ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية: في إطار احتضان الجزائر للطبعة الرابعة من المعرض الإفريقي للتجارة البينية، الذي يعد أكبر تظاهرة اقتصادية على مستوى القارة بمشاركة تفوق 2000 شركة ووفود من 140 دولة، تتجه الأنظار نحو موقع الشباب المقاول في المشهد الاقتصادي الجديد. فالجزائر، التي تكرّس حضورها كقطب محوري في مسار الاندماج الإفريقي، تراهن على هذه الفئة باعتبارها رافعة استراتيجية قادرة على مواكبة التحولات وبناء جسور الشراكة بين الاقتصادات الإفريقية.
وفي هذا الإطار، كان لـ “بوابة الجزائر” حوار مع السيد ياسين تاج الدين بوهريرة، رئيس مؤسسة شباب الجزائر، للحديث عن الحضور المتنامي للشباب المقاول الجزائري، وآفاق تحوله إلى فاعل اقتصادي قادر على تجسيد صورة الجزائر الجديدة، وقيادة مسار التكامل الإفريقي بروح الابتكار والمبادرة.

- بوابة الجزائر: بداية، كيف تقيّمون حضور الشباب الجزائري المقاول في الساحة الاقتصادية الوطنية والإفريقية؟
- ياسين تاج الدين بوهريرة : بداية أشكركم على هذه الفرصة التي تتيح لنا، نحن الشباب، مواكبة هذا الحدث الإفريقي البالغ الأهمية، والذي يعكس قناعة الجزائر بدورها الريادي في القارة، لا سيما في المجال الاقتصادي، حيث استطاعت أن تستقطب 140 دولة، لإبراز ما تزخر به من فرص استثمارية، إلى جانب تبادل الخبرات والتجارب بين مختلف الدول الإفريقية.
وعلى المستوى الوطني، يمكن القول بموضوعية إنه قبل خمس أو ست سنوات لم يكن للشباب المقاول حضور بارز، بسبب غياب آليات واضحة المعالم وعدم تفعيل دوره في هذا المجال، ما دفع العديد من الشباب إلى اتباع المسار التقليدي المتمثل في التخرج من الجامعة والبحث عن وظيفة أو عمل بسيط لسد احتياجاته.
لكن مع تولي الرئيس عبد المجيد تبون سدة الحكم، شهدنا خلال السنوات الأخيرة انتعاشا حقيقيا وقفزة نوعية في مجال المقاولاتية لدى الشباب، بفضل التسهيلات والإجراءات والقوانين التي وضعت لفتح المجال أمام المقاول الجزائري الشاب ليكون فاعلا في دفع عجلة التنمية الاقتصادية محليا ووطنيا. ومن أبرز هذه المكاسب، استحداث “بطاقة المقاول الذاتي”، وتعديل قوانين الاستثمار بما يتلاءم مع التسهيلات الممنوحة، إلى جانب الإعفاءات التي استفاد منها الشباب المقاول.
هذا الحضور الوطني مكّن الشباب الجزائري من التموقع إفريقيا، بفضل الجهد الدبلوماسي الكبير الذي بذلته الدولة الجزائرية، وبوصفها بوابة القارة الإفريقية التي تحظى بتقدير وثقة كبيرة من أشقائها الأفارقة.
وهكذا أصبح شبابنا نماذج ناجحة يحتذى بها، بفضل مشاريعهم ومؤسساتهم التي وجدت صدى لدى نظرائهم في إفريقيا.
واليوم، يشكل الانفتاح على السوق الإفريقية فرصة واعدة، حيث بات للشباب الجزائري مكانة حقيقية تتعزز تدريجيا من خلال دخولهم السوق القارية وتصدير مشاريعهم وخدماتهم.
والتظاهرة التي نشهدها اليوم، والمتمثلة في المعرض الإفريقي للتجارة البينية، تعد مناسبة استراتيجية لتعزيز مشاركة الشباب المقاول الجزائري وتوسيع حضوره في الفضاء الاقتصادي الإفريقي. - هل تعتقدون أن الشباب الجزائري استطاع أن يتحول من مجرد باحث عن وظيفة إلى صانع للثروة ومبدع في مجاله؟
- نعم، وبكل فخر فاليوم، وبفضل الانفتاح المؤسّساتي والتسهيلات التي بادرت بها الدولة الجزائرية في مجال المؤسسات الناشئة والمقاولاتية، نشهد بروز جيل جديد من الشباب رواد الأعمال.
وقد تجسد ذلك واقعا من خلال استحداث قطاع وزاري مستقل يُعنى بالمؤسسات الناشئة والمصغرة واقتصاد المعرفة، إلى جانب الأجهزة التابعة له على غرار الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية والوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر، وغيرها من الآليات الموضوعة تحت وصايته، والتي فتحت آفاقا واسعة أمام الشباب من خلال توفير الدعم المادي والمرافقة الأكاديمية، مع مراعاة خصوصيات كل منطقة.
هذا المناخ جعل شبابنا اليوم يشعر بالارتياح ويجد الضمانات التي تمكّنه من تحويل أفكاره إلى مشاريع واقعية.
كما أن الانخراط الفعال لمختلف القطاعات في دعم هذا التوجه، وعلى رأسها قطاع التعليم العالي الذي أنشأ مراكز للتطوير المقاولاتي، وقطاع التكوين المهني الذي ساعد على بلورة أفكار المشاريع لدى الطلبة والمتكوّنين، ساهم في ترسيخ ثقافة المبادرة والانتقال من البحث التقليدي عن وظيفة إلى أسلوب عصري قائم على الإبداع واستثمار الطاقات.
وقد أثمرت هذه الجهود مبادرات وابتكارات واعدة في مجالات متنوّعة، خاصة في ميدان التكنولوجيا الحديثة، ما يجعلنا نفتخر بشبابنا ونؤمن بقدرتهم على تقديم الأفضل متى توفرت لهم الفرصة، في ظل دعم الدولة واستعدادها لمرافقتهم لتحقيق تطلعاتهم في خدمة الوطن.
ومن ثم يمكن القول إن الذهنية التقليدية للشباب قد تحولت بالفعل، وأصبح يعول اليوم على ترك بصمات واضحة في مجال المقاولاتية وريادة الأعمال، بما ينسجم مع المجهودات والمبادرات الاقتصادية الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية التي تعرفها الجزائر. - كيف يمكن للشباب الجزائري المقاول أن يكون واجهة تعكس صورة الجزائر الجديدة أمام الشركاء الأفارقة؟
- يمكن للشباب الجزائري المقاول أن يشكل بالفعل واجهة حقيقية للجزائر الجديدة أمام أشقائه الأفارقة، شريطة التمسك بعدة مرتكزات أساسية.
أولها الإيمان العميق بما توفره الدولة من آليات وتسهيلات، وبأن مشروع “الجزائر الجديدة” ليس مجرد شعارات، بل مسار فعلي قائم على تمكين الشباب وإشراكهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فحين يلمس الشاب صدق الدولة وإرادة رئيس الجمهورية الذي يؤكد في خطاباته على دور الشباب، فإن ذلك يشكل له دافعا قويا لتقديم صورة مشرفة عن وطنه.
ثاني هذه المرتكزات يتمثل في الانخراط العملي في المساعي الوطنية. فالإيمان بالتغيير وحده لا يكفي، بل ينبغي على الشباب طرق الأبواب المفتوحة أمامهم، والدخول بأفكار مبتكرة ومشاريع مدروسة تجد كل الدعم والمرافقة.
وهو ما تعمل عليه مختلف القطاعات عبر تكوين المقاولين، ومرافقتهم في دراسة مشاريعهم وتقييمها وتعديلها، وصولا إلى طرحها برؤية استثمارية مستدامة قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة.
أما العنصر الثالث فهو ضرورة مواكبة التحولات المتسارعة، لاسيما في المجالين التكنولوجي والرقمي، بما يسمح للشباب بأن يظل في موقع الريادة، ويصبح خير سفير لوطنه.
فمادامت الجزائر قد فتحت الأبواب على مصراعيها أمامهم، فإن أجمل رد يمكن أن يقدمه الشباب المقاول هو تشريفها وطنيا ودوليا في كل محفل وفرصة سانحة. - كيف يمكن للشباب المقاول أن يكون أداة لتقريب الشعوب الإفريقية اقتصاديا وثقافيا؟
- من المؤكد أن الجزائر عُرفت على الدوام، على المستويين الرسمي والشعبي، بسعيها الحثيث نحو توحيد القارة الإفريقية، وبناء نهضة اقتصادية وثقافية وحضارية مميزة. ويترجم هذا التوجه اليوم بشكل ملموس عبر شبابها المقاول، الذين يشكلون واجهة حقيقية للجزائر .
فالشباب، بفضل ديناميكيتهم وانفتاحهم، قادرون على أن يكونوا جسرا لحوار الحضارات.
فمن خلال التبادلات الاقتصادية التي ينخرطون فيها، يفتح المجال أمام تبادل ثقافي طبيعي، حيث يسعى كل بلد للتعرف على خصوصيات البلدان الأخرى.
والجزائر، التي توصف بأنها “قارة بحضارتها وثقافتها”، تجد في شبابها المقاول سفراء حقيقيين ينقلون تجاربهم الاقتصادية وأفكارهم، ويبرمون صفقات واستثمارات تدر العملة الصعبة على البلاد، وفي الوقت نفسه يعكسون القيم الحضارية والتاريخية والثورية التي صنعت هوية الجزائر.
بعيدا عن الصراعات السياسية، يظل الشباب – كما يؤكد رئيس الجمهورية دوما – “القوة النظيفة” للوطن، بفضل إبداعاتهم ومرافقة الدولة لهم.
وهو ما يجعلهم في الموعد دائما لنقل رسالة الجزائر الثقافية والحضارية إلى محيطها الإفريقي، موازاة مع دورهم الاقتصادي.
وقد تجسد ذلك بوضوح في هذه التظاهرة الاقتصادية، حيث حرص بعض المقاولين الشباب على الظهور بالزي الجزائري الأصيل داخل أجنحة مؤسساتهم، ليقدموا صورة حضارية متكاملة تعكس تنوع الجزائر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. وبذلك تتحول مشاركتهم إلى رسالة حقيقية مفادها أن “الجزائر القارة” تحتضن بدورها قارة كبرى اسمها إفريقيا. - ما هي القطاعات الواعدة التي يمكن أن يبدع فيها الشباب الجزائري لتكون جسرا للتكامل الاقتصادي الإفريقي؟
- إن الجزائر، بما حباها الله من تنوع بيولوجي وجغرافي ومؤسساتي، تتيح للشباب فرصة حقيقية لصنع بصمة اقتصادية قادرة على المساهمة في دعم حضورهم في الفضاء الإفريقي. هناك قطاعات عديدة تشكل واجهات واعدة، لعل أبرزها:
القطاع الفلاحي: في ظل التحدي القائم لضمان الاكتفاء الذاتي، وبما تملكه الجزائر من مساحات شاسعة واستثمارات موجهة بالأساس للشباب، فإن المقاولاتية الفلاحية تمثل مجالا حيويا قادرا على تعزيز الاقتصاد الوطني وفتح آفاق واسعة للتصدير نحو الأسواق الإفريقية بما تزخر به البلاد من منتجات زراعية متنوعة من خضر وفواكه وحبوب.
القطاع السياحي: الجزائر غنية بصحرائها المترامية الأطراف، وبساحل يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، وبمناظر طبيعية خلابة. ورغم محدودية الاستثمارات في هذا المجال، فإن الشباب قادرون على اقتحامه من خلال مشاريع مبتكرة وخدمات رقمية وتطبيقات سياحية تعزز من الجاذبية الحضارية والثقافية للجزائر، وتفتح أبواب التكامل مع الشعوب الإفريقية على المستويين الاقتصادي والثقافي.
الاقتصاد الرقمي: مع التحولات نحو الرقمنة، برزت أهمية الابتكار في مجال التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
والشباب الجزائري، بما يقدمه من تطبيقات وحلول تقنية، قادر على أن يكون رافدا للتنمية المشتركة، ونموذجا يحتذى به داخل القارة.
القطاع البيئي: انخراط الجزائر في الأجندة الأممية للتنمية المستدامة 2030 يعزز من فرص الشباب المقاول في المجال البيئي. فإبداعاتهم ومبادراتهم في حماية البيئة وتطوير اقتصاد أخضر تسهم في جعل الجزائر نافذة إفريقية رائدة في هذا المجال، ومنصة لتبادل التجارب والخبرات. - هل نحن أمام جيل جديد من الشباب الجزائري المقاول الذي يمكن أن يتحول إلى سفير اقتصادي للجزائر في القارة؟
- نعم، نحن أمام جيل جديد بفضل الرؤية المنفتحة للجزائر الجديدة التي جعلت من الشباب طرفا أساسيا في صناعة القرار وفي بعث التنمية الوطنية.
فقد فتحت أمامهم أبواب المشاركة ومنحتهم الدعم والمرافقة اللازمة، ما مكنهم من تجسيد مشاريع وأفكار على أرض الواقع، ليصبحوا سفراء للإصلاحات العميقة التي تشهدها البلاد.
هذا الجيل تجاوز مخاطر البطالة والهجرة غير الشرعية والإدمان، ليكرس نفسه كقوة مبادرة وفاعلة على المستوى الوطني والإفريقي وحتى العالمي. - هل يمكن القول إن المعرض الإفريقي للتجارة البينية بالجزائر يمثل فرصة تاريخية للشباب الجزائري المقاول لفرض نفسه كشريك إفريقي موثوق؟
- بالتأكيد، يمثل هذا المعرض فرصة تاريخية للشباب لعدة أسباب:
أولا، تنظيم التظاهرة في الجزائر أتاح لأكبر شريحة من الشباب فرصة الاطلاع المباشر على المشاريع الإفريقية ومقابلة المؤسسات والهيئات الاقتصادية، وهو ما لم يكن متاحا لو أقيم في بلد آخر.
ثانيا، جمع المعرض بين خيرة الفاعلين الاقتصاديين من 140 دولة ومئات المؤسسات في مكان واحد، بعدما كانت اللقاءات تقتصر على ملتقيات متفرقة في أوروبا وآسيا وأمريكا.
وثالثا، أتاح للشباب الجزائري عرض مشاريعهم، كسب أسواق جديدة، تبادل خبرات، والتعريف بما وفرته الجزائر لهم من دعم وإمكانات، ليبرهنوا أن “جزائر اليوم ليست كجزائر الأمس”. - كيف تتصورون مستقبل المقاولاتية الشبابية في الجزائر في أفق العشر سنوات القادمة، خاصة في بعدها الإفريقي؟
- أنا متفائل للغاية، فالجزائر معروفة بريادتها في الساحة الإفريقية، ولن تكون العشرية المقبلة سوى تعزيز لهذه المكانة. شبابنا المقاول قادر على دفع عجلة التصدير، وتوسيع المعاملات التجارية، وخلق فضاءات للتبادل الحر بين الدول الإفريقية.
ومع استمرار الجزائر في مسارها الإصلاحي، فإنها ستتقدم بخطى ثابتة نحو الاكتفاء الاقتصادي والتحول إلى قطب اقتصادي إقليمي بامتياز.
كما أن تحسين جودة المنتوج الوطني، وتشجيع المنتوج المحلي، سيسمح بمنافسة العلامات العالمية، وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام، في بيئة مستقرة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، بما يعود بالنفع على الأجيال القادمة.











