بوابة الجزائر الإخبارية: في أقل من أربعة أشهر، تحركت ثلاث من أكبر القوى الصناعية الأوروبية باتجاه الجزائر: جورجيا ميلوني زارت الجزائر في مارس، ووقّعت المؤسسات الجزائرية والألمانية 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم في برلين خلال جويلية، ثم عاد بيدرو سانشيز إلى قصر المرادية معلنًا التحضير لقمة حكومية في أكتوبر. هذا التسلسل يعكس انتقال الجزائر إلى موقع تفاوضي أقوى داخل أوروبا، ويصطدم مباشرة بالحسابات المغربية التي تعاملت مع أزمة 2022 باعتبارها بوابة لمحاصرة الجزائر دبلوماسيًا.
وتستند الشراكات الجديدة إلى مصالح اقتصادية قابلة للقياس: 8.43 مليارات يورو من التجارة مع إسبانيا، و12.98 مليار يورو مع إيطاليا، واتفاقات ألمانية تشمل الطاقة والصناعة والنقل والصيدلة والتكنولوجيا. وتكشف هذه المؤشرات أن العواصم الأوروبية تفصل بين مواقفها السياسية في ملف الصحراء الغربية وحاجتها إلى الجزائر في الطاقة والأسواق والاستقرار الإقليمي.
المخزن بالغ في قراءة مكسب 2022
اعتبرت الرباط دعم سانشيز خطة الحكم الذاتي المغربية المزعومة، في مارس 2022، تحولًا استراتيجيًا يتجاوز قضية الصحراء الغربية إلى إعادة ترتيب علاقات إسبانيا في منطقة المغرب العربي. وروّجت أوساط موالية للمخزن لهذا القرار باعتباره ضربة للجزائر وبداية لتراجع حضورها لدى العواصم الأوروبية.
لكن هذا التقدير تجاهل طبيعة المصالح الإسبانية مع الجزائر. فمدريد تعتمد على الغاز الجزائري، وتحتاج إلى التعاون الأمني في غرب المتوسط، كما تنظر شركاتها إلى الجزائر بوصفها سوقًا رئيسية لمشروعات المياه والسكك الحديدية والهندسة والصناعات الغذائية والطاقة.
ردت الجزائر على التحول الإسباني باستدعاء سفيرها وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون في جوان 2022. وفي الوقت نفسه، حافظت سوناطراك على التزاماتها التعاقدية، بما أبقى الجزائر موردًا موثوقًا رغم الأزمة السياسية.
وبذلك، واجهت مدريد معادلة واضحة: موقفها من الصحراء الغربية لم يوفر بديلًا عن الغاز الجزائري، ولم يعوض مؤسساتها عن خسارة السوق الجزائرية، ولم يلغ حاجة إسبانيا إلى التنسيق مع أكبر دولة في المغرب العربي والساحل المتوسطي.
السوق الجزائرية فرضت تصحيح المسار
دفعت الشركات الإسبانية الثمن الاقتصادي المباشر للأزمة. فقد تراجعت صادرات إسبانيا إلى الجزائر من 2.906 مليار يورو سنة 2019 إلى 332 مليونًا فقط في 2023، وهو انهيار تجاوز 88% خلال أربع سنوات.
وعندما استؤنفت المبادلات، ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى 794.5 مليون يورو في 2024، ثم قفزت إلى 2.133 مليار يورو خلال 2025، بنمو سنوي يقارب 168.5%.
وفي الاتجاه المقابل، بلغت مشتريات إسبانيا من الجزائر 6.296 مليارات يورو، ليرتفع حجم التجارة الثنائية إلى 8.43 مليارات، مع فائض جزائري يناهز 4.16 مليارات يورو، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية.
وتحولت هذه الخسائر إلى ضغط فعلي على مدريد لإعادة فتح القنوات مع الجزائر. فعاد السفير الجزائري في ديسمبر 2023، واستؤنفت التدفقات التجارية، ثم أعاد الرئيس عبد المجيد تبون تفعيل معاهدة الصداقة في 26 مارس 2026 خلال زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس.
وفي جوان 2026، اختيرت إسبانيا ضيف شرف لمعرض الجزائر الدولي، قبل وصول سانشيز إلى الجزائر في 20 جويلية والاتفاق على عقد القمة الحكومية الثامنة خلال أكتوبر، بعد توقف دام ثماني سنوات.
وتؤكد هذه الكرونولوجيا أن العلاقات لم تستعد مسارها بمبادرة رمزية منفردة. فقد فرضت المصالح الاقتصادية والأمنية والطاقة على مدريد مراجعة طريقة إدارة خلافها مع الجزائر.
عودة سانشيز تكشف حدود النفوذ المغربي
ما زالت إسبانيا متمسكة رسميًا بموقفها المؤيد لخطة الحكم الذاتي المغربية، إلا أن الرباط عجزت عن تحويل هذا الدعم إلى اصطفاف إسباني شامل ضد الجزائر. فقد عاد سانشيز ليصف الجزائر بأنها «شريك استراتيجي» و«بلد صديق»، ووجّه حكومته إلى التحضير لقمة أكتوبر وتوسيع التعاون القطاعي.
ورافق سانشيز وفد من الشركات الإسبانية يضم «ناتورجي» و«ريبسول» و«إيناغاس» و«مويفي» و«تيكنيكاس ريونيداس» و«أكواليا» و«ساكير أغوا» و«كاف» و«إندرا» و«إيرباص».
وتكشف تركيبة الوفد اتساع المصالح الإسبانية في المياه وتحلية البحر والسكك الحديدية والهندسة والطيران والدفاع والتكنولوجيا والصناعات الغذائية. وتبحث هذه الشركات عن موطئ قدم في المناقصات الجزائرية، بعد الخسائر التي تكبدتها خلال الأزمة.
وهنا تظهر حدود المكسب المغربي بوضوح: استطاعت الرباط انتزاع موقف من مدريد في قضية الصحراء الغربية، لكنها لم تستطع إخراج الجزائر من حسابات إسبانيا الاقتصادية والأمنية، ولم تحول الحكومة الإسبانية إلى أداة دائمة في مواجهة المصالح الجزائرية.
برلين تغلق باب رواية العزلة
جاءت زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا يومي 16 و17 جويلية 2026 لتوجه ضربة إضافية إلى خطاب العزل. فألمانيا تمثل أكبر اقتصاد أوروبي، وأي انتقال في علاقاتها مع الجزائر إلى مستوى «الأجندة الاستراتيجية» يحمل وزنًا يتجاوز البيانات البروتوكولية.
وتوج المنتدى الاقتصادي الجزائري–الألماني بتوقيع 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت الغاز والهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات والسكك الحديدية والصيدلة والبطاريات والتكنولوجيا الحيوية والتجهيزات الطبية والرقمنة وتحلية المياه.
كما حدد الإعلان المشترك الطاقة والبنية التحتية والنقل والصحة والمعادن الحيوية والزراعة والصناعة ضمن مجالات التعاون ذات الأولوية، مع بحث إنشاء مجلس أعمال وإعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية المشتركة.
وتضم المشروعات المقترحة تصنيع محركات «أوبل»، وإنتاج البطاريات والمحللات الكهربائية الخاصة بالهيدروجين الأخضر، وتطوير السكك الحديدية مع «سيمنس موبيليتي»، وإنتاج أدوية استراتيجية بالتعاون مع شركات ألمانية.
وتبقى بعض هذه الوثائق في مرحلة مذكرات التفاهم، وستتحدد قيمتها الاقتصادية عند تحويلها إلى عقود ممولة ومحددة الآجال. غير أن دلالتها السياسية قائمة: برلين اختارت توسيع شراكتها مع الجزائر في أكثر القطاعات حساسية للاقتصاد الأوروبي، من الطاقة إلى المعادن والتكنولوجيا والصناعة.
روما تبني شراكة طويلة الأجل
تتحرك إيطاليا وفق منطق أكثر تقدمًا، بعدما جعلت الجزائر أحد أعمدة سياستها الطاقوية والصناعية في جنوب المتوسط. وبلغت التجارة بين البلدين 12.98 مليار يورو خلال 2025، منها 9.78 مليارات واردات إيطالية من الجزائر و3.2 مليارات صادرات إيطالية إلى السوق الجزائرية.
واستحوذ الغاز الطبيعي على نحو 8.1 مليارات يورو من المشتريات الإيطالية، بينما توسعت صادرات الآلات والتجهيزات الصناعية نحو الجزائر. ويكشف ذلك نشوء علاقة تجمع إمدادات الطاقة الجزائرية بالمعدات والخبرة الصناعية الإيطالية.
وخلال زيارتها في 25 مارس 2026، أعلنت جورجيا ميلوني توسيع التعاون مع الجزائر إلى الاستكشاف البحري ومجالات إنتاج جديدة، إلى جانب الصناعة والزراعة والبنية التحتية. كما وصفت الشراكة الجزائرية–الإيطالية بأنها نموذج قابل للتطوير.
وتمنح هذه العلاقة الجزائر منفذًا مباشرًا إلى واحدة من أكبر الأسواق الأوروبية، وتوفر لإيطاليا مصدرًا قريبًا وموثوقًا للطاقة. كما تفتح المجال أمام مشروعات الهيدروجين والربط الطاقوي والصناعة الميكانيكية والزراعة، بما يوسع التعاون خارج مشتريات الغاز.
فرنسا تدعم الرباط ولا تقود أوروبا
تعتمد الرباط في تحركها الأوروبي بصورة متزايدة على الدعم الفرنسي. فقد كرست باريس موقفها المؤيد للطرح المغربي في الصحراء الغربية، وشرعت في التحضير لمعاهدة تعاون موسعة مع المغرب، إلى جانب دراسة ربط كهربائي مباشر بين البلدين.
ويملك المغرب بدوره شراكات اقتصادية مهمة مع الاتحاد الأوروبي، كما يبحث مشروع ربط كهربائي مع البرتغال. لذلك لا تعني التطورات الحالية دخول الرباط في عزلة دولية.
غير أن الدعم الفرنسي لم يتحول إلى موقف أوروبي موحد ضد الجزائر. فألمانيا تتحرك وفق حاجات صناعتها، وإيطاليا وفق أمنها الطاقوي، وإسبانيا وفق مصالح شركاتها واعتمادها على الإمدادات الجزائرية.
وتظهر هنا محدودية الرهان على باريس: فرنسا تستطيع دعم الرباط سياسيًا وإطلاق مشروعات ثنائية معها، لكنها لا تملك حق التحكم في حسابات برلين وروما ومدريد. كما لا تستطيع تحويل موقفها من الصحراء الغربية إلى سياسة ملزمة للاتحاد الأوروبي بأكمله.
وقد أكد مركز ستيمسون غياب موقف أوروبي موحد تجاه التنافس الجزائري–المغربي، مشيرًا إلى أن الدول الأوروبية تحدد سياساتها وفق مصالحها الوطنية، وأن ألمانيا وإيطاليا تحتفظان بمقاربات مختلفة عن الموقف الفرنسي.
الجزائر ترفع شروط الشراكة
تستند الجزائر في إعادة بناء حضورها الأوروبي إلى أربع أوراق رئيسية: الطاقة، والسوق الوطنية، والموقع الجغرافي، ودورها الأمني في الساحل والمتوسط.
ويوفر شمال إفريقيا 12.7% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، بينما أصبحت الجزائر أول مورد للغاز إلى إسبانيا خلال 2026. كما تحتاج أوروبا إلى منافذ جديدة للطاقة والهيدروجين والمعادن الحيوية مع تقليص اعتمادها على روسيا.
وفي المقابل، تعمل الجزائر على توجيه الشراكات نحو التصنيع والإدماج المحلي وتكوين الكفاءات ونقل التكنولوجيا، بدل حصرها في تصدير المحروقات واستيراد السلع الجاهزة.
ويعزز النمو الاقتصادي هذه القدرة التفاوضية، بعدما توقع صندوق النقد الدولي توسع الاقتصاد الجزائري بنسبة 3.8% خلال 2026، بالتزامن مع استثمارات واسعة في المحروقات والمناجم والسكك الحديدية وتحلية المياه والطاقات المتجددة والصناعة.
وستكون القمة الجزائرية–الإسبانية في أكتوبر الاختبار المقبل لهذا التوجه. وستقاس نتائجها بالعقود الاستثمارية وقيمتها، ونسب الإدماج والوظائف والتكنولوجيا المنقولة، إضافة إلى قدرة الجزائر على استخدام المنافسة بين الشركات الأوروبية للحصول على عروض أفضل.
والنتيجة التي ترسمها هذه التحركات واضحة: الرباط حققت دعمًا سياسيًا من مدريد وباريس في ملف الصحراء الغربية، لكنها فشلت في تحويله إلى حصار اقتصادي ودبلوماسي للجزائر. فقد عادت إسبانيا، ووسعت ألمانيا تعاونها، ورسخت إيطاليا شراكتها.
أما خطاب العزلة، فقد فقد قدرته على الإقناع أمام 8.43 مليارات يورو من التجارة مع إسبانيا، و31 اتفاقية ومذكرة تفاهم في برلين، وشراكة تجارية تقارب 13 مليار يورو مع روما.













