مقال رأي بقلم عجابي صبرينة: باحثة وكاتبة جزائرية
بوابة الجزائر الإخبارية: في عالمٍ لم تعد فيه قوة الدول تُقاس بحجم ترساناتها وحدها، بل بقدرتها على إدارة القوة وتوظيفها في اللحظة المناسبة، تصبح السيادة مفهومًا يتجاوز رسم الحدود إلى امتلاك القرار، وحماية المصالح، وصناعة هامشٍ مستقل للحركة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الموقف الجزائري باعتباره معادلةً متكاملة لا تقوم على عنصر واحد، بل على تفاعل القرار السياسي، والقدرة الدفاعية، والدبلوماسية.
فالدولة التي تمتلك القوة دون رؤية سياسية قد تتحول قوتها إلى عبء، والدبلوماسية التي لا تستند إلى قدرة على حماية المصالح قد تضيق أمام الضغوط. أما حين تتكامل الأدوات، فإن الدولة تكتسب ما يمكن تسميته بالردع السياسي والاستراتيجي: قدرة على حماية مصالحها دون الانجرار تلقائيًا إلى التصعيد.
حنكة القرار: أن تعرف متى تتحرك
الرئيس عبد المجيد تبون يظهر في هذا السياق باعتباره رأس القرار السياسي للدولة، حيث تكتسب مواقف الجزائر أهميتها من قدرتها على الجمع بين وضوح المبدأ ومرونة التكتيك.
فالسياسة الخارجية الناجحة لا تُقاس بعدد التصريحات، وإنما بقدرتها على تحويل المواقف إلى أوراق تفاوض وتأثير. والحنكة ليست في رفع سقف الخطاب باستمرار، بل في معرفة متى يكون الصمت أكثر فاعلية من الكلام، ومتى يصبح الكلام ضرورة، ومتى يجب أن يتحول الموقف السياسي إلى إجراء محسوب.
إن امتلاك الدولة لقرارها يعني ألا تكون ردود أفعالها مرهونة بإيقاع الآخرين.

الجيش: القوة التي تمنح السيادة مضمونها
في المعادلة الاستراتيجية، يمثل الجيش الوطني الشعبي أحد أهم عناصر حماية السيادة الوطنية.
غير أن مفهوم القوة العسكرية الحديثة لا ينبغي اختزاله في حجم السلاح أو عدد المنظومات. القوة الحقيقية تكمن في الجاهزية، والتنظيم، والقدرة على الردع، وحماية المجال الوطني، والعمل ضمن عقيدة دفاعية واضحة.
فالجيش القوي لا يعني بالضرورة دولة تبحث عن المواجهة؛ على العكس، قد تكون إحدى وظائف القوة العسكرية الأكثر أهمية هي منع المواجهة أصلًا، عبر جعل كلفة الاعتداء مرتفعة بما يكفي للحفاظ على الاستقرار.
وهنا تتجسد فلسفة الردع: أن تمتلك القدرة حتى لا تضطر إلى استخدامها.

الدبلوماسية: القوة التي تتحرك بلا ضجيج
أما الدبلوماسية الجزائرية، فتملك مجالًا مختلفًا من القوة. إنها لا تعمل بالصورة نفسها التي تعمل بها القوة العسكرية؛ أدواتها هي الحوار، والوساطة، وبناء العلاقات، وتوسيع دوائر الاتصال، والدفاع عن المصالح الوطنية داخل المؤسسات والمحافل الدولية.
وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، تصبح القدرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة أصلًا استراتيجيًا.
الدبلوماسية القوية ليست تلك التي تجعل الجميع يتفق معك، بل تلك التي تمنح دولتك هامشًا أوسع للتفاوض والمناورة، وتحافظ على استقلال قرارها، وتمنع الآخرين من احتكار الخيارات المتاحة أمامها.

المعادلة الجزائرية: قرارٌ وقوةٌ ودبلوماسية
القوة الحقيقية لا تكمن في أي عنصر منفرد.
القرار السياسي يحدد الاتجاه.
الجيش يحمي المجال الوطني ويعزز الردع.
الدبلوماسية توسع مساحة الحركة وتفتح أبواب التأثير.
وحين تعمل هذه العناصر ضمن رؤية واحدة، تتحول الدولة من مجرد طرف يتفاعل مع الأحداث إلى فاعل قادر على التأثير في مسارها.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة السيادة: ليست مجرد شعار يُرفع، وإنما قدرة عملية على اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته، وحماية المصالح التي بُني عليها.
الجزائر… حين تكون القوة في ضبط القوة
الجزائر ليست مطالبة بإثبات قوتها في كل مناسبة. فالدول الواثقة لا تجعل من التصعيد أسلوبًا دائمًا، ولا تجعل من التراجع سياسة دائمة.
القوة الأكثر نضجًا هي تلك التي تعرف حدودها وأهدافها وتوقيت استخدامها.
ولهذا فإن المعادلة الأهم ليست: من يملك القوة الأكبر؟
بل: من يمتلك القدرة الأكبر على توظيف قوته بعقلانية، وحماية مصالحه، والحفاظ على استقلال قراره؟
ومن هذا المنظور، تظل الرسالة الجزائرية واضحة:
سيادةٌ لا تُختبر، جيشٌ يحميها، دبلوماسيةٌ توسّع مجالها، وقرارٌ سياسي يعرف أن القوة الحقيقية ليست في التهديد المستمر… بل في أن يدرك الآخرون أنك قادر على حماية ما تقرره.
الجزائر لا تحتاج إلى ضجيجٍ كي تُسمع؛ يكفي أن يكون قرارها واضحًا، ومؤسساتها متماسكة، وسيادتها مصونة.



















