW)، وهو توجه يستهدف إعادة تعريف دور المؤسسات الدفاعية ليتجاوز البعد القتالي المباشر إلى مجالات الوقاية، إدارة الأزمات، والتنسيق المدني العسكري.يعكس هذا المؤتمر إدراكاً قارياً متزايداً بأهمية توحيد العقائد العملياتية، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتبادل الاستخبارات. كما ربط بين الأمن والتنمية المستدامة – كما أوضح الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني – استناداً إلى أن بناء قدرات دفاعية صلبة يتطلب اقتصاداً قوياً. ولضمان عدم بقاء التوصيات حبراً على ورق، أُقرّ إنشاء آلية مؤسسية دائمة بأمانة عامة تُشرف عليها أوغندا، على أن يُعقد المنتدى دورياً كل عامين لمتابعة الأداء والتقييم.
وفي تصريح العميد مختار بن النصر، رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، لـ «بوابة الجزائر». وأوضح بن النصر أن الساحة الإفريقية باتت تشهد تداخلًا حرجًا بين التنظيمات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، والتهريب، وهشاشة المؤسسات، بالتوازي مع التغيرات المناخية والهجرات السكانية المتزايدة.وفي معرض حديثه لـ «بوابة الجزائر»، شدّد رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل على أهمية مؤتمر كمبالا الافتتاحي لقادة الدفاع الأفارقة، معتبرًا إياه فرصة تاريخية للانتقال من التعاون العسكري الظرفي إلى بناء منظومة إفريقية متكاملة تضمن الوقاية من الأزمات وإدارتها.

وأشار العميد بن النصر إلى أنه على المستوى الميداني والعملياتي، لا يتطلب توحيد العقائد العملياتية فرض نموذج عسكري واحد على جميع الدول، بقدر ما يستوجب الاتفاق على مفاهيم مشتركة وإجراءات موحّدة للتنسيق وتبادل المعلومات، وتطوير آليات للإنذار المبكر تستند إلى دمج المعطيات الاستخباراتية والجغرافية والمناخية والإنسانية، مع إنشاء مراكز تنسيق إقليمية لرصد المخاطر العابرة للحدود وتيسير الاستجابة السريعة لها.
وحول التفاوت في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية بين دول القارة، يرى العميد مختار بن النصر أن تجاوز هذه الفجوة أمر ممكن من خلال اعتماد مبدأ العمل المتدرّج؛ عبر التدريب المشترك، وتوحيد بروتوكولات الاتصالات، وتطوير وحدات متخصصة للتعاطي مع الكوارث وحماية البنية التحتية الحيوية ودعم السلطات المدنية.
ولفت بن النصر في تصريحه لـ «بوابة الجزائر» إلى ضرورة الاستفادة من قدرات وخبرات بعض الدول في خدمة الاحتياجات الجماعية للقارة، مشروطًا ذلك بتحديد واضح للصلاحيات، واحترام السيادة الوطنية، وإخضاع التدخلات العسكرية للضوابط القانونية والرقابة المدنية، تجنبًا لتحول توسيع مهام الجيوش إلى بديل عن المؤسسات المدنية أو مدخل لعسكرة إدارة الأزمات.
أما على المستوى الاستراتيجي والتنموي، فقد أوضح العميد مختار بن النصر لـ «بوابة الجزائر» أن الرهان الحقيقي للآلية المؤسسية التي تستضيفها أوغندا يتمثل في قدرتها على تحويل التعاون الدفاعي من مجرد أداة لاحتواء الأزمات بعد اندلاعها إلى آلية للوقاية منها ومعالجة أسبابها البنيوية.
وأكد رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل أن الأمن الإفريقي يجب أن يُقرأ في إطار الأمن الشامل، إذ لا يمكن فصله عن التكامل الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وتوسيع فرص العمل، وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية إفريقية تقلص الاعتماد الخارجي في مجالات الاتصالات والمراقبة والنقل والإمداد الطبي والتجهيزات الضرورية لإدارة الأزمات.
وفي السياق ذاته، أبرز العميد بن النصر في حديثه لـ «بوابة الجزائر» ضرورة ربط التخطيط الدفاعي بالأجندة الإفريقية للتنمية، ومنطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية، ومشاريع الربط الإقليمي، بما يضمن حماية الممرات التجارية والموانئ وشبكات الطاقة والطرق الاستراتيجية، ليصبح الاستقرار الأمني شرطًا للتنمية والتنمية بدورها ركيزة للاستقرار. وأضاف بن النصر أن هذه الآلية يمكنها أداء دور محوري في تنسيق الشراكات بين الحكومات والاتحاد الإفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والقطاع الخاص، بشرط وضع أهداف قابلة للقياس، وآليات تمويل مستدامة، ومؤشرات لتقييم أثر تدخلاتها على الأمن الإنساني والقدرة على الصمود الاقتصادي، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي لمؤتمر كمبالا يكمن في بناء منظومة إفريقية تستبق الأزمات وتربط الأمن بالتنمية ضمن رؤية قارية مستقلة وموزونة.
وفي ختام تصريحه لـ «بوابة الجزائر»، يرى العميد مختار بن النصر أن الإجابة عن مستقبل هذا المسار تظل مرهونة بمدى توافر الإرادة السياسية لدى الدول الإفريقية لنقل التعاون الدفاعي من مجرد أطر لتبادل الخبرات إلى تقاسم فعلي للمعلومات والقدرات والموارد. وشدّد رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل على أهمية وضع ضوابط حازمة تضمن عدم تحول العمليات غير القتالية إلى توسيع غير منضبط لدور المؤسسة العسكرية في الشأن المدني، إلى جانب ضرورة توفير تمويل مستدام من خلال الآلية التي تستضيفها أوغندا لتقليص الفجوة التكنولوجية والعمق العملياتي بين الدول المتقدمة وتلك الأكثر هشاشة.
واختتم بن النصر حديثه بالتأكيد على أن الرهان الأكبر لإفريقيا اليوم يكمن في مدى قدرتها على بناء منظومة أمن جماعي حقيقية تعالج جذور التهديدات واختلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، بدل الاستمرار في التزام مقاربة تقليدية تكتفي بالتدخل بعد انهيار الاستقرار وتفاقم الأزمات.










