مقال رأي بقلم إسماعيل مليلي: صحفي جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية: بعيدا عن عدسات الكاميرات، ومخرجات القمم العلنية، تتشكل فصول تحالف استراتيجي غير معلن في العاصمة الاثيوبية أديس ابابا، انكشفت خيوطه من خلال تحركات مشبوهة لأطرافه تزامنت مع رحلات ولقاءات سرية، تضم أطرافا غير متجانسة في الأساس، ففي أغسطس الفارط، شهدت العاصمة الاثيوبية اجتماعا ضم ممثلين عن عدة دول، تجمعهم مصالح متداخلة في منطقة تشتد فيها المنافسة على النفوذ، وتتقاطع فيها خطوط التماس بين الأمن، الطاقة والممرات المائية.

قيل أن شخصيتان مهمتان حضرتا هذا اللقاء، والذي أريد له أن ينفّذ في صمت خارج الأضواء، وهو لقاء ترتيب للأوراق في منطقة تمتد من البحر الأحمر إلى منابع النيل، ومن الساحل الإفريقي إلى عمق القارة، غير ان انعكاسات هذا اللقاء بدأت تظهر على السطح، وأول المتأثرين منها ستكون القاهرة.
أبرز ما كشفت عنه التحركات الأخيرة، هو تبلور شبكة مصالح تضم الإمارات، إسرائيل وأثيوبيا، بالإضافة إلى أطراف أخرى في المنطقة (تشاد، حفتر، حميدتي)، وترتكز هذه العلاقة على ثلاثة أركان هي: دعم جهات محددة في السودان، وتعزيز الوجود في ممرات البحر الأحمر، والتنسيق الأمني والاستخباراتي المشترك، ولم يعد سرا أن هناك تدفقات للمعدات والدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، وهو ما تعتبره القاهرة مساسا مباشرا بأمنها القومي، فالسودان ليست دولة مجاورة فحسب، بل هي عمق استراتيجي وممر مائي، وشريك لا يمكن لمصر أن تتجاهل ما يجري على أراضيه.

شكلت اتقاقيات الموانئ والمنافذ في القرن الافريقي جزءا آخر من هذا النسيج، حيث تتداخل المصالح الإمارتية والإسرائيلية في السيطرة على نقاط الالتقاء بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، في محاولة لرسم مسارات تجارية وأمنية لا تمر عبر القنوات التقليدية التي تحافظ مصرعلى استقرارها، وهكذا تتحول اثيوبيا من دولة جارة تعالج معها ملفات المياه والتنمية إلى دولة مستضيفة لأطراف مشبوهة، ومنصة انطلاق لتحركات تهدف إلى تغيير موازين القوى في الاقليم برمته.
وإذا نظرنا إلى خريطة التحركات مُجتمعة، يتضح أن مصر لم تعد مجرد متابع من بعيد، بل أصبحت ربما من غير قصد في قلب المشهد، فالملف السوداني الذي يُعالج في أديس أبابا تتعرض فيه المصالح المصرية للمساس. ولم يكن تصاعد حدة التوتر بين القاهرة وأبؤظبي في الأشهر الأخيرة من فراغ (إلغاء آلاف الإقامات المصرية في الإمارات)، بل جاء نتيجة تراكم الخلاف في ملفات حاسمة: من السودان إلى ليبيا، ومن سد النهضة إلى الاستثمارات في الموانئ والأصول الحيوية.

قامت الامارات في الفترة الأخيرة بخطوات اعتبرتها مصر خارجة عن إطار العلاقات الأخوية، بدءً من الدعم اللامشروط لقوى في المنطقة لا تتوافق مع المصالح المصرية، مرورا بما وُصف بتوظيف الاستثمارات والوجود البشري كأوراق ضغط، ووصلا إلى التنسيق مع أطراف تقيم في القاهرة (شركات وصناديق استثمار، جهات إعلامية ممولة، دوائر وعلاقات غير رسمية…) على انها مصدر قلق استراتيجي، وفي حين ظلت القاهرة تحافظ على لغة الحوار والعلاقات الرسمية، فإن المؤشرات جميعها توحي بأن الثقة قد تآكلت، وأن كل طرف ينظر إلى تحركات الآخر بعين الحذر والترقب. وما يزيد من حدة الموقف هو أن هذه التحركات لا تحدث من فراغ، بل تتقاطع مع مخاوف مصرية عميقة تتعلق بمنابع نهر النيل، والأمن المائي، فالتسيق بين أطراف لا تتقاسم مع مصر نفس الرؤية بشأن هذه الملفات الحيوية، يثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف بعيدة المدى، وكيف ستنعكس هذه التحالفات على استقرار الاقليم برمته.

من غير المتوقع أن يتحول الخلاف إلى مواجهة علنية ومباشرة على المدى القصير، فالروابط بين مصر والامارات لا تزال عميقة، والمصالح المشتركة أكبر من أن تحصى، والتكلفة المترتبة على قطع العلاقات باهظة للطرفين، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن طبيعة العلاقات قد تغيرت، وأن لغة التنسيق الاحادي والتحالفات التي تُبنى من وراء الظهر قد تفضي إلى المزيد من التباعد، وربما إلى اصطدامات في الملفات المشتركة.
إن ما يحدث في أديس أبابا وغيرها من العواصم هو رسالة واضحة مفادها أن المنطقة تشهد إعادة ترسيم لخطوط النفوذ، وأن من لا يشارك في صياغة هذا الواقع، قد يجد نفسه متأثرا بنتائجه، دون أن يكون له صوت، وبالنسبة للقاهرة، فإن المرحلة القادمة ستتطلب منها توحيدا أكبر للمواقف، وتنسيقا أوثق مع الشركاء الحقيقيين، وإيضاحا حازما أن أمنها القومي خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي تحالف أو مسمى، فالتحالفات التي تبنى في الظلام سرعان ما تنكشف أهدافها، وعندها يظهر الحليف الحقيقي من المخادع.








































