بوابة الجزائر الإخبارية: عقود النفط والغاز الجزائرية الموجهة إلى السوق الأوروبية ستدخل سنة 2027 بأعباء قانونية أقل، بعدما أوصت المفوضية الأوروبية بتعليق العقوبات المرتبطة بمخالفات متطلبات الميثان المستحقة خلال أعوام 2027 و2028 و2029، في خطوة تمنح المستوردين والموردين ثلاث سنوات إضافية لاستكمال أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات.

وأصدرت المفوضية التوصية في بروكسل يوم 20 جويلية 2026 تحت رقم «C(2026) 5176 final». قبل أن يسلط عليها الضوء عدد 21 جويلية من «Europe Daily Bulletin» الصادر عن وكالة «أوروبا». وربطت الوثيقة القرار بمخاطر أمن الإمدادات وصعوبة توقيع عقود جديدة في ظل اضطرابات أسواق النفط والغاز والتباين بين أنظمة العقوبات داخل دول الاتحاد.
وتأتي المهلة بعد تحرك قادته أربع دول مصدرة للطاقة هي الجزائر والولايات المتحدة وقطر ونيجيريا، بالتوازي مع ضغوط مارستها غالبية من الحكومات الأوروبية والشركات المستوردة، خشية أن تؤدي متطلبات الامتثال إلى تقليص عدد الموردين المؤهلين ورفع كلفة التعاقد.
إعفاء من الغرامات مع استمرار الالتزامات
طلبت توصية المفوضية الأوروبية من الدول الأعضاء عدم تطبيق العقوبات المنصوص عليها في المادة 33 من لائحة الميثان على مخالفات المستوردين المرتبطة بالالتزامات المستحقة خلال 2027 و2028 و2029، باستثناء حالات الغش.
ولا تمثل الوثيقة تعديلًا للائحة الاتحاد الأوروبي رقم 2024/1787، كما لا تلغي التزامات الشركات المتعلقة بالحصول على بيانات الانبعاثات وقياسها والإبلاغ عنها والتحقق منها. ويقتصر أثرها على توفير مهلة عقابية تمنع فرض الغرامات والمسؤوليات القانونية على المخالفات المشمولة خلال الفترة المحددة.
وبذلك، يتعين على المستوردين مواصلة جمع البيانات والتعاون مع المنتجين وتحسين مستوى الامتثال، مع حصولهم على حماية مؤقتة من الجزاءات. كما طالبت المفوضية الدول الأوروبية بمراقبة تقدم الشركات وتشجيعها على تنفيذ الالتزامات حتى أثناء فترة الإعفاء.
وتستطيع الحكومات الأوروبية منح المهلة نفسها للمنتجين العاملين داخل الاتحاد إذا قدرت أن تطبيق العقوبات عليهم يهدد أمن الإمدادات. وفي المقابل، دعت المفوضية الدول التي لم تعتمد بعد أنظمة وطنية للعقوبات إلى استكمالها بصورة عاجلة.
وتبقى التوصية غير ملزمة قانونيًا، لكنها تقدم توجيهًا موحدًا للسلطات الوطنية بشأن تطبيق اللائحة. وستراقب المفوضية تنفيذها وتعيد تقييمها بحلول 1 جانفي 2028، ما يجعل استمرار الإعفاء إلى نهاية 2029 مرتبطًا بأوضاع السوق وأمن الطاقة.
رسالة جزائرية–أمريكية سبقت التنازل الأوروبي
بدأ المسار الذي قاد إلى المهلة في 24 جوان 2026، عندما وجهت الجزائر والولايات المتحدة وقطر ونيجيريا رسالة مشتركة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي تطالب بمنح الموردين والمستوردين فترة انتقالية وتعليق العقوبات وحماية العقود الموقعة خلال مرحلة تعديل آليات الامتثال.
ووقع الرسالة وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب، ووزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، ووزير الدولة القطري لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي، ووزير الدولة النيجيري للموارد البترولية والغاز إكبيريكبي إيكبو.
وحذرت الدول الأربع من أن الصيغة الحالية للقواعد قد تعرض جزءًا واسعًا من واردات النفط والغاز الأوروبية لمخاطر قانونية اعتبارًا من 2027، بسبب صعوبة توفير جميع البيانات المطلوبة وفق المنهجية الأوروبية وفي الآجال المحددة.
ويتحمل المستورد الأوروبي مسؤولية تقديم معلومات عن الانبعاثات الصادرة من منشآت إنتاج ونقل تقع خارج الاتحاد، رغم اعتماده عمليًا على البيانات التي توفرها الشركات والسلطات في الدول المصدرة. ورأت الدول الأربع أن ترك تقدير العقوبات لكل دولة أوروبية لا يمنح ضمانًا كافيًا للشركات عند توقيع عقود تمتد لسنوات وتبلغ قيمتها عشرات مليارات اليورو.
وكان مفوض الطاقة والإسكان الأوروبي دان يورغنسن قد أكد يوم 24 جوان أن المفوضية لا تعتزم إعادة فتح اللائحة. وبعد أقل من شهر، اختارت بروكسل حلًا وسطًا أبقى النص القانوني ساريًا، مع تعليق أثره العقابي مؤقتًا.
وتعزز الضغط الخارجي بتحرك 17 دولة من أصل 27 عضوًا في الاتحاد الأوروبي، طالبت بتأجيل العقوبات أو توضيح شروط تطبيقها. وجاءت المطالب بعدما حذرت الشركات من احتمال بلوغ الغرامات الوطنية 20% من رقم الأعمال السنوي للمؤسسة المخالفة، وفق رويترز.
أزمة الطاقة تغيّر حسابات بروكسل
بنت المفوضية قرارها على تقديرات تشير إلى أن الاضطرابات المسجلة منذ نهاية فيفري 2026 أثرت في نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا و25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، وأدت إلى فقدان أكثر من 13 مليون برميل يوميًا من المعروض النفطي.
وقدرت الخسائر التراكمية بنحو 3 مليارات برميل عند احتساب الوقت اللازم لإصلاح المنشآت وإعادتها إلى التشغيل. كما أشارت إلى أن بعض البنى الطاقوية المتضررة قد تحتاج بين ثلاث وخمس سنوات لإصلاحها، بينما قد تتأخر الزيادة المنتظرة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال عامين على الأقل.
وانعكست الاضطرابات على الأسعار، إذ تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل في 8 مارس، قبل أن يبلغ 118 دولارًا في 31 مارس. كما وصل سعر الغاز الأوروبي إلى 62 يورو لكل ميغاواط/ساعة في 19 مارس.
ورغم تراجع النفط إلى قرابة 80 دولارًا والغاز إلى 42 يورو لكل ميغاواط/ساعة خلال جوان، خلصت المفوضية إلى أن الأسواق لا تزال معرضة للصدمات وأن المنافسة على الشحنات المتاحة قد تعيد الأسعار إلى الارتفاع.
كما أظهرت بيانات التعاقدات انخفاض حصة العقود الجديدة من إجمالي عقود الغاز بأكثر من 10% بين 2028 و2029. واعتبرت بروكسل أن حماية الشركات من خطر العقوبات خلال مرحلة التعاقد ضرورية لضمان كميات كافية وتجنب نقص الإمدادات قبل نهاية العقد الحالي.
جدول الامتثال يبقى قائمًا حتى 2030
دخلت لائحة الميثان الأوروبية حيز التنفيذ في 4 أوت 2024، وفرضت متطلبات تدريجية على مستوردي النفط والغاز والفحم. وتشمل الالتزامات تقديم معلومات سنوية عن أساليب قياس الانبعاثات والإبلاغ عنها وخفضها، وإثبات خضوع المنتجات المستوردة لأنظمة مراقبة تعادل المعايير الأوروبية.
وتطبق شروط التكافؤ أساسًا على العقود الموقعة أو المجددة منذ 4 أوت 2024. أما العقود الأقدم، فيتعين على أصحابها إثبات بذل «كل الجهود المعقولة» للحصول على البيانات وإدراج متطلبات القياس والتحقق عند الإمكان.
ويبدأ الإبلاغ عن كثافة انبعاثات الميثان في أوت 2028، قبل تطبيق حد أقصى للكثافة اعتبارًا من أوت 2030 على العقود الجديدة أو المجددة. وبذلك، توفر المهلة الحالية وقتًا إضافيًا للامتثال، لكنها لا تغير موعد الانتقال إلى الشروط الأكثر صرامة.
وكشفت المفوضية أن أقلية فقط من الدول الأعضاء أبلغتها حتى الآن باعتماد أنظمة العقوبات الوطنية، رغم إلزام جميع الحكومات بوضع قواعد فعالة ومتناسبة ورادعة. وأدى هذا التفاوت إلى حالة من عدم اليقين لدى المستوردين بشأن العقود والمخاطر المالية التي قد تواجههم في كل سوق.
200 مليار متر مكعب نظريًا و15 مليارًا فقط متاحة سريعًا
استندت المفوضية كذلك إلى تقديرات وكالة الطاقة الدولية التي تشير إلى إمكانية توفير ما يصل إلى 200 مليار متر مكعب من الغاز عالميًا عبر إصلاح التسربات ووقف التنفيس والحرق الروتيني.
غير أن نحو 15 مليار متر مكعب فقط يمكن توفيرها في الأجل القصير، وتوجد غالبية هذه الكميات في دول لا تمتلك مسارات تصدير عملية نحو أوروبا. ويعني ذلك أن خفض الانبعاثات قادر على تحرير موارد طاقوية كبيرة على المدى الطويل، لكنه لا يوفر بديلًا فوريًا للموردين الحاليين.
وعليه، فضلت بروكسل تجنب تعريض العقود الجديدة للعقوبات في مرحلة تشهد محدودية البدائل، مع الإبقاء على متطلبات المراقبة وخفض الانبعاثات باعتبارها هدفًا طويل الأجل لأمن الطاقة والسياسة المناخية.
الغاز الجزائري يحصل على هامش تعاقدي أوسع
بالنسبة إلى الجزائر، تقلص المهلة المخاطر القانونية التي كانت ستواجه الشركات الأوروبية المستوردة للغاز الجزائري، وتوفر ظروفًا أكثر وضوحًا لتجديد العقود وتوقيع اتفاقات توريد جديدة خلال 2027 و2028 و2029.
وتشمل الاستفادة الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، لأن المستوردين الأوروبيين كانوا سيواجهون العقوبات حتى عندما ينتج التأخر في الامتثال عن معلومات يتعين الحصول عليها من المنتج أو السلطات الموجودة خارج الاتحاد.
كما تمنح التوصية سوناطراك وقتًا لاستكمال أنظمة قياس الانبعاثات والإبلاغ عنها والتحقق منها، وربط قواعد بياناتها بالمتطلبات التي تحتاج إليها الشركات الأوروبية لإثبات امتثال وارداتها.
ولا تلغي المهلة حاجة سوناطراك إلى مواصلة برامج خفض الانبعاثات. وحددت الشركة هدفًا لتقليص نسبة الغاز المحروق إلى أقل من 1% والقضاء على الحرق الروتيني بحلول 2030.
وانخفض معدل الحرق لدى المجمع من 5.43% سنة 2020 إلى 3.19% خلال 2023، بدعم من تشغيل وحدات لاسترجاع الغاز. كما تستهدف البرامج المنفذة تجنب انبعاثات تعادل نحو 4 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول 2026.
وتشمل التدابير توسيع حملات كشف تسربات الميثان وإصلاحها، واستخدام الكاميرات البصرية والأقمار الصناعية لمراقبة منشآت الإنتاج والمعالجة والنقل.
مكسب مؤقت والاختبار الحقيقي يبدأ في 2030
تمثل التوصية مكسبًا اقتصاديًا وتعاقديًا للجزائر وبقية الموردين، لأنها تقلل احتمالات تعطل العقود وتحمي المستوردين الأوروبيين مؤقتًا من الغرامات وتمنح المنتجين وقتًا إضافيًا لتكييف أنظمة المراقبة.
لكنها لا تلغي لائحة الميثان ولا تحول الإعفاء إلى حق دائم. فالمفوضية ستراجع القرار مطلع 2028، بينما يبقى أوت 2030 الموعد الحاسم لتطبيق حد كثافة الانبعاثات على العقود الجديدة والمجددة.
وبذلك، نجح التحرك الذي شاركت فيه الجزائر في انتزاع مهلة عملية من بروكسل من دون إسقاط الأهداف المناخية الأوروبية. ويمنح القرار الغاز الجزائري مساحة إضافية داخل السوق الأوروبية، فيما ستتحدد قدرته على الاحتفاظ بهذه الأفضلية بعد 2030 وفق سرعة استكمال أنظمة القياس والتحقق، وخفض التسربات والحرق، وتوفير بيانات موثوقة للمستوردين.











