بوابة الجزائر الإخبارية: 25 مليار دولار، و6900 كيلومتر، و13 دولة، وعشر سنوات من الترويج السياسي؛ لكن النتيجة على الأرض لا تزال شركة تنفيذ غير مفعلة، وتمويلًا غير مغلق، واتفاقًا حكوميًا ينتظر التوقيع، وقرارًا استثماريًا لم يتحول إلى ورشات. هكذا يبدو مشروع خط الغاز نيجيريا–المغرب بعدما جُرّد من الخرائط اللامعة والخطابات الملكية والوعود الموجهة إلى أوروبا.

ولم يصدر هذا التشخيص عن منافس للمشروع، بل أكدته المديرة العامة للمكتب الوطني المغربي للهيدروكربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، عندما أقرت في أفريل 2026 بأن الخط لم يؤمّن أي التزامات تمويل نهائية، وأن هيكلة التمويل ستتولاها شركة مشروع تعتمد مزيجًا من الديون ورأس المال.
وبعد قرابة عقد من توقيع الاتفاق الأول بين الرباط وأبوجا في ديسمبر 2016، لا يزال ما يسمى اليوم «خط أنابيب الغاز الإفريقي الأطلسي» محصورًا في دراسات وتصاميم واتفاقات سياسية. أما الأنبوب نفسه، فلا وجود له خارج الخرائط والعروض الترويجية.
اعتراف مغربي ينسف خطاب «المشروع المتقدم»
أعادت مادة تحليلية نشرها موقع «ميدل إيست آي»، فتح ملف المشروع الذي تقدمه الرباط منذ سنوات باعتباره «العمود الفقري الجديد للطاقة في إفريقيا» ومنافسًا جاهزًا للمسار العابر للصحراء عبر الجزائر.
لكن الاعتراف الأكثر إحراجًا للدعاية المغربية جاء من داخل المؤسسة المكلفة بالمشروع. فقد أكدت أمينة بنخضرة أن التمويل النهائي لم يُؤمّن، وأن الاتفاق الحكومي الدولي بين الدول المعنية يُنتظر توقيعه خلال الربع الأخير من 2026، بينما ستُسند تعبئة الديون ورأس المال إلى شركة المشروع.
وتعني هذه التصريحات أن العناصر الأساسية لأي بنية تحتية بهذا الحجم لم تُغلق بعد: لا التزام مالي نهائي، ولا شركة تنفيذ وتمويل دخلت مرحلة التشغيل، ولا عقود بناء شاملة، ولا أشغال ميدانية على امتداد المسار.
وتدافع الرباط عن المشروع بالقول إنه سينجز على مراحل، وإن كل مقطع يمكن تطويره بوصفه منظومة مستقلة من دون انتظار قرار استثماري نهائي واحد يشمل كامل الخط. غير أن تقسيم المشروع لا يلغي الحاجة إلى تمويل كل مرحلة، وتحديد المشترين، وتوقيع عقود التوريد، وإنشاء محطات الضغط والربط، وتسوية الأطر القانونية بين دول العبور.
6900 كيلومتر معلقة على موافقة 13 دولة
يقترح المشروع المغربي إنشاء مسار بري وبحري بطول يقارب 6900 كيلومتر، يمر عبر 13 دولة في غرب إفريقيا، بطاقة قصوى تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
وتتحدث التصورات المعلنة عن تخصيص نحو 15 مليار متر مكعب لتغطية احتياجات المغرب ودعم التصدير نحو أوروبا، مع إمكانية ربط حقول الغاز في نيجيريا والسنغال وموريتانيا وغانا وساحل العاج بالمسار الأطلسي.
لكن اتساع الخريطة هو نفسه مصدر التعقيد. فكل دولة عبور تعني اتفاقًا قانونيًا وتنظيميًا جديدًا، وترتيبات خاصة بالتعريفات والضرائب والأمن والملكية والصيانة، فضلًا عن مخاطر تغير الحكومات والسياسات الوطنية طوال سنوات الإنجاز والتشغيل.
وتقول الرباط إن أولى الكميات يمكن أن تتدفق سنة 2031، لكن هذا الموعد يتعلق بالمراحل الأولى، وليس باكتمال الأنبوب من نيجيريا إلى المغرب وأوروبا. ونقل تحليل «ميدل إيست آي» عن خبراء استبعاد تشغيل المسار كاملًا قبل 2040، بالنظر إلى التعقيدات التقنية والمالية والسياسية.
وبذلك، يجري تسويق موعد جزئي باعتباره اقترابًا من تشغيل مشروع قاري، بينما لا يزال الاتفاق الحكومي نفسه منتظرًا، ولم تُعلن بعد مصادر التمويل أو شروط القروض أو أسماء المستثمرين الملتزمين فعليًا.
المغرب يريد توزيع غاز لا ينتجه
لا يشترط أن تكون دولة العبور منتجة للغاز حتى تدير ممرًا طاقويًا، لكن المشكلة المغربية تكمن في تقديم البلاد قائدًا لمشروع غازي عابر للقارة في وقت تعتمد فيه على استيراد الغاز لتلبية احتياجاتها المحدودة.
ويستورد المغرب قرابة 0.5 مليار متر مكعب سنويًا عبر إسبانيا، باستخدام خط الغاز المغاربي–الأوروبي في الاتجاه المعاكس، بعدما توقفت الإمدادات الجزائرية عبره في 2021.
وتقدر وزارة الانتقال الطاقوي المغربية ارتفاع الطلب المحلي على الغاز من نحو مليار متر مكعب حاليًا إلى ثمانية مليارات متر مكعب بحلول 2027. ويعني ذلك أن الرباط تحتاج أولًا إلى تأمين احتياجاتها المتزايدة قبل تسويق نفسها بوابةً لتصدير الغاز النيجيري إلى أوروبا.
كما سيبقى المشروع معتمدًا بالكامل على أربعة أطراف خارج القرار المغربي: المنتج النيجيري، ودول العبور، والممولون الدوليون، والمشترون الأوروبيون المستعدون لتوقيع عقود طويلة الأجل تغطي استثمارًا يقدر بـ25 مليار دولار.
ومن دون ضمان هذه الحلقة، تبقى الخريطة المغربية مسارًا افتراضيًا يبحث عن الغاز والتمويل والمشتري في الوقت نفسه.
محطة الناظور تتوقف.. والرباط تعد بخط عابر للقارة
تزداد علامات الاستفهام بعدما علقت وزارة الطاقة المغربية، في فيفري 2026، مناقصات إنشاء محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور غرب المتوسط وخطوط الربط التابعة لها.
واكتفت الوزارة بالإشارة إلى ظهور «معايير وافتراضات جديدة»، من دون توضيح طبيعتها أو تحديد موعد جديد لاستئناف المناقصات. وكان المشروع يشمل محطة لاستقبال الغاز المسال وربطها بالأنبوب القائم الذي يسمح باستيراد الغاز عبر إسبانيا، ثم تمديد الشبكة إلى المناطق الصناعية في المحمدية والقنيطرة. رويترز
وتكشف المفارقة خللًا واضحًا في الخطاب الرسمي: الدولة التي أوقفت مناقصات منشأة غازية محلية محدودة جغرافيًا، لأسباب لم تشرحها، تواصل في الوقت نفسه تقديم مشروع بـ25 مليار دولار يعبر 13 دولة باعتباره خيارًا وشيكًا لأمن الطاقة الإفريقي والأوروبي.
ولا يعني تعليق محطة الناظور استحالة تنفيذ الأنبوب الأطلسي، لكنه يضع اختبارًا حقيقيًا أمام القدرة المغربية على إدارة وتمويل مشروع يفوقها طولًا وكلفةً وتعقيدًا عشرات المرات.
الجزائر ترد بالورشات لا بالخرائط
على الجانب الآخر، انتقل خط الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر من إعادة تنشيط الاتفاقات إلى إطلاق الأشغال داخل الأراضي الجزائرية.
ففي 4 جوان 2026، دشنت الجزائر رسميًا أشغال المقطع الجزائري في أولف بولاية أدرار، بحضور وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب، ووزير الدولة النيجيري للموارد البترولية المكلف بالغاز إكبيريكبي إيكبو، ووزير البترول النيجري حمادو تيني، إلى جانب مسؤولي سوناطراك.
وأكدت سوناطراك أن المسار سيمتد من الحدود الجزائرية–النيجرية إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز في حاسي الرمل، بمحاذاة الطريق العابر للصحراء وشبكات الغاز والبنية التحتية الموجودة.
وهنا يظهر الفارق الجوهري: المسار المغربي يبحث عن نقطة وصول وشبكة نهائية، بينما يصل المسار الجزائري إلى حاسي الرمل، القلب التشغيلي لمنظومة الغاز الجزائرية، ومنها إلى شبكة وطنية عاملة وخطوط تصدير ومنشآت تمييع مرتبطة فعليًا بالأسواق الدولية.
ولا يعني إطلاق الأشغال الجزائرية أن جميع التحديات المالية والأمنية للمشروع العابر للصحراء قد حُسمت. فما تزال المقاطع العابرة للحدود، خصوصًا في النيجر ونيجيريا، تحتاج إلى استكمال التمويل والتنفيذ والحماية. لكن الفرق أن الجزائر فتحت ورشة فعلية، بينما لا يزال المشروع المغربي يبحث عن الهيكل الذي سيموله وينفذه.
2770 كيلومترًا تفصل الواقع عن الدعاية
يمتد خط الغاز العابر للصحراء على نحو 4128 كيلومترًا عبر ثلاث دول فقط، مقابل قرابة 6900 كيلومتر و13 دولة في المشروع الأطلسي المغربي.
ويجعل ذلك المسار الجزائري أقصر بنحو 2770 كيلومترًا، وأقل عددًا في الأطراف التنظيمية والسياسية، مع طاقة مستهدفة مماثلة تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويًا.
وتتراوح الكلفة المتداولة للمشروع العابر للصحراء بين 10 و13 مليار دولار، مقابل 25 مليار دولار للمسار المغربي. كما ينتهي الأنبوب في بنية غازية قائمة، بدل الحاجة إلى بناء منظومة تصدير كاملة من نقطة الصفر.
وكانت الجزائر ونيجيريا والنيجر قد وقعت في فيفري 2025 عقود تحديث دراسة الجدوى والتعويض والسرية، قبل عقد الاجتماع الخامس للجنة قيادة المشروع في الجزائر العاصمة يوم 3 جوان 2026، ثم إطلاق الأشغال في اليوم التالي.
وتتوقع السلطات النيجرية بدء العمل على مقطعها مطلع 2027 بالشراكة مع سوناطراك، ما يمنح المشروع مسارًا تنفيذيًا يمكن قياسه ومتابعته، بدل الاكتفاء بإعلانات الاهتمام والاجتماعات الدبلوماسية.
أوروبا تشتري الغاز لا البيانات الصحفية
تملك الجزائر ما لا تستطيع حملة العلاقات العامة المغربية صناعته: الغاز، وشبكة النقل، ومنشآت المعالجة والتسييل، وخطوط التصدير، وعقودًا قائمة مع مشترين أوروبيين.
وبحسب أحدث بيانات يوروستات، وفرت الجزائر 18.5% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في حالته الغازية خلال 2025، محتلة المرتبة الثانية بعد النرويج ومتقدمة على روسيا.
وتزداد أهمية هذا الموقع مع تطبيق الاتحاد الأوروبي حظرًا تدريجيًا على الغاز الروسي. وينص الجدول المعتمد على وقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسية بالكامل اعتبارًا من مطلع 2027، ثم حظر غاز الأنابيب بحلول خريف السنة نفسها. مجلس الاتحاد الأوروبي
ويمنح ذلك المسار النيجيري عبر الجزائر منفذًا أقصر إلى سوق أوروبية تبحث عن الإمدادات البديلة، مستفيدًا من منشآت موجودة بدل انتظار إنشاء شبكة أطلسية تمتد من خليج غينيا إلى المتوسط.
أنبوب المغرب مشروع سياسي يبحث عن اقتصاد
نجحت الدبلوماسية المغربية في تحويل مذكرات التفاهم والخرائط والاجتماعات إلى مادة إعلامية توحي بأن المشروع دخل مرحلة الإنجاز. لكن الوقائع المالية تكشف صورة مختلفة: لا تمويل نهائيًا، ولا شركة تنفيذ فاعلة، ولا اتفاقًا حكوميًا مكتملًا، ولا أشغالًا شاملة.
وقد يتقدم المشروع مستقبلًا إذا نجحت الرباط وأبوجا في إغلاق التمويل وتوقيع العقود وتنفيذ المقاطع الأولى. إلا أن تقديمه اليوم باعتباره منافسًا جاهزًا لخط الغاز العابر للصحراء يخلط بين الطموح والبنية التحتية، وبين الإعلان والاستثمار.
فالأنابيب لا تُبنى بالخطب، والممولون لا يقرضون 25 مليار دولار بسبب خريطة جذابة. إنهم يحتاجون إلى غاز مضمون، وعقود شراء، وتعريفات عبور، وضمانات سيادية، واستقرار أمني، وعائد قابل للقياس.
وعند وضع هذه الشروط على الطاولة، يتراجع الضجيج المغربي وتظهر الحقيقة: مشروع أطلسي باهظ ومعقد ما يزال يبحث عن ممول وشركة وقرار استثماري، مقابل مسار جزائري أقصر وأقل كلفة بدأ أشغاله داخل بلد منتج يمتلك بالفعل الطريق إلى أوروبا









