بوابة الجزائر الإخبارية : تدخل الجزائر تشريعيات 2 جويلية 2026 بمنظور سياسي أوسع تجاه الجالية الجزائرية بالخارج. بعد أن تحوّل هذا الملف خلال السنوات الأخيرة من دائرة التكفل القنصلي والإداري إلى مسار مؤسساتي يقوم على توسيع التمثيل البرلماني. تحسين الخدمات، تسهيل التنقل، فتح قنوات الاستثمار. واستقطاب الكفاءات العلمية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، لم تكن مشاركة الجزائريين بالخارج في الاقتراع مجرد موعد انتخابي. بل ترجمة سياسية لجملة تسهيلات وقرارات أقرها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لفائدة الجالية. في إطار رؤية تعتبر الجزائريين المقيمين بالخارج امتدادا للدولة الوطنية وشريكا في التنمية والدبلوماسية الاقتصادية.
كما تستند هذه المقاربة إلى توجيهات عبّر عنها رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة. لاسيما خلال لقائه برؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية. حين شدد على أن التعامل مع الجالية لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الانشغالات. بل يجب أن يشمل تعزيز روابطها بالوطن وإشراكها في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي الجهود الرامية إلى تقوية مكانة الجزائر دوليا. كما دعا السلك الدبلوماسي إلى ابتكار أساليب ومناهج تترجم الأهمية الخاصة التي يوليها لهذا الملف. مع فتح قنوات اتصال مباشرة وإلكترونية مع أبناء الجالية.
12 مقعداً للجالية
ومن هذه الزاوية، تأتي تشريعيات 2 جويلية كمحطة لاختبار أثر هذه المقاربة على المشاركة السياسية. فقد رفع عدد المقاعد المخصصة للجالية الوطنية بالخارج في المجلس الشعبي الوطني من 8 إلى 12 مقعدا. بعد إعادة تنظيم الدوائر الانتخابية وفق الكثافة السكانية. في خطوة تمنح الجزائريين بالخارج تمثيلا أوسع داخل المؤسسة التشريعية. وتسمح بنقل انشغالاتهم بصورة أدق في ملفات القنصليات، السفر، الاستثمار، الشباب، التعليم، التحويلات، والاندماج الاقتصادي في الوطن.
كما تضم الهيئة الناخبة بالخارج 854.285 ناخبا موزعين على ثماني مناطق جغرافية عبر العالم. بينما تم تخصيص 74 مركز تصويت يؤطرها 645 مؤطرا، و435 مكتب اقتراع يشرف عليها 3073 مؤطرا. كما تعرف الدوائر الانتخابية بالخارج تنافس 66 قائمة، بين أحزاب سياسية ومترشحين أحرار. بما يعكس حجم الاستحقاق خارج التراب الوطني واتساع تمثيل الجالية في الخريطة الانتخابية.

تسهيلات للجالية و دعم الشباب
وهذا ولم يقتصر مسار التسهيلات على التمثيل البرلماني. فقد شملت الإجراءات دعم المترشحين الشباب ضمن القوائم الحرة بالخارج. على غرار نظرائهم داخل الوطن، بما جعل الترشح بالنسبة لشباب الجالية أكثر قابلية للتحقق. كما تم استحداث منصب كاتب دولة مكلف بالجالية الوطنية بالخارج. وهو إجراء يمنح الملف قناة مؤسساتية مباشرة داخل الجهاز التنفيذي. بعد أن ظل لسنوات موزعا بين القنصليات، وزارة الخارجية، والممثليات الدبلوماسية.
كما تعزز هذا التوجه باستحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، تحت وصاية رئاسة الجمهورية، كهيئة استشارية مستقلة ماليا وإداريا. حسب ما أقره اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 21 جوان 2026. ويمنح هذا المجلس بعدا جديدا لعلاقة الجزائر بكفاءاتها في الخارج، لأنه ينقل ملف الجالية من منطق الخدمات فقط. إلى منطق تعبئة الخبرة العلمية والبحثية والتكنولوجية.
وانطلقت أشغال الاجتماع التأسيسي للمجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يوم 28 جوان 2026 بالقطب العلمي والتكنولوجي الشهيد عبد الحفيظ احدادن بسيدي عبد الله. وهي خطوة جاءت قبل أيام فقط من موعد الاقتراع، ما منح الرسالة السياسية بعدا واضحا. الجالية ليست خزانا انتخابيا عابرا، بل مورد وطني للمعرفة والاستثمار والابتكار.
فرنسا: الناخبون يربطون المشاركة بالمكتسبات
وفي فرنسا، حيث تتمركز إحدى أكبر الجاليات الجزائرية. ربط ناخبون مشاركتهم في تشريعيات 2 جويلية بالمكتسبات العملية التي تحققت في السنوات الأخيرة. ومن بين هذه المكاسب فتح فروع للبنك الخارجي الجزائري بفرنسا. بما يسهل تحويل الأموال والاستفادة من القروض العقارية. إلى جانب التسهيلات الخاصة باستيراد السيارات التي يقل عمرها عن خمس سنوات في إطار تغيير الإقامة، والأسعار التفضيلية للخطوط الجوية الجزائرية لفائدة العائلات، وتبسيط إجراءات إصدار جوازات السفر ووثائق الهوية عبر المنصات الرقمية.
أما على مستوى التنظيم الانتخابي في فرنسا، أكدت مندوبة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لدى قنصلية نانتير. مسعودة بوغديري، تسجيل إقبال متزايد، مع تسخير الوسائل الضرورية لضمان السير الحسن للعملية. كما تم فتح مكاتب اقتراع لامركزية في تراب ومانت لا جولي ودرو. إلى جانب المركز الرئيسي في نانتير، في خطوة عملية لتقريب التصويت من أفراد الجالية. خاصة في ظل اتساع المسافات داخل الضواحي الفرنسية.
إرادة سياسية لتعزيز حضور الجالية
وفي مصر، أخذت المشاركة بعدا سياسيا واضحا من خلال تصريحات جزائريين مقيمين بالقاهرة والإسكندرية. ثمنوا رفع تمثيل الجالية في البرلمان إلى 12 مقعدا والإعانة الموجهة للمترشحين الشباب في القوائم الحرة. واعتبرت ممثلة الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات بمصر، نوال بولصنام. أن هذه الإجراءات تعكس إرادة سياسية لتعزيز حضور الجالية في الحياة العامة وتمكينها من الإسهام في صنع القرار. خصوصا مع أهمية مشاركة المرأة في هذا الاستحقاق.
كما ثمن مدير إدارة الطاقة بجامعة الدول العربية، المستشار عبد الرحمن بلحوت، إجراءات تحسين الخدمات وتيسير التنقل. وخص بالذكر استحداث منصب كاتب دولة مكلف بالجالية الوطنية بالخارج، باعتباره مؤشرا على نقل الملف إلى مستوى مؤسساتي أكثر وضوحا. أما الإطار بجامعة الدول العربية رابح حليمي، فاعتبر أن قرارات رئيس الجمهورية ليست مجرد إعلانات سياسية. بل إجراءات دخلت حيز التنفيذ، مستدلا بانطلاق الاجتماع التأسيسي للمجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج بعد أيام قليلة من الإعلان عنه.

1642 ناخبا في تركيا و اقبال متواصل
وفي تركيا، أظهرت الجالية الوطنية إقبالا معتبرا خلال اليوم الثالث من العملية الانتخابية، خاصة على مستوى مكتب إسطنبول، الذي يضم أكبر عدد من المسجلين. وتبلغ الهيئة الناخبة الجزائرية في تركيا 1642 ناخبا، موزعين بين مركز أنقرة بـ135 ناخبا، ومركز إسطنبول بـ1507 ناخبين، منهم 1429 في مكتب القنصلية العامة بإسطنبول و78 بمكتب إزمير، الواقعة على بعد 419 كلم جنوب غرب إسطنبول.
وتدخل تركيا ضمن المنطقة الجغرافية الثامنة، التي يوجد مقر تنسيقيتها بمدريد، وتضم 14 دولة هي إسبانيا، البرتغال، إيطاليا، اليونان، سويسرا، النمسا، المجر، كرواتيا، صربيا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، رومانيا وبلغاريا، إضافة إلى تركيا. وتتنافس في هذه المنطقة خمس قوائم، أربعة أحزاب وقائمة مستقلة واحدة، على مقعد واحد في المجلس الشعبي الوطني. وتعكس شهادات ناخبين مثل تركية ساعد بوزيد، آمال بوحجار، طارق جبيري، سارة تزكرات، نسيمة بوراوي وحسنية بوكابر أن التصويت بات لدى جزء من الجالية ممارسة سياسية مرتبطة بالانتماء لا بالمكان الجغرافي.
تغييرات ملموسة في بلجيكا و لوكسمبورغ
وفي تونس، اتخذت العملية الانتخابية بعدا رمزيا خاصا، بالنظر إلى مكانة القنصلية العامة بتونس في الذاكرة الوطنية، حيث احتضنت خلال الثورة التحريرية وزارة التسليح والاتصالات العامة للحكومة المؤقتة، كما شهدت اجتماعات تاريخية سنة 1959. داخل هذا الفضاء، شارك ناخبون من الجيل الثالث والرابع لعائلات جزائرية استقرت بتونس، مؤكدين أن الاقتراع يمثل وسيلة للحفاظ على الصلة السياسية بالوطن الأم، ونقل هذا الارتباط إلى الأجيال الجديدة.
أما في بلجيكا ودوقية لوكسمبورغ الكبرى، فقد اعتبر ناخبون أن التدابير التي أقرها رئيس الجمهورية لفائدة الجالية أصبحت واقعا ملموسا، سواء عبر تعزيز التمثيل البرلماني أو تقريب الخدمات القنصلية ورقمنتها أو إشراك الكفاءات الوطنية في التنمية. وأكد براهيتي عبد العزيز أن رفع المقاعد من 8 إلى 12 مقعدا يجسد حرص السلطات العليا على تعزيز مشاركة الجزائريين بالخارج في صنع القرار الوطني، فيما شدد ناخبون آخرون على أهمية الاستثمار في طاقات الشباب كقوة اقتراح وابتكار.

مسارات فعلية للحضور
وتبرز في خلفية هذا الحضور الانتخابي سلسلة إجراءات عملية تتصل بالحياة اليومية للجالية، منها تحسين ظروف الاستقبال في المعابر الحدودية، تعزيز الرحلات الجوية والبحرية خلال موسم الاصطياف، مراجعة بعض التدابير التنظيمية المرتبطة بالسفر، رقمنة الوثائق، وتقريب الخدمات الإدارية. كما تتكامل هذه التدابير مع مسار اقتصادي يرمي إلى تشجيع الجزائريين بالخارج على الاستثمار في الوطن، عبر تبسيط إنشاء المؤسسات، مرافقة حاملي المشاريع، وفتح فرص في القطاعات المنتجة.
وتحمل هذه المعطيات دلالة سياسية دقيقة. فالدولة لم تكتف بدعوة الجالية إلى المشاركة، بل وضعت أمامها مسارات فعلية للحضور: تمثيل برلماني أوسع، منصب حكومي مخصص للملف، مجلس علمي أعلى للكفاءات، تسهيلات مالية وبنكية، خدمات رقمية، دعم للشباب المترشح، ومكاتب اقتراع أقرب إلى الناخبين. وبذلك، تصبح المشاركة في تشريعيات 2 جويلية جزءا من علاقة جديدة بين الجزائر ومواطنيها بالخارج، تقوم على الثقة والتمثيل والمساهمة.
امتداد ناعم لحضور الجزائر في العواصم العالمية
كما أن هذه المقاربة تمنح البعد الدبلوماسي للجالية مكانة أكبر. فالجزائريون المقيمون في الخارج لا يمثلون فقط كتلة انتخابية، بل يشكلون امتدادا ناعما لحضور الجزائر في العواصم العالمية، من خلال الكفاءات الجامعية والاقتصادية والمهنية والجمعوية. ولهذا يكتسب المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج أهمية خاصة، لأنه يوفر إطارا مؤسساتيا لتحويل الخبرة المنتشرة في العالم إلى شبكة وطنية تخدم البحث، الابتكار، الجامعة، التكنولوجيا، والدبلوماسية الاقتصادية.
وفي المحصلة، تكشف تشريعيات 2 جويلية أن الجزائر تتعامل مع الجالية الوطنية بالخارج باعتبارها جزءا من معادلة بناء المؤسسات، لا مجرد ملف إداري. فرفع التمثيل إلى 12 مقعدا، وتوسيع التسهيلات، وإدماج الكفاءات، وتنظيم الاقتراع في 74 مركزا عبر العالم، كلها مؤشرات على تحول سياسي في إدارة هذا الملف. ويبقى الرهان بعد الاقتراع في قدرة ممثلي الجالية داخل المجلس الشعبي الوطني المقبل على تحويل هذا الزخم إلى عمل تشريعي ورقابي منظم، يواكب انشغالات الجزائريين بالخارج ويعزز حضورهم في مسار التنمية الوطنية


















