بوابة الجزائر الإخبارية: 2.8 مليون طن من المازوت و1.31 مليون طن من البنزين سنوياً، ضمن قدرات إنتاجية مستهدفة لمصفاة حاسي مسعود الجديدة، التي تستعد لإطلاق أولى عمليات الإنتاج في أكتوبر 2027، بطاقة معالجة إجمالية تبلغ 5 ملايين طن من النفط الخام. ويضع هذا المشروع الجزائر أمام استحقاق صناعي جديد يتمثل في تحقيق الاكتفاء الكامل من المازوت وإنهاء استيراده، بعد توقف واردات البنزين منذ 2023، في خطوة تعزز إنتاج الوقود محلياً وتحد من الإنفاق بالعملة الصعبة على المشتقات النفطية المستوردة.
ويكتسب هذا الموعد أهمية إضافية بعد تأكيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال لقائه الوطني بالمتعاملين الاقتصاديين يوم 14 أكتوبر 2026، أن الجزائر ستتوقف نهائياً عن استيراد المازوت بمجرد دخول مصفاة حاسي مسعود الجديدة حيز الإنتاج. وجاء الإعلان في سياق عرض التحولات التي شهدها الاقتصاد الوطني، خصوصاً تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي للمواد الاستراتيجية، بما فيها المنتجات البترولية التي تمثل أحد المدخلات الأساسية للنشاط الاقتصادي.

وكان الرئيس تبون قد أكد توقف الجزائر عن استيراد البنزين والكيروسين خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن تطوير طاقات التكرير الوطنية يتيح توسيع تغطية احتياجات السوق الداخلية. ويمثل المازوت الحلقة المقبلة في هذه السياسة، بالنظر إلى وزنه في استهلاك الوقود واستعمالاته الواسعة في النقل البري والشحن والفلاحة والصناعة والأشغال العمومية.
وتكشف المعطيات التقنية للمصفاة أن تحقيق هذا الهدف يستند إلى إضافة قدرات إنتاجية جديدة إلى منظومة التكرير القائمة، وليس إلى إعادة توزيع الوقود المنتج حالياً فقط. فالمشروع الذي وُضع حجر أساسه في 24 فيفري 2025، يهدف إلى معالجة خمسة ملايين طن من النفط الخام سنوياً، مع إنتاج مليون طن من المازوت في مرحلة التشغيل الأولى، ترتفع تدريجياً إلى 2.8 مليون طن، إلى جانب البنزين والكيروسين والبروبان والبوتان والزفت.
ويعني ذلك أن مصفاة حاسي مسعود ستضيف قدرة صناعية متعددة المنتجات، تجمع بين توفير الوقود اللازم للنقل والأنشطة الاقتصادية وإنتاج مشتقات أخرى قابلة للتسويق. غير أن الفرق بين الإنتاج الأولي والطاقة النهائية يبقى أساسياً عند تقييم موعد الاكتفاء، لأن الانطلاق بمليون طن من المازوت سنوياً لا يعادل بلوغ الطاقة القصوى المعلنة منذ المرحلة الأولى.
وقد قدمت سوناطراك توضيحاً مهماً بشأن الرزنامة التشغيلية في العدد 51 من نشرتها المؤسسية، الصادر في ماي 2026، أكدت فيه أن المشروع يستهدف بدء إنتاج المازوت في أكتوبر 2027، قبل الاستكمال الكامل للمنشآت. وهو ما يجعل هذا التاريخ موعداً مستهدفاً لأول إنتاج، على أن تتواصل مراحل التشغيل والتطوير حتى بلوغ القدرات التصميمية المقررة.
ولا تقتصر أهمية المصفاة على زيادة المعروض الوطني، بل تشمل أيضاً تعديل تنظيم إمدادات الوقود بين شمال الجزائر وجنوبها. فقد أوضح الرئيس المدير العام السابق لسوناطراك، رشيد حشيشي، عند إطلاق المشروع في فيفري 2025، أن المنشأة ستساهم في تخفيف الضغط عن مصفاتي سكيكدة وأرزيو، بعدما كانت احتياجات واسعة من الجنوب تُغطى انطلاقاً من وحدات التكرير الشمالية، لا سيما مصفاة سكيكدة.
وتتيح إقامة المصفاة بالقرب من الحقول النفطية لحاسي مسعود معالجة جزء من الخام في منطقة إنتاجه، قبل توجيه المشتقات إلى مراكز الاستهلاك والتخزين والتوزيع. ومن شأن ذلك تقليص مسافات نقل بعض المنتجات النهائية وتحسين تنظيم الإمدادات، خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تشهد نشاطاً متنامياً في مجالات المحروقات والفلاحة والنقل والمشاريع الصناعية.
وفي هذا الإطار، يرتبط الأثر الاقتصادي للمشروع بعاملين متكاملين: زيادة إنتاج المازوت وطنياً، وخفض بعض التكاليف اللوجستية المرتبطة بنقله وتوزيعه. كما تسمح الطاقة الجديدة بتوفير هامش إضافي لمواجهة تطور الطلب الداخلي، مع تحسين قدرة المصافي القائمة على تنظيم عمليات الإنتاج والصيانة وتوجيه منتجاتها إلى الأسواق المختلفة.
وتؤكد بيانات سوناطراك أن منظومة التكرير الجزائرية تعتمد بالفعل على قاعدة صناعية توفر منتجات متنوعة للسوق المحلية والأسواق الخارجية، إذ يوجه نحو 52% من إنتاج المصافي إلى السوق الوطنية، بينما تتجه الكميات الأخرى إلى التصدير في صورة منتجات تشمل النافتا والفيول والزيوت الأساسية والمركبات العطرية. ويعكس هذا التوزيع الدور المزدوج للمصافي في تأمين الاستهلاك الداخلي وتثمين النفط الخام عبر إنتاج مشتقات قابلة للتسويق.

لكن توسيع الإنتاج يأتي أيضاً استجابة لارتفاع الاستهلاك المحلي، خصوصاً مع زيادة النشاط الاقتصادي وحركة النقل والمشاريع الصناعية. ولذلك، فإن تحقيق الاكتفاء من المازوت لا يرتبط بالطاقة التصميمية الجديدة وحدها، بل كذلك بوتيرة نمو الطلب وكفاءة تشغيل المنشآت ومعدلات استغلال قدرات التكرير المتاحة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مع توسع المشاريع الاستثمارية في جنوب الجزائر، حيث ترتبط الأنشطة الفلاحية والمنجمية والطاقوية والاستخدامات الصناعية بحاجة مستمرة إلى الوقود. ومن شأن تطوير الإنتاج في حاسي مسعود أن يساهم في تحسين انتظام التموين وتقليل الاعتماد على نقل كميات كبيرة من المنتجات المكررة من الشمال، بما يوفر مرونة أكبر لمنظومة التوزيع الوطنية.
وعلى المستوى التجاري، يتيح تعويض المازوت المستورد بكميات منتجة محلياً خفض الطلب على العملة الصعبة المخصصة لشراء هذه المادة من الأسواق الدولية. غير أن حجم الوفر المالي السنوي لا يمكن تحديده بدقة دون معرفة الكميات المستوردة حالياً والأسعار التعاقدية وتكاليف الإنتاج المحلي، وهي عناصر ضرورية لاحتساب الأثر الصافي على ميزان المبادلات التجارية.
ويختلف هذا الأثر عن العائد المباشر لصادرات النفط الخام، لأن إنتاج المشتقات داخل البلاد يضيف مراحل صناعية وخدمية تشمل المعالجة والتخزين والمراقبة التقنية والتوزيع. وكلما اتسعت قدرات تحويل الموارد الوطنية إلى منتجات نهائية ووسيطة، زادت فرص تطوير القيمة المضافة الصناعية المرتبطة بقطاع المحروقات.
وقد اكتسب هذا التوجه بعداً استثمارياً أوسع مع إعلان وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، يوم 17 أكتوبر 2026، تخصيص نحو 13 مليار دولار لمشاريع التكرير والبتروكيماويات ضمن برنامج استثماري إجمالي بقيمة 71.6 مليار دولار لتطوير المحروقات حتى آفاق 2030. كما حدد البرنامج هدف رفع نسبة تحويل وتثمين الإنتاج الأولي للمحروقات من نحو 30% حالياً إلى أكثر من 50% بحلول نهاية العقد.
وتضع هذه الاستثمارات مصفاة حاسي مسعود ضمن منظومة صناعية أوسع تشمل وحدة تحويل الفيول الثقيل بسكيكدة، بطاقة معالجة تبلغ 2.3 مليون طن سنوياً، ومشروع تحويل النافتا بأرزيو، فضلاً عن وحدات إنتاج المواد البتروكيماوية التي تستهدف توفير مدخلات إضافية للصناعات الوطنية.
وتبرز أهمية مشروع سكيكدة في تحويل جزء من المنتجات النفطية الثقيلة إلى مشتقات أعلى قيمة، إذ تستهدف المنشأة إنتاج نحو 1.75 مليون طن إضافية من المازوت سنوياً عند دخولها الخدمة، وفق البرنامج المعلن سابقاً لعام 2029. أما مشروع أرزيو، فيرتبط بتوسيع إنتاج البنزين وتحسين استغلال النافتا ضمن سلسلة التكرير.
ويعني ذلك أن سياسة تعزيز الاكتفاء الوطني من الوقود تمتد عبر مشاريع متتابعة ذات آجال مختلفة، ولا تتوقف عند تشغيل مصفاة حاسي مسعود. كما أن توسيع الطاقة الإنتاجية للمازوت يندرج ضمن برنامج لزيادة مردودية المنشآت القائمة وتحسين تحويل المواد الأولية، بما يسمح بتطوير محفظة المنتجات النفطية المحلية.
أما من حيث التشغيل، فتشير البطاقة التقنية الرسمية لمشروع حاسي مسعود إلى توفير أكثر من عشرة آلاف منصب عمل خلال مرحلة الإنجاز، مع توقع استحداث ألف منصب عمل عند دخول المصفاة مرحلة الاستغلال. كما يتطلب تشغيل المنشأة توفير كفاءات في الهندسة والصيانة والتحكم الصناعي ومراقبة الجودة والسلامة والخدمات البترولية، بما يوسع أثر المشروع على النشاط الاقتصادي المحيط به.
ويمنح هذا البعد المشروع أهمية تتجاوز الإمدادات الطاقوية، باعتباره استثماراً في البنية الصناعية للجنوب الجزائري، بما يوفر فرصاً للمؤسسات العاملة في المناولة والصيانة والخدمات اللوجستية، ويعزز الارتباط بين إنتاج النفط الخام وتحويله داخل البلاد.
وبين توقف واردات البنزين منذ 2023، وتوفر احتياطي من الكيروسين يمكن توجيهه إلى الأسواق الخارجية، والموعد المرتقب لإنهاء استيراد المازوت، تبرز ملامح مرحلة تستهدف تعزيز اعتماد الجزائر على قدراتها الوطنية في إنتاج الوقود، بالتوازي مع توسيع تحويل الموارد النفطية إلى منتجات صناعية.
ومع اقتراب موعد أكتوبر 2027، سيكون بدء إنتاج المازوت في مصفاة حاسي مسعود المرحلة الأولى في تقييم تنفيذ البرنامج، قبل الانتقال إلى قياس تطور الكميات المنتجة ومعدلات تشغيل الوحدات ومدى تغطية الطلب الوطني. أما تحقيق الاكتفاء الكامل، فسيُقاس عملياً بتوقف الحاجة إلى استيراد المازوت واستقرار تموين السوق المحلية، في إطار منظومة تكرير تتوسع قدراتها ومشاريعها إلى غاية 2030.












