من تعليم اللغة إلى غرف التأثير المغلقة
ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية: منذ عقود تحاول فرنسا تقديم المعهد الثقافي الفرنسي في الجزائر على أنه رمز للتبادل الحضاري والحوار بين الشعوب، وفضاء يجمع بين التعليم والفنون.
لكن خلف هذه الواجهة البراقة، تتكشف ممارسات أقل ما يقال عنها إنها مشبوهة، تستغل الانفتاح الثقافي لتغذية أجندات استخباراتية.

فالمعهد، الذي ينتشر في خمس مدن جزائرية رئيسية، لا يكتفي بتعليم اللغة الفرنسية أو تنظيم الحفلات والمعارض، بل أصبح مركزا لجمع المعلومات واستهداف شرائح بعينها من المجتمع، وخاصة الشباب الساذج أو الهش اجتماعيا، الذين يسهل التأثير عليهم أو إغراؤهم.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة على باريس، بل هي امتداد لسياسة النفوذ الثقافي التي اعتمدتها منذ الحقبة الاستعمارية، مع تطعيمها اليوم بأساليب الحرب الناعمة وأدوات التجسس الرقمي.
خمس مقرات.. خمس بوابات للاختراق
في عام 1962، وبعد استقلال الجزائر ، منحت السلطات الجزائرية فرنسا خمسة مقرات في الجزائر العاصمة، وهران، تلمسان، قسنطينة، وعنابة، على أساس اتفاق يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. الهدف كان واضحا، و المتمثل في دعم التبادل الثقافي وتطوير التعليم اللغوي والفني.
لكن بمرور الوقت، انحرف هذا الدور عن مساره المعلن.
فالمراكز الفرنسية، بدل أن تكون منابر مفتوحة أمام كل الجزائريين، أصبحت فضاءات انتقائية، حيث تفرض أسعار مرتفعة على خدماتها ومطاعمها، في خطوة مدروسة لإبعاد الزوار العاديين والفضوليين، وحصر الحضور في دائرة صغيرة من الأشخاص الذين يتم اختيارهم بعناية، وهم في الغالب من الفئات الاجتماعية الهشة أو الباحثة عن فرص في الخارج.
هذه السياسة خلقت بيئة مغلقة، تشبه “النادي الخاص”، يسهل فيها التحكم في الأجواء وتنظيم اللقاءات بعيدا عن الأنظار، وهو ما يثير الشكوك حول طبيعة الأنشطة الحقيقية التي تدور خلف هذه الأبواب المغلقة.
استهداف العقول الساذجة
تتحدث مصادر إعلامية عن أسلوب ممنهج في اختيار الأشخاص الذين تتم دعوتهم إلى الأنشطة الخاصة أو اللقاءات المغلقة داخل المعهد.
المعايير لا تتعلق بالكفاءة أو الاهتمام الحقيقي بالثقافة، بل بمدى قابلية الشخص للتأثير عليه أو استقطابه.
الفئات المستهدفة غالبا ما تكون من الشباب العاطل عن العمل، أو الطلبة الذين يبحثون عن منح دراسية، أو حتى المثقفين الطموحين الذين يفتقرون إلى الخبرة السياسية.
هؤلاء يتم إغراقهم بوعود السفر والتكوين، وربما فرص المشاركة في مشاريع دولية، مقابل بناء علاقة ولاء غير مباشرة مع الجهة التي توفر لهم هذه الفرص.
اللقاءات في مطاعم المعهد، التي تبدو للوهلة الأولى عادية، قد تتحول إلى جلسات تعارف يتم خلالها جمع معلومات شخصية دقيقة الوضع العائلي، النشاطات، الدوائر الاجتماعية، وحتى الميولات الفكرية.
هذه البيانات، إذا ما وضعت في سياقها الصحيح، تصبح أداة قوية لإعداد ملفات استخباراتية يمكن استغلالها في المستقبل.
ثقافة بغطاء استخباراتي
الأنشطة التي ينظمها المعهد الثقافي الفرنسي، مثل الدورات اللغوية أو الورشات الفنية، ليست مجرد فعاليات تعليمية بريئة. فهي توفر غطاء مثاليا للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشباب، مع إمكانية تتبعهم عبر المنصات الرقمية التابعة للمعهد.
من خلال التسجيلات الإلكترونية، وملفات الطلبة، والمراسلات البريدية، يتم جمع كم هائل من المعلومات، بدءا من بيانات الهوية، مرورا بالمستوى التعليمي والميولات الثقافية، وصولا إلى الاهتمامات الشخصية.
هذه البيانات لا تبقى حبيسة الملفات، بل تحلل لبناء “خرائط فكرية واجتماعية” يمكن استخدامها لتوجيه الرأي العام أو لاستهداف أفراد معينين في حملات تأثير مستقبلية.
المراكز الفرنسية بالجزائر واجهة ناعمة لمشروع خطير
قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور نور الصباح عكنوش، في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن المراكز الثقافية الفرنسية في الجزائر تتجاوز وظيفتها المعلنة لتؤدي أدوارا مافوق ثقافية، تخدم – على حد تعبيره – “مشروع الدولة العميقة الفرنسية على المستويات البنيوي والفكري والاستراتيجي، في إطار ما يعرف بـ France-Algérie كمشروع حضاري شامل”.

وأوضح عكنوش أن “وراء هذه المراكز عقولا تستثمر في المعطى الثقافي وفق محددات دبلوماسية ثنائية، للتغطية على مهام أخرى في خدمة لوبيات ومصالح فرنسية ذات أبعاد استخباراتية وتجسسية خطيرة، تمس الأمن القومي للدولة واستقرارها النسقي وتماسكها المجتمعي”.
وأضاف أن النشاط المتركز لهذه المراكز في الحواضر الكبرى “يخضع لتوزيع جغرافي مدروس، قد يستهدف المراقبة والتأثير، وغيرها من الأفعال الخارجة عن مهامها التقليدية”.
وشدد متحدثنا على أن “العالم يعيش اليوم حروب الوعي، حيث يعد احتلال العقول أحد أشكال الاستعمار الجديد”، مؤكدا أن حروب الجيل السادس “تعتمد على اختراق منظومة القيم وإنتاج وعي مضاد لمنطق الدولة، على نحو يفكك الجبهة الداخلية ويعيد هندسة الأفكار في اتجاه معاكس لبنية وهوية المجتمع”.
واعتبر أن هذه المراكز، التي وصفها بـ”اللاثقافية”، تمثل “أداة من أدوات القوة الناعمة التي تستهدف نموذج الإنسان الجزائري في رموزه وثقافته ومعاييره، بما يجعل رسالتها أشبه بسلاح ذكي لضرب مقومات الدولة الوطنية من الداخل، وإحداث بيئة حاضنة للتناقضات والتوترات”.
وأشار عكنوش إلى أن “المدرسة الثقافية الفرنسية لها تقاليد راسخة في مثل هذه السياسات، عبر مراكز ومؤسسات وشبكات ونخب موالية للسردية الكولونيالية الجديدة في القرن الحادي والعشرين”.
وكشف عن وجود “عمل إعلامي وفكري ونخبوي ممنهج على أعلى مستوى، من طرف غرف تفكير فرنكومخزنية، لتسويق صورة سلبية عن النموذج الجزائري الجديد في التدبير والتفكير، من منطلق استهداف الرأسمال البشري في قيمه وشخصيته ومرجعياته، عبر التضليل والتشكيك”.
وأكد أن هذا العمل “تقوم به فواعل رسمية وغير رسمية في باريس والرباط وحتى تل أبيب، ضمن مشروع شامل لضرب الوحدة الوطنية، ودعم الفتن، وإرباك عمل الأجهزة الأمنية وقوى الخير في الوطن، وإنتاج فوضى مزمنة ومفتوحة”.
وختم عكنوش بدعوة صريحة إلى “تفعيل ديناميات اليقظة في المجتمع ودعمها بشكل مستدام، لمواجهة هذه المخططات المعقدة”.
المعاهد الفرنسية ” حصان طروادة ” لضرب القيم
أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عز الدين نميري، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، أن المعاهد الثقافية الفرنسية في الجزائر غالبا ما تعمل كملحقات لأجهزة الاستخبارات الفرنسية، موضحا أنها “تحاول اختراق النسيج الاجتماعي تحت غطاء التبادلات الثقافية والترويج لثقافتها المحلية”.

وقال نميري إن هذه المراكز “تسعى إلى زرع الفكر الغربي في أوساط المستفيدين من نشاطاتها، حيث يظل هدفها الأساسي الترويج لمعتقداتها الثقافية المحلية”، مضيفا أن فرنسا، في هذا الظرف بالذات، تحرص على استمرار نشاط هذه المراكز وفتح أبوابها لتحقيق مصالحها، تحت مسميات مثل التبادل الثقافي وتعليم اللغة الفرنسية.
وشدد المتحدث على أن “فرنسا، باعتبارها دولة لا يؤتمن جانبها، قادرة على استغلال هذه المراكز لضرب استقرار الوطن من خلال خلق توترات داخل المجتمع الجزائري، والترويج لأفكار تتعارض مع قيم ومبادئ الأمة، وتشجيع من يخالف أخلاقيات المجتمع الوطني”.
وحذّر محدثنا من أن هذه المراكز “ليست كما تبدو في الظاهر”، مضيفا: “في باطنها، تروّج معلومات قد تفضي إلى تفكيك الروابط الأسرية باسم الحريات الفردية، ما يجعل انعكاسها خطيرا على أمن واستقرار البلاد”.
وختم بالتأكيد على ضرورة أن “تضع الجزائر كل إمكانياتها الاستخباراتية والمعلوماتية لرصد ومتابعة أدق تفاصيل نشاط هذه المراكز”.















