بوابة الجزائر الإخبارية: 22.5 مليار يورو من المبادلات التجارية السنوية لم تعد كافية لحجب التناقض الذي يطارد العلاقات الإسبانية–المغربية: مدريد تصف الرباط بالشريك الأمني وتمنح أعلى أوسمتها لعبد اللطيف حموشي، بينما تحقق مؤسساتها في اختراق هواتف رئيس الحكومة وثلاثة وزراء ببرنامج «بيغاسوس»، بالتزامن مع ارتفاع الدخول غير النظامي إلى سبتة ومليلية بنحو 140% خلال 2026.

وانتقل هذا التناقض إلى داخل الائتلاف الحاكم، بعدما طالب حزبا «سومار» و«اليسار المتحد» وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا بسحب الأوسمة الممنوحة لحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في المغرب، وفتح ملف المسؤوليات السياسية والأمنية المرتبطة بقضية التجسس.
وقدمت المجموعة البرلمانية متعددة القوميات «سومار» سلسلة أسئلة إلى الحكومة بشأن المعلومات التي كشفها التحقيق الدولي الجديد في استخدام برمجيات المراقبة الإلكترونية. ولا يمثل التحرك قرارًا صادرًا عن مجلس النواب، لكنه يضع حكومة بيدرو سانشيز أمام مساءلة مباشرة من أحد مكونات أغلبيتها البرلمانية، بعدما ظل الملف سنوات محصورًا بين تحقيقات قضائية متعثرة وتوازنات دبلوماسية حساسة. حسب تفاصيل المبادرة البرلمانية
وسام سُلّم بعد انكشاف اختراق هواتف الحكومة
منحت إسبانيا حموشي الصليب الأكبر لوسام الاستحقاق للحرس المدني بموجب مرسوم ملكي صدر في 20 سبتمبر 2019، بناءً على اقتراح وزير الداخلية وموافقة مجلس الوزراء، تقديرًا لما اعتبرته مدريد مساهمة في التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. الجريدة الرسمية الإسبانية
غير أن المفارقة لا تتعلق بقرار المنح وحده، بل بتوقيت التسليم؛ إذ سلّم مارلاسكا الوسام فعليًا إلى حموشي في مدريد خلال نوفمبر 2025، أي بعد أكثر من ثلاثة أعوام على إعلان الحكومة الإسبانية اكتشاف إصابة هاتف سانشيز وهواتف وزراء آخرين ببرنامج «بيغاسوس».
وقدمت وزارة الداخلية مراسم التسليم باعتبارها تأكيدًا لـ«العلاقة الممتازة» مع المغرب، رغم أن التحقيق القضائي المتعلق باختراق قمة السلطة التنفيذية كان لا يزال مفتوحًا آنذاك. وبذلك، وجدت مدريد نفسها في وضع متناقض: تكريم المسؤول الأول عن جهاز أمني تلاحقه اتهامات دولية باستخدام «بيغاسوس»، بينما لم تكن مؤسساتها قد حسمت بعد هوية الجهة التي اخترقت هواتف أعلى مسؤولي الدولة.
ولا يثبت هذا التزامن مسؤولية حموشي أو الأجهزة المغربية قضائيًا، لكنه يمنح طلب سحب الأوسمة ثقله السياسي، ويطرح سؤالًا بشأن المعايير التي استخدمتها وزارة الداخلية عند الفصل بين التعاون الأمني والتحقيق في عملية وصفتها المحكمة بأنها مست أمن الدولة الإسبانية.
أكثر من 200 رقم إسباني في قوائم الاستهداف
استند التحرك البرلماني إلى تحقيق دولي شاركت فيه 39 مؤسسة إعلامية بالتعاون مع شبكة «فوربيدن ستوريز» ومختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية. واعتمد التحقيق على شهادة عنصر سابق في الاستخبارات الداخلية المغربية ومعطيات تقنية تتعلق بمنظومة المراقبة الإلكترونية.
وكشف التحقيق أن أكثر من 200 رقم هاتف إسباني ظهر ضمن قوائم استهداف محتمل مرتبطة ببرنامج «بيغاسوس»، من بينها أرقام مسؤولين حكوميين وعناصر في أجهزة الأمن. كما ورد رقم مسؤول رفيع في الحرس المدني عدة مرات ضمن القوائم التي نسب التحقيق استخدامها إلى طرف يُعتقد أنه مغربي. حسب التحقيق الدولي
غير أن وجود رقم داخل قائمة الاستهداف لا يثبت بالضرورة نجاح اختراق الجهاز. وفي المقابل، ثبت داخل التحقيق الإسباني أن هواتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزراء الدفاع والداخلية والزراعة تعرضت بالفعل للإصابة ببرنامج «بيغاسوس».
ومع ذلك، لم يتمكن القضاء الإسباني من تحديد الجهة المنفذة، ولم يصدر حكمًا ينسب العملية إلى المغرب. كما تنفي الرباط امتلاك البرنامج أو استخدامه لاستهداف مسؤولين وصحفيين ومعارضين داخل المغرب وخارجه.
وأغلقت المحكمة الوطنية الإسبانية الملف للمرة الثانية في 22 جانفي 2026، بعدما أعلن القاضي خوسيه لويس كالاما أن عدم تعاون السلطات الإسرائيلية مع طلبات الاستماع إلى مسؤولي مجموعة «إن إس أو»، المصنعة للبرنامج، جعل مواصلة التحقيق مستحيلة. ولذلك، تظل مسؤولية المغرب اتهامًا مدعومًا بتحقيقات وشهادات ومعطيات تقنية، وليس حقيقة قضائية نهائية. وضع التحقيق القضائي
الهجرة تعيد شبهة الابتزاز إلى الواجهة
لا ينفصل ملف «بيغاسوس» عن أزمة الثقة التي بدأت سنة 2021، عندما استقبلت إسبانيا الأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. وخلال الأزمة، دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة في فترة وجيزة بعد تراجع المراقبة على الجانب المغربي من الحدود، ما دفع مدريد إلى اتهام الرباط باستخدام الهجرة للضغط السياسي.
وعادت هذه الشبهة إلى الواجهة مع الارتفاع الحاد في التدفقات خلال 2026. فقد سجلت وزارة الداخلية الإسبانية دخول 2991 شخصًا عبر الحدود البرية إلى سبتة ومليلية بين مطلع السنة و15 جويلية، مقابل 1246 شخصًا في الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 140%.
واستقبلت سبتة وحدها 2826 حالة، مقابل 1133 حالة قبل عام، بارتفاع بلغ نحو 149.4%. أما مليلية فسجلت 165 حالة مقابل 113، بزيادة تقترب من 46%. حصيلة وزارة الداخلية الإسبانية
ولا تثبت الأرقام وحدها وجود قرار مغربي منظم لرفع التدفقات. لكنها تكشف مدى اعتماد إسبانيا على مستوى المراقبة الذي تقرره السلطات المغربية، وتوضح كيف تحول ضبط الحدود إلى ورقة تفاوض داخل علاقة يفترض أنها قائمة على الثقة والتعاون المتبادل.
وفي هذا السياق، يطالب الحزب الشعبي بتشديد إجراءات الإعادة الفورية، بينما يدعو «فوكس» إلى تعزيز الطابع العسكري للرقابة على سبتة ومليلية. أما أحزاب اليسار، فتضغط لإخضاع التعاون مع الرباط للمساءلة القانونية وحقوق الإنسان، بدل منحه حصانة سياسية مقابل إدارة الحدود.
22.5 مليار يورو تحمي المصالح ولا تعالج عجز الثقة
تشكل التجارة الحاجز الاقتصادي الذي يمنع الخلاف الأمني من التحول سريعًا إلى أزمة دبلوماسية شاملة. فالمبادلات بين إسبانيا والمغرب تتجاوز 22.5 مليار يورو سنويًا، وتعد مدريد الشريك التجاري الأول للرباط، وفق وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية. وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية
وتصدر إسبانيا إلى المغرب المعدات الصناعية والسيارات والآلات والأجهزة الكهربائية والوقود والبلاستيك والصلب، بينما تستورد السيارات ومكونات المصانع والمنتجات الزراعية والمنسوجات والمواد الكيميائية.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تأثر التجارة مباشرة بالمبادرة البرلمانية أو التحقيق الجديد. كما لم تعلن مدريد تجميد اتفاقات أو مراجعة الاستثمارات أو فرض عقوبات على مسؤولين مغاربة. لكن غياب العقوبات لا يلغي الضرر السياسي الذي أصاب صورة الشراكة الأمنية.
فالاقتصاد يستطيع تأجيل المواجهة، لكنه لا يستطيع الإجابة عن سؤال مركزي: كيف تتبادل دولتان المعلومات الاستخباراتية الحساسة إذا كانت إحداهما تشتبه في أن أجهزةها وهواتف مسؤوليها أصبحت هدفًا لشريكها الأمني؟
كما يفرض استمرار الشكوك تكاليف إضافية على حماية الاتصالات الحكومية ومراجعة بروتوكولات تبادل المعلومات وشراء تقنيات الأمن السيبراني. ومع ذلك، لم تنشر إسبانيا تقديرًا رسميًا للخسائر أو النفقات التي ترتبت على اختراق هواتف المسؤولين.
1.15 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي تحت اختبار النتائج
لا تقتصر الفاتورة على المبادلات التجارية، إذ خصص الاتحاد الأوروبي للمغرب نحو 1.15 مليار يورو خلال الفترة 2021–2025، ضمن برامج تشمل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والانتقال الأخضر والحوكمة والهجرة. كما التزم الاتحاد بنحو 234 مليون يورو لدعم إدارة الهجرة في المغرب بين 2015 و2021. المفوضية الأوروبية
ويضع ارتفاع الدخول إلى سبتة ومليلية هذه التمويلات أمام سؤال الكفاءة والنتائج. فكل زيادة في التدفقات تعني نفقات إضافية داخل إسبانيا على المراقبة والاستقبال والإيواء والإجراءات الأمنية والقضائية، بينما يفترض أن تساهم الشراكة الممولة أوروبيًا في إدارة الحدود وتقليص الهجرة غير النظامية.
كما يكشف ذلك هشاشة النموذج الأوروبي الذي يمنح دول العبور تمويلًا ودورًا أمنيًا واسعًا، ثم يجد نفسه معرضًا للتقلبات كلما توترت العلاقات السياسية.
مدريد بين حماية السيادة ومصالحها في المغرب
تكشف قضية «بيغاسوس» أن الشراكة الإسبانية–المغربية لم تعد تواجه خلافًا سياسيًا عابرًا، وإنما عجزًا متراكمًا في الثقة. فمن جهة، تحتاج مدريد إلى السوق المغربية والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة والهجرة. ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل اختراق هواتف رئيس الحكومة والوزراء أو المعلومات الجديدة بشأن استهداف مسؤولين أمنيين.
وسيظهر رد مارلاسكا ما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع طلب سحب الأوسمة باعتباره ضغطًا محدودًا من داخل الائتلاف، أم ستفتح مراجعة أوسع لعلاقتها مع أجهزة الأمن المغربية.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على انتقال الأزمة إلى التجارة أو الاستثمارات. غير أن استمرار حماية الشراكة الاقتصادية من المساءلة الأمنية يراكم المخاطر بدل معالجتها، ويجعل 22.5 مليار يورو من المبادلات غطاءً للمصالح لا شهادة على وجود ثقة حقيقية بين مدريد والرباط.











