بوابة الجزائر الإخبارية: تكشف سلسلة من الوقائع والتحقيقات عن أساليب متعددة يُقال إن سلطات الإمارات وشبكات مرتبطة بها تستخدمها للتأثير في الصحفيين والباحثين والمؤثرين، عبر المال والعلاقات العامة وشبكات التأثير الرقمي، في محاولة لإعادة صياغة النقاش حول ملفات سياسية شديدة الحساسية، من الحرب في السودان وجماعة الإخوان المسلمين، إلى خصوم أبوظبي في أوروبا والولايات المتحدة.
وكان أحدث هذه الوقائع ما كشفه محلل المصادر المفتوحة ريتش تِد، الذي نشر رسائل قال إنه تلقاها وتتضمن عرضا ماليا لإنتاج محتوى بشأن الحرب في السودان، قدمه شخص مرتبط بالإمارات. ووفقا للرسائل، كان المطلوب التركيز على عدد من النقاط، بينها أداء الجيش السوداني، وعلاقاته المزعومة بإيران، وصلاته بالتطرف الإسلامي، إضافة إلى تعثره العسكري ودوره في عرقلة مفاوضات السلام.

غير أن اللافت في العرض لم يكن المقابل المالي فحسب، وإنما اشتراط مراجعة المحتوى قبل نشره للتأكد من توافقه مع الرسائل والأهداف المحددة. وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة العملية، إذ يتجاوز الأمر حدود الإعلان أو الرعاية المدفوعة إلى محاولة التأثير المباشر في مضمون المادة الإعلامية نفسها.
وقبل أسابيع من قضية ريتش تِد، برزت واقعة أخرى تضمنت عرضاً مالياً مباشراً. فقد نشرت المعلقة الأمريكية أنجيلا فان دير بليم رسائل قالت إنها تلقتها من الناشط المقيم في أبوظبي لؤي الشريف، تضمنت عرضاً بقيمة 1500 دولار مقابل نشر منشورين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تزويدها مسبقاً بالنقاط التي يفترض تناولها بشأن جماعة الإخوان المسلمين وحماس وما وصف بأنه تهديد الإسلام السياسي للأمن الأوروبي. وقالت إنها رفضت العرض.
وزادت أهمية الواقعة بسبب هوية الشخص الذي قدم العرض، إذ يُعرف الشريف بنشاطه في الترويج لاتفاقيات إبراهيم وحضوره الواسع على منصة إكس، كما يمتلك شركة للعلاقات العامة في أبوظبي تعمل مع جهات حكومية وعملاء من القطاع الخاص.
ولا تتوقف هذه الوقائع عند منصات التواصل الاجتماعي، بل تمتد، وفق تحقيقات ووثائق مسربة، إلى مجالي الصحافة والأبحاث. فقد كشفت تحقيقات استندت إلى وثائق مسربة عن علاقة بين الإمارات وشركة «ألب سيرفيسز» السويسرية، التي يُقال إنها عملت على جمع معلومات حول خصوم أبوظبي وتنفيذ حملات ضد شخصيات ومؤسسات مرتبطة بقطر أو بجماعة الإخوان المسلمين.
وأشارت وثائق التحقيق إلى أهداف تتعلق بالتأثير في عشرات المواد الصحفية سنوياً، إلى جانب استخدام هويات وهمية وحسابات ومنشورات مزيفة من أجل تمرير الرسائل المراد إيصالها إلى الجمهور.
وفي قضية قضائية أمريكية حديثة، عرضت المحكمة مزاعم للمدعين تفيد بأن شبكة مرتبطة بالإمارات سعت إلى تمرير روايات معينة إلى وسائل إعلام أوروبية، من بينها ترتيب نشر مقال بواسطة صحفي مدفوع في صحيفة «لو تان» السويسرية.
كما ظهر اسم الباحث لورنزو فيدينو في هذا السياق. ووفق التحقيقات المرتبطة بشركة «ألب سيرفيسز»، تلقى فيدينو ما لا يقل عن 13 ألف يورو مقابل تقديم معلومات وأسماء مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، وهي معلومات يمكن أن يعاد استخدامها لاحقاً في مواد إعلامية أو نقاشات سياسية.
وفي مسار آخر، كشفت تقارير نُشرت في مايو 2026 أن الإمارات دفعت أكثر من 6 ملايين دولار لشركة «تيراكييت» لإدارة السمعة الرقمية لسفيرها لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة. وشملت الأعمال تعزيز المحتوى الإيجابي وتقليص ظهور المواد السلبية في نتائج البحث، فضلاً عن استخدام حسابات تحرير مجهولة على ويكيبيديا. وأكد العتيبة أن الشركة عملت لصالح الإمارات، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة الحملة.
وتشير معطيات أخرى إلى حجم أكبر للإنفاق على التأثير والعلاقات العامة، إذ وجد مركز السياسة الدولية أن الإمارات دفعت في عام 2018 نحو 20 مليون دولار لعشرين شركة أمريكية تعمل في مجالات الضغط والعلاقات العامة. كما أظهر تقرير آخر أن شركات تعمل لصالح المصالح الإماراتية تواصلت مع آلاف المسؤولين والإعلاميين ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة خلال عامي 2020 و2021.
ومن عرض مالي لإنتاج محتوى عن السودان، إلى 1500 دولار مقابل منشورين على مواقع التواصل، وصولاً إلى ملايين الدولارات التي تُنفق على شركات العلاقات العامة والتأثير، ترسم هذه الوقائع صورة أوسع لمعركة النفوذ الإماراتية في المجال الإعلامي والرقمي.
ويبقى السؤال الأبرز أبعد من حجم الأموال التي دُفعت: كم من الأصوات التي قبلت التمويل أو التعاون لم يكن الجمهور على علم بطبيعة العلاقة التي تقف وراء المحتوى الذي يقرأه أو يشاهده؟


















