مقال رأي بقلم: السفير الجزائري السابق عمار بلاني
بوابة الجزائر الإخبارية: تواجه المملكة العربية السعودية تهديداً مزعزعاً للاستقرار كانت تسعى، من خلال انخراطها العسكري في اليمن، إلى احتوائه، غير أن التقدم السريع للحوثيين نحو مضيق باب المندب جعل المشكلة تتجاوز بكثير الإطار اليمني. فقد أصبحت بحرية وطاقوية وإقليمية. وأي ضغط مستدام على هذا المضيق من شأنه أن يهدد طرق التجارة والصادرات السعودية وعائدات قناة السويس.

تجد الرياض نفسها بين جبهتين. ففي الشرق، تمتلك إيران ورقة مضيق هرمز. وفي الغرب، يعزز حلفاؤها الحوثيون قدرتهم على الضغط حول باب المندب. وكانت المملكة تأمل في الاستناد إلى واجهتها على البحر الأحمر للحد من اعتمادها على مضيق هرمز. لكن المعطيات الجديدة تمنح طهران ورقتي ضغط بحريتين متكاملتين، في وقت تسعى فيه الرياض إلى تنويع طرق صادراتها. ومن جهتها، تواجه مصر أيضاً خطر انخفاض جديد في حركة الملاحة وعائدات قناة السويس.

وفي هذا السياق، يواجه ميثاق مكة، الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، أول اختبار حقيقي له. وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً.
وقد بدأت ملامح هيكله المؤسسي بالظهور. ففي 31 أغسطس، جمعت الدول الثلاث في إسطنبول مسؤوليها الدبلوماسيين والعسكريين، بما وضع أسس آلية مؤسسية. غير أن ترجمته عسكرياً لا تزال بحاجة إلى بناء واسع. فلم يُعلن عن قيادة مشتركة مماثلة لقيادة حلف الناتو، ولا توجد قوة متكاملة عاملة، والأهم أنه لا توجد أي آلية معلنة تنص على الإرسال التلقائي لقوات تركية أو باكستانية.

ولا تزال المسألة القانونية مفتوحة في تركيا، حيث يثير عدم التصديق البرلماني تساؤلات حول النطاق الداخلي لبعض الالتزامات. وتنظم المادة 90 من الدستور بدقة دخول الاتفاقيات الدولية التي تفرض التزامات مهمة على الدولة حيز التنفيذ.
وقد كشفت هجمات الحوثيين بالفعل عن الفجوة بين التضامن السياسي المعلن والدفاع الجماعي الفعلي. ففي 10 سبتمبر، أوضحت إسلام آباد أنه لم تتم مناقشة أي رد عسكري في إطار الميثاق، رغم التزامها تجاه الرياض وأنقرة.
وهذا التوضيح ليس تفصيلاً هامشياً. فالميثاق يعلن تضامناً جماعياً، لكن ذلك لا يعني بعدُ تدخلاً عسكرياً تلقائياً. ويجري التأكيد على طبيعته الدفاعية والردعية، رغم أن ملامح تحول تدريجي إلى تحالف عسكري إقليمي قابل للتوسع بدأت تظهر، خصوصاً في ظل التوجهات التوسعية والعسكرية الإسرائيلية في المنطقة.

وتبقى تركيا حذرة. فهي تدين الهجمات وتعلن دعمها لأمن السعودية، لكن لا شيء يشير إلى رغبتها في إشراك قواتها مباشرة في اليمن. ومن شأن مثل هذا التدخل أن يفتح جبهة جديدة مع الحوثيين، وأن يفاقم خطر المواجهة، المباشرة أو غير المباشرة، مع راعيهم الإيراني. ومع ذلك، يؤكد الرئيس أردوغان أن «تطورات جيدة» تجري حول الميثاق، موضحاً أن تركيا والسعودية وباكستان تعتزم إرسال «إشارة إلى العالم الإسلامي».
وخلف هذا الصمت، تكمن المسألة الأساسية في تحويل إعلان التضامن إلى آلية دفاع قابلة للتطبيق فعلياً.
وبالنسبة إلى الرياض، تبرز المفارقة بوضوح. فالمملكة تسعى إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي من خلال ميثاق مكة، لكنها، في مواجهة الهجوم الحوثي، تواصل في الوقت نفسه طلب الدعم الأمريكي، ولا سيما في مجال الاستخبارات وتحديد الأهداف. وحتى الآن، تفضل واشنطن هذا الدعم على التدخل المباشر، وهو ما رفضه الرئيس ترامب في مناسبتين.
ومع تصاعد هجمات الحوثيين، وفي ظل محدودية حماس شريكيها في ميثاق مكة، تتجه السعودية الآن إلى مصر للحصول على دعمها.

غير أن انخراط القاهرة بصورة نشطة في هذا النزاع يبقى مستبعداً للغاية. فمصر تتوخى حذراً شديداً في ما يتعلق بالانخراط العسكري في الخارج، وكانت قد رفضت في وقت سابق دعوة الانضمام إلى ميثاق مكة.
وبحسب مصادر أمريكية موثوقة، عقد اجتماع عسكري سري في ألمانيا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وثماني دول عربية، هي السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر. ونظم الاجتماع القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، وتركز على الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية. كما تناولت المناقشات احتمال التعاون الإسرائيلي السعودي ضد الحوثيين، ولا سيما في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR).
وعليه، إذا استمرت الهجمات على الأراضي السعودية ومنشآتها من دون رد ملموس من تركيا أو باكستان، فستظهر سريعاً أمام الجميع القيمة الفعلية لميثاق مكة. ولن يكون اختباره الأول دبلوماسياً، بل عملياتياً.






































