حين تسأل الخوارزمية عن الجزائر.. من يملك الإجابة؟
بوابة الجزائر الإخبارية: تمتلك الجزائر 173,933 أطروحة نوقشت ومسجلة في البوابة الوطنية للأطروحات، إلى جانب أرشيف علمي وإداري وصوتي تراكم على مدى عقود، وقواعد بحثية محلية بدأت بالفعل في تعليم الآلة فهم الدارجة الجزائرية. لكن امتلاك هذه الذاكرة لا يعني أنها أصبحت مادة قابلة للاستخدام في بناء الذكاء الاصطناعي؛ فالوثيقة غير المفهرسة، والبيانات غير المحدثة، والمصدر الذي يتعذر التحقق منه، تظل خارج المجال الفعلي للخوارزمية مهما بلغت قيمتها.
وبين طموح بناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة”، وتحذيرات الخبراء من ضعف الجودة وتشتت القواعد والتبعية الخوارزمية، يفرض التحقيق سؤالًا يتجاوز الإعلان عن نموذج وطني: هل تستطيع الجزائر أن تجعل المعرفة الأكثر دقة عنها هي أيضًا الأسرع وصولًا إلى الآلة، والأقدر على إثبات مصدرها وتاريخها؟
بدأت الإجابة تتخذ شكلًا مؤسساتيًا في 25 ماي 2026، عندما حدد مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ثلاثة مرتكزات لبناء قدرة وطنية مستدامة: البيانات، والمنشآت الرقمية، والكفاءات البشرية. وبهذا انتقلت البيانات من كونها منتجًا جانبيًا للرقمنة أو ملفًا تقنيًا داخل الإدارة إلى أصل استراتيجي يقوم عليه مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري.
وفي الثامن من سبتمبر 2026، ترجمت الجزائر هذا التوجه إلى آليات تنفيذ، ففصلت بين حلقتين متكاملتين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: لجنة لـ”البيانات والهياكل القاعدية”، وأخرى مستقلة لـ”النماذج اللغوية الكبرى”. كما أنشأت لجانًا للتمويل والدكتوراه المتخصصة والتكوين المستمر، وأعلنت التوجه إلى إنشاء مركز وطني للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وتطوير نظام جزائري متعدد القطاعات لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتكوين 50 ألف متخصص بحلول 2030. ويكشف هذا الفصل أن النموذج ليس نقطة البداية؛ فما لم تُبنَ قبله قاعدة بيانات موثوقة وبنية حسابية وكفاءات قادرة على تشغيلهما، سيظل الاسم وطنيًا فيما تعتمد المعرفة التي ينتجها على مصادر وأدوات خارجية.
غير أن إدراج البيانات في صلب الاستراتيجية لا يحسم المسألة الأصعب: ما حجم المادة الجزائرية الجاهزة فعلًا للاستخدام الآلي؟ فالفارق كبير بين امتلاك ملايين الوثائق والسجلات، وامتلاك رصيد معرفي منظم وموثق ومحدث، متوازن لغويًا، واضح الحقوق، وقابل للمعالجة والتدريب والاسترجاع. وبين الوثيقة المحفوظة والمعلومة التي تستطيع الخوارزمية العثور عليها وفهمها وإسنادها، تقع سلسلة كاملة من الرقمنة والتنظيف والفهرسة والربط والحوكمة والحماية.
لذلك لا يختبر هذا التحقيق قدرة الجزائر على جمع البيانات فحسب، بل يتتبع السلسلة التي تحول ذاكرتها إلى قوة معرفية: هل المادة موجودة؟ هل تبلغ الجودة التي تجعلها جديرة بالثقة؟ هل تستطيع القطاعات تبادلها واستغلالها؟ هل تظل بنيتها وخوارزمياتها تحت سيطرة وطنية؟ وهل يمكن تدقيق النتائج وإعادتها إلى مصادرها؟ عند اجتماع هذه الشروط فقط يصبح بناء ذكاء اصطناعي يعرف الجزائر من الجزائر نفسها مشروعًا قابلًا للتحقق، لا مجرد طموح تقني.

من المجلد إلى النموذج.. عبد المالك بشير يضع البيانات قبل الخوارزمية
قبل نحو نصف قرن، كان الوصول إلى المعرفة يمر عبر مسار ظاهر يستطيع القارئ تتبعه. ويروي الدكتور علي كحلان، في النص الذي انطلقت منه هذه المعالجة، أنه اشترى موسوعة “بريتانيكا” خلال دراسته في إنجلترا عام 1977، ثم اقتنى بعد عودته إلى الجزائر موسوعة “المعرفة” بالعربية. وبعد المجلدات، جاءت الأقراص المدمجة، ثم Google وWikipedia والهواتف الذكية، وصولًا منذ 2022 إلى تحول جوهري: لم يعد المستخدم مضطرًا إلى فتح المرجع والبحث داخله، بل أصبح يسأل نموذجًا لغويًا فيتلقى جوابًا مكتمل الصياغة.
لم يختصر هذا التحول زمن البحث فحسب، بل نقل إلى الآلة جانبًا من سلطة الاختيار والترتيب والتفسير. ففي الموسوعة، كان اسم المؤلف والطبعة والمراجع ظاهرًا أمام القارئ، أما النموذج اللغوي فيبني إجابته انطلاقًا من كميات هائلة من بيانات التدريب، وقد يدعمها بمصادر يسترجعها أثناء الاستخدام، من دون أن يكشف دائمًا المسار الذي قاده إليها. لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على صحة الإجابة، بل امتد إلى المادة التي صاغتها، والمصدر الذي جاءت منه، والمعايير التي قدمت معلومة على أخرى.
ويضع البروفيسور عبد المالك بشير، مدير المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي ENSIA، هذه المسألة في صميم الطموح الجزائري. ففي 12 فيفري 2026، أعلن أن الجزائر تطمح إلى تطوير نموذج “يحترم قيمنا”، ويُصمم محليًا “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. ولم يطرح بشير مصدر البيانات باعتباره تفصيلًا هندسيًا، بل أوضح أن مخرجات النماذج، ولا سيما في القضايا التي تتجاوز الحقائق المباشرة، تتشكل وفق المادة التي دُربت عليها.
وبهذا المعنى، لا تُقاس “جزائرية” النموذج بموقع الخادم أو جنسية فريق التطوير وحدهما. فإذا تعلم النظام تاريخ الجزائر واقتصادها وثقافتها ومجتمعها من مصادر خارجية، أو من قواعد قديمة وناقصة لا تمثل واقعها، فقد يكون النموذج محلي الاستضافة والتطوير، لكنه يواصل إنتاج معرفة بالجزائر صيغت خارجها. فتوطين التقنية لا يصحح تلقائيًا الاختلالات الموروثة من بياناتها.
ومن هنا تكتسب عبارة “بياناتنا الخاصة” مضمونها الحقيقي؛ فهي لا تعني مجرد تجميع الملفات، بل بناء رصيد وطني يشمل أحدث الإحصاءات والسجلات الإدارية، ويمتد إلى الأطروحات والكتب والأرشيف الصحفي والخرائط والوثائق التاريخية. كما تفرض تمثيل العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية، وتمكين الآلة من التمييز بين الرقم الساري والرقم المتجاوز، وبين الوثيقة الأصلية والنقل الثانوي، وبين النص النافذ وما لحقه من تعديل.
وعند هذه النقطة يلتقي طموح بشير مع تحذير علي كحلان؛ فالخلل قد يبدأ قبل تدريب النموذج. إذ لا يكفي أن تكون المعرفة الجزائرية موجودة ماديًا إذا ظلت حبيسة أرشيف غير مفهرس، أو وثيقة يتعذر البحث داخلها، أو رابط غير مستقر، أو قاعدة لا تسمح بالاكتشاف الآلي. ففي البيئة الرقمية، لا يضمن وجود المصدر حضوره؛ وما لا تستطيع محركات البحث وأنظمة الاسترجاع العثور عليه يكاد يصبح، بالنسبة إلى الخوارزمية، معرفة غير موجودة.
لكن قابلية الاكتشاف ليست سوى الشرط الأول. فقد تصل الآلة إلى المادة، من دون أن تكون هذه المادة دقيقة أو محدثة أو متجانسة أو قابلة للتحقق. وهنا تبدأ الحلقة الثانية في سلسلة بناء الذكاء الاصطناعي الجزائري: جودة البيانات..
173,933 أطروحة.. حسين درار ينقل النقاش من «كم نملك؟» إلى «ما جودة ما نملك؟»
من حيث الحجم، لا تبدأ الجزائر من فراغ. فبوابة PNST الوطنية التابعة لمركز البحث في الإعلام العلمي والتقني CERIST تعرض، في إحصاءاتها الحالية، 173,933 أطروحة مناقشة، فيما سجلت بين 2016 و2026 ما مجموعه 47,754 موضوع أطروحة. والبوابة لا تؤدي وظيفة الفهرسة فقط؛ فهي تنص على أن أحد أهدافها ضمان الأرشفة الدائمة للأطروحات وإبراز البحث العلمي الجزائري، كما تسمح آليتها بإيداع النسخة الإلكترونية وربطها بالفهرس المشترك الجزائري.
إلى جانب ذلك، تدير الجزائر بنى علمية أخرى مثل ASJP، فضلًا عن مخزون ضخم موزع بين الجامعات والمخابر والإدارات والمكتبة الوطنية والأرشيف ووسائل الإعلام. وتُظهر النسخة الأساسية من التحقيق أيضًا تفاوتًا في نضج الرقمنة بين القطاعات؛ ففي 2026 أُعلن استكمال رقمنة الأرشيف الإذاعي، فيما كانت مؤسسات أخرى لا تزال توسع عمليات الفهرسة والوصف والمعالجة الرقمية.
إذن، السؤال الأول يمكن الإجابة عنه بدرجة معتبرة من اليقين: المادة موجودة. لكن ذلك لا يعني أنها جاهزة للتعلم الآلي.
وهنا يضع حسين درار، الأستاذ الباحث والخبير في الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات، خطًا فاصلًا بين وجود البيانات وصلاحيتها. ففي مداخلته خلال المنتدى الجزائري للإدماج المالي في 18 ماي 2025، حدد ثلاثة أعمدة لإنشاء بيئة تسمح بتطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية: الكفاءات البشرية، توافر البيانات ذات الجودة، والسيادة الرقمية. ولم يضع «الجودة» في مستوى ثانوي بعد التكنولوجيا؛ بل جعلها أحد الشروط الثلاثة التي لا تقوم المنظومة من دونها.
أهمية هذا الموقف أنه يمنع تحويل الأرقام الكبيرة إلى مؤشر مضلل على الجاهزية. فوجود 173 ألف أطروحة، مثلًا، يثبت أن الجزائر تملك رصيدًا علميًا مهمًا، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة التي يحتاج إليها مهندس بيانات: كم من النص الكامل قابل للاستخراج آليًا؟ ما اللغات المستخدمة؟ كم من الوثائق يحمل ترميزًا ووصفًا موحدًا؟ وما حقوق إعادة الاستخدام في التدريب؟ وهل توجد نسخ متعددة من المادة نفسها؟ وهل البيانات حديثة ومتكاملة؟
الجودة هنا لا تعني «الصحة» فقط. فقد يكون الرقمان صحيحين، لكن أحدهما يعود إلى 2020 والآخر إلى 2026. وإذا لم يعرف النظام زمن كل واحد منهما، يستطيع أن يقدم حقيقة تاريخية باعتبارها وصفًا للحاضر. وقد تكون قاعدتان صحيحتين في مؤسستين مختلفتين، لكن كل واحدة تستخدم تعريفًا آخر للمؤشر نفسه؛ وعند دمجهما آليًا يظهر تناقض لم يكن موجودًا في الأصل.
وهذا ما يجعل عبارة درار عن «البيانات ذات الجودة» متقاطعة مع تعريف الدولة نفسها للجودة في المرسوم الرئاسي الخاص بحوكمة البيانات. فالمرسوم رقم 25-320 الصادر في 30 ديسمبر 2025 يعرّف جودة البيانات من خلال مطابقتها للواقع، واكتمالها، وتناسقها داخل النظام وبين الأنظمة المختلفة، وتوفرها في الوقت المناسب وفي صيغة محدثة. أي إن الإطار القانوني الجزائري بات يضع الحداثة والتناسق والاكتمال داخل تعريف الجودة نفسه.
لكن حتى البيانات النظيفة والمحدثة لا تصبح ذات قيمة قصوى إذا بقيت موزعة داخل قواعد معزولة. ومن هنا ينتقل التحقيق من الجودة إلى التشغيل البيني.
يونس غرار.. من «الجزر الرقمية» إلى بيانات تستطيع القطاعات استخدامها
في 10 فيفري 2026، قدم يونس غرار، الخبير والمستشار في تكنولوجيات الإعلام والمعرفة، تشخيصًا يكشف بدقة المسافة بين رقمنة القطاعات وبناء دولة قائمة على البيانات. فقد أشار إلى أن قطاعات متعددة قطعت أشواطًا في رقمنة نشاطها، لكنها ظلت في كثير من الأحيان تحتفظ بقواعدها الخاصة، فيما لا يعني ذلك أن البيانات تنتقل بسهولة بين القطاعات أو يمكن دمجها في منظومة واحدة. ولذلك ربط نجاح التحول الرقمي بجمع البيانات وتنظيمها وتأمينها وجعلها سهلة الاستغلال.
أهمية طرح غرار أنه ينقل المشكلة من «هل المعلومات موجودة؟» إلى «هل يمكن جعلها تعمل معًا؟». ففي مشروع ذكاء اصطناعي يريد تحليل سوق العمل، مثلًا، لا تكفي قاعدة دقيقة في قطاع التشغيل إذا لم يكن من الممكن ربطها ببيانات التكوين والتعليم والتوزيع الجغرافي والقطاع الاقتصادي. وكلما زاد عدد القواعد غير المتوافقة، تحول التراكم الرقمي من مورد إلى تكلفة دمج وتنظيف إضافية.
لهذا يصبح التشغيل البيني أكثر من مصطلح تقني. وهو تحديدًا ما تحاول المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات معالجته. فالمرسوم 25-320 أنشأ آليات موحدة لتنظيم البيانات وإدارتها وتبادلها، فيما توضح المحافظة السامية للرقمنة أن المنظومة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: مرجع لتصنيف البيانات بحسب حساسيتها، ومرجع لفهرسة مصادرها وتوحيد وصفها وتحسين جودتها والحد من تعدد النسخ، ثم نظام وطني للتشغيل البيني يسمح بتبادلها في بيئة مؤمنة.
وتضيف البنية التقنية عنصرًا آخر هو شبكة IRIES السيادية المؤمنة، التي تقدمها المحافظة السامية للرقمنة بوصفها قناة الربط بين الإدارات والهيئات ومراكز البيانات الوطنية، بعيدًا عن الإنترنت العمومي، وبهدف ضمان تبادل موثوق ومنظم للبيانات.
لكن هذا التقدم لا ينبغي الخلط بينه وبين اكتمال المادة اللازمة للذكاء الاصطناعي. فأن تتمكن إدارتان من تبادل سجلاتهما آليًا شيء، وأن تصبح هذه السجلات corpus يمكن تدريب نموذج لغوي عليه شيء آخر. إذ تظل هناك أسئلة الخصوصية، والترخيص، وإخفاء الهوية، والتمثيل اللغوي، وتحديد ما يمكن استخدامه في التدريب وما ينبغي أن يبقى في بيئة مغلقة.
وهنا يتغير السؤال مرة أخرى. فإذا نجحت الجزائر في جعل البيانات قابلة للتبادل والاستغلال، فكيف تمنع أن تتحول سهولة الاستخدام إلى فقدان للسيطرة أو إلى احتكار للقيمة؟

سهيل قسوم.. البيانات ليست للحبس ولا للتسليم
هذه المعضلة هي التي يضعها سهيل قسوم، خبير الرقمنة ورئيس الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين، في صياغة اقتصادية واضحة. ففي حديثه في فيفري 2026 عن منظومة حوكمة البيانات، ربط الوصول إلى معلومات موثوقة بتحسين اتخاذ القرار، وتوقع الطلب، ورفع الإنتاجية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والناشئة من تطوير حلول محلية قد تتحول إلى منتجات قابلة للتصدير.
غير أن قسوم لا يرى الحل في فتح القواعد على مصراعيها. فقد لخّص المعادلة بأن البيانات لا ينبغي حبسها ولا تسليمها، وإنما يجب حوكمتها وحمايتها وتثمينها بذكاء. وهذه الرؤية تضعه في نقطة وسط بين من يفهم السيادة باعتبارها إغلاقًا، ومن يتعامل مع الانفتاح باعتباره تسليمًا غير مشروط للمورد الرقمي.
القيمة الاقتصادية لهذا الطرح تظهر بوضوح في الذكاء الاصطناعي. فالشركة الناشئة التي تريد تطوير نموذج للتنبؤ بالاستهلاك، أو أداة للزراعة الدقيقة، أو نظامًا للتحليل الطبي، تحتاج إلى بيانات محلية ذات جودة. لكن الدولة في الوقت نفسه لا تستطيع أن تجعل البيانات الصحية أو الشخصية أو الأمنية مادة مفتوحة للتدريب. ومن ثم يصبح التحدي الحقيقي في تصنيف مستويات الوصول: ما الذي يمكن نشره؟ وما الذي يحتاج إلى إزالة الهوية؟ وما الذي يستخدم في بيئة بحثية مقيدة؟ وما الذي لا ينبغي أن يغادر أصلًا البنية السيادية؟
هذا ما يجعل البيانات «مادة خام» بالمعنى الاقتصادي لا المجازي فقط. فكما لا يتحول خام المعدن إلى صناعة بمجرد استخراجه، لا يتحول السجل أو الوثيقة أو التسجيل إلى قيمة ذكاء اصطناعي بمجرد رقمنته. يحتاج إلى تنظيف ووصف وتصنيف وربط وترخيص، ثم إلى مؤسسة قادرة على تحويله إلى منتج.
وهنا يكمل قسوم حسين درار ويونس غرار في سلسلة واحدة: فدرار يشترط الجودة، وغرار يشترط القابلية للاستغلال، بينما يسأل قسوم عما إذا كانت هذه القابلية ستتحول إلى إنتاجية وابتكار وقيمة اقتصادية.
لكن إذا أصبحت البيانات أصلًا بهذه القيمة، فإن السؤال التالي يصبح حتميًا: أين تُخزن؟ ومن يملك البنية التي تعالجها؟
جواد سليم علال.. السيادة بدأت من سؤال مكان البيانات
هذا السؤال سبق ظهور ChatGPT بسنوات. ففي أكتوبر 2020، دعا خبير الرقمنة جواد سليم علال الجزائر إلى التفكير «بجدية وبسرعة» في سيادتها الرقمية، وربط ذلك بضرورة تطوير مراكز البيانات والاستضافة الوطنية وزيادة التحكم في البيانات، حتى لا يؤدي الاعتماد الكامل على البنى الموجودة في الخارج إلى تعطيل الاقتصاد والخدمات أو إلى مخاطر تتعلق بالأمن والتجسس.
تكمن أهمية تصريح علال في زمنه بقدر ما تكمن في مضمونه. فحينها كان السؤال الأساسي يتعلق بموقع الخادم وباستمرارية الاتصال والخدمة. أما بعد صعود الذكاء الاصطناعي، فقد اتسع السؤال: يمكن للدولة أن تستضيف بياناتها محليًا، لكن ماذا لو كان النظام الذي يحللها ويبني الإجابات منها خوارزمية مغلقة لا تعرف كامل منطقها ولا البيانات التي تشكلت منها؟
الجزائر تحرز في الجانب المادي تقدمًا ملموسًا. فالمحافظة السامية للرقمنة تشير إلى مركزين وطنيين للبيانات في الجزائر العاصمة والبليدة، وتقول إن المركز الأول حصل في 22 فيفري 2026 على اعتماد Design Tier III من Uptime Institute، مع مساحة تفوق 11 ألف متر مربع لكل منشأة، وربط المنظومة بمركز عمليات أمن سيبراني وشبكة IRIES السيادية.
هذه البنية تجيب عن جزء من السؤال الذي طرحه علال قبل سنوات: أين توجد البيانات وكيف نحافظ عليها داخل بيئة وطنية؟ لكنها لا تجيب وحدها عن الجزء الذي أضافه الذكاء الاصطناعي: من يتحكم في الطريقة التي تُحوَّل بها البيانات إلى معرفة؟
ولهذا عاد يونس غرار نفسه، في ديسمبر 2025، إلى المسألة من زاوية أكثر تقدمًا؛ إذ طالب في العلاقات مع مزودي الذكاء الاصطناعي بإبقاء البيانات محليًا وعدم إخراجها، لكنه أضاف ضرورة فهم طريقة عمل الخوارزميات حتى لا تتحول التبعية من الخادم إلى النظام الذي ينتج الإجابة. وهنا لم يعد مفهوم السيادة يقتصر على الأرض التي يقف عليها مركز البيانات؛ بل امتد إلى طبقة الخوارزمية.

وردة بايليش.. من السيادة الرقمية إلى السيادة المعرفية
هذه النقلة هي ما تصفه وردة بايليش بـ”السيادة المعرفية” أو “الإدراكية”. ففي تحليلها للجغرافيا السياسية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، تربط التكنولوجيا ببنيتها المادية؛ فمركز البيانات لا يحفظ الملفات فحسب، بل يضمن تدفقها ويوفر القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل الأنظمة الذكية. ومن ثم، لا تُقاس حماية الدولة بمكان تخزين البيانات وحده، بل بمدى سيطرتها على الخوادم والخوارزميات والمسارات التي تُنتج بها المعرفة وتصل إلى المواطن.
وبذلك لا تنقض بايليش شرط الاستضافة الوطنية الذي يطرحه جواد سليم علال، وإنما تستكمله. فقد تكون قاعدة البيانات وطنية ومركز استضافتها وطنيًا، بينما تظل الخوارزمية التي ترتب المصادر وتسترجع المعلومات وتصوغ الإجابة تابعة لجهة خارجية. عندئذ تتحقق السيادة على التخزين، من دون أن تمتد كاملة إلى التفسير.
وتظهر خطورة هذا الفارق في الاستخدام اليومي. فعندما تستطلع شركة سوقًا جزائرية، أو يطلب طالب تفسير حدث تاريخي، أو يعتمد موظف على مساعد ذكي لتلخيص نص قانوني، لا ينقل النظام المعلومات من الخادم إلى الشاشة بحياد؛ بل يختار المصادر ويرتبها ويستبعد بعضها، ثم يصوغ منها إجابة قد تعيد إنتاج نقص البيانات أو انحيازها. لذلك يرتبط استقلال القرار المعرفي بالتحكم في معايير الاختيار والترتيب والإسناد، لا بمجرد امتلاك مساحة التخزين.
وعليه، تتسع السيادة من حماية البيانات إلى امتلاك القدرة على فحص الخوارزمية التي تفسرها وتحديد المسؤولية عن نتائجها. غير أن السيطرة التقنية تظل ناقصة ما لم يكن بالإمكان إثبات أن النظام يعمل وفق الضوابط المحددة له؛ وهنا تبدأ الحلقة التي يضيفها فؤاد بوسطوان: التقييم والمراقبة والتدقيق والمساءلة.
السيادة تبدأ من القدرة على مساءلة الآلة
يضيف الدكتور فؤاد بوسطوان، الخبير الدولي في الذكاء الاصطناعي وعضو المجلس العلمي للذكاء الاصطناعي، شرطًا حاسمًا إلى معادلة السيادة: لا يكفي امتلاك النظام أو استضافة بياناته داخل البلاد؛ بل يجب أن تكون المؤسسة قادرة على تقييمه ومراقبته وتدقيقه والتحكم في سلوكه.
وكان بوسطوان قد شدد، خلال مداخلة بجامعة باجي مختار بعنابة سنة 2024، على أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يفرض بناء بيئة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بالتوازي مع حماية البيانات من الاختراق والجريمة السيبرانية. غير أن أبحاثه في 2026 نقلت النقاش من أمن البيانات إلى جاهزية النظام نفسه للعمل داخل المؤسسة.
ففي بحثه حول جاهزية وكلاء الذكاء الاصطناعي، يميز بوسطوان بين نظام يستطيع إنجاز مهمة في الاختبار، ونظام مؤهل للعمل في بيئة إنتاج حقيقية. ويقترح لتحديد هذا الفارق نموذجًا يقوم على أربعة أبعاد: التقييم، والسياق، والامتثال، والحوكمة. ولا تعني الحوكمة هنا وضع قواعد عامة فقط، بل قدرة الجهة المشغلة على التصريح للنظام بالعمل، ومراقبته أثناء التنفيذ، وتدقيق قراراته، والتدخل للتحكم فيه عند الحاجة.
وفي بحث آخر، يبين أن أداء النظام لا تحدده قوة النموذج الأساسي وحدها؛ إذ تشارك في صنع النتيجة التعليمات والأدوات والذاكرة والمعرفة المسترجعة والحواجز الأمنية والمدخلات غير الموثوقة. وإذا كان هذا السياق ضعيفًا، ارتفعت احتمالات الهلوسة والانحراف وسوء استخدام الأدوات، فيما ترتبط كفاية الإسناد إلى المعرفة مباشرة بقدرة النظام على مقاومة الهلوسة.
وتضع هذه النتيجة مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري أمام معيار تقني واضح. فإذا طُور نظام للإجابة عن الاقتصاد الوطني، فلا يكفي أن يكون نموذجه قويًا؛ بل يجب معرفة قاعدة المعلومات التي بحث فيها، والمصدر الذي استرجعه، وتاريخ الرقم الذي استخدمه، وقدرته على عرض ذلك للمستخدم أو المدقق. وإذا استند إلى نص قانوني، فعليه التمييز بين النص الأصلي وتعديلاته اللاحقة. أما إذا أخطأ، فيجب أن تستطيع المؤسسة إعادة بناء المسار الذي أنتج الخطأ وتحديد موضعه.
وبذلك يصبح مفهوم السيادة أوسع من الملكية والاستضافة: أن تملك الدولة القدرة على مساءلة النظام الذي يعمل باسم مؤسساتها، وأن تعرف كيف وصل إلى قراره، وبأي بيانات، وتحت أي ضوابط.
لكن النظام القابل للتدقيق يظل ناقصًا إذا لم تمثل بياناته المجتمع الذي سيستخدمه. وهنا تنتقل المعركة من حوكمة الآلة إلى المادة اللغوية التي تشكل معرفتها بالجزائر.
اختبار الدارجة.. هل تمثل البيانات المجتمع فعلًا؟
الجزائر ليست مجموعة وثائق حكومية مكتوبة بلغة واحدة؛ فواقعها اللغوي يتحرك بين العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية والفرنسية، مع انتقال مستمر بين اللغات وكتابة للدارجة بالحرفين العربي واللاتيني. وإذا غابت هذه الطبقات عن بيانات النظام، فقد يعرف المؤسسات من نصوصها الرسمية من دون أن يفهم المجتمع بالطريقة التي يتحدث بها ويسأل ويبحث.
وتؤكد الأبحاث الجزائرية أن المسألة ليست افتراضية. فقد قدمت قاعدة “CAFE” في 2025 نحو 37 ساعة من المحادثات الجزائرية العفوية لأكثر من 100 متحدث من مناطق مختلفة، تشمل الدارجة والفرنسية والإنجليزية والتحول الطبيعي بينها. غير أن الجزء المفرغ والموسوم يدويًا بالكامل لم يتجاوز ساعتين و36 دقيقة، ما يكشف حجم الجهد اللازم لإنتاج بيانات موثوقة للهجات واللغات محدودة الموارد.
وفي النصوص المكتوبة، تضم قاعدة “DzNER” أكثر من 21 ألف جملة مشروحة يدويًا وما يزيد على 220 ألف وحدة لغوية، جُمعت من محتوى جزائري لتدريب الأنظمة على التعرف إلى الأشخاص والأماكن والمؤسسات. وتوفر هذه القاعدة مادة محلية لاختبار قدرة النموذج على فهم الكيانات الجزائرية بدل إسقاط أنماط مستخرجة من سياقات أجنبية عليها.
أما “DziriBERT”، فبُني على أكثر من مليون تغريدة جزائرية ضمن قاعدة لا يتجاوز حجمها نحو 150 ميغابايت. ورغم صغر بياناته مقارنة بنماذج متعددة اللغات دُربت على مئات الغيغابايت، تفوق النموذج المتخصص عليها في مهام مرتبطة بالدارجة الجزائرية، ولا سيما عند كتابتها بالحرف اللاتيني.
وتمنح هذه النتيجة تحذير حسين درار بشأن جودة البيانات معنى عمليًا، كما تفسر دعوة عبد المالك بشير إلى البناء من “بياناتنا الخاصة”. فالقدرة الوطنية لا تُبنى بجمع أكبر عدد ممكن من الكلمات، بل بإنتاج بيانات دقيقة تمثل الجزائر كما تستخدم لغاتها فعلًا.
فالنموذج الذي يقرأ التشريع بالعربية، لكنه يعجز عن فهم سؤال المواطن بالدارجة، لا يعرف سوى جزء من البلد. والنظام الذي يعمل بكفاءة بالفرنسية، لكنه يظل ضعيفًا أمام الأمازيغية، يعيد داخل بنيته التفاوت القائم في الموارد الرقمية. لذلك، لا تتحقق السيادة اللغوية بترجمة واجهة الاستخدام، بل بإدخال اللغات الوطنية، بتنوعها الواقعي، في بيانات التدريب والتقييم والاسترجاع.
وعند هذه النقطة تظهر “ويكيبيديا”، لا بوصفها حلًا للمشكلة، بل باعتبارها اختبارًا مكثفًا لها: ماذا يحدث عندما يصبح المصدر الأكثر حضورًا وسهولة في الوصول هو المرجع الأول للآلة، حتى عندما لا يكون المصدر الجزائري الأصلي؟
ويكيبيديا.. حين تصبح قابلية الاكتشاف جزءًا من قوة المصدر
يضع علي كحلان “ويكيبيديا” ضمن أكثر حلقات التوثيق حساسية، من دون أن يدعو إلى تحويلها إلى منصة لإنتاج “رواية رسمية”. فعلى العكس، يؤكد أن قوة الموسوعة تستند إلى قواعد الحياد والتحقق، وأن المطلوب هو إتاحة المصادر الجزائرية الأصلية، بعد رقمنتها وتوثيقها، حتى يتمكن المحررون من الاستشهاد بها.
وتوضح البيانات التاريخية خلفية هذا الانشغال. ففي الربع الأول من 2012، استحوذت الفرنسية على 52.2% من تصفح مشاريع “ويكيميديا” من الجزائر، مقابل 30.7% للعربية، بينما لم تتجاوز مساهمات الجزائر 0.08% من إجمالي التعديلات عالميًا. ولا تصلح هذه المؤشرات القديمة لوصف الواقع الحالي، لكنها تكشف أن دخول الجزائر إلى فضاء المعرفة الرقمية انطلق من قاعدة لغوية وإنتاجية غير متوازنة.
غير أن القضية تتجاوز “ويكيبيديا”. فإذا بقيت وثيقة جزائرية أصلية داخل أرشيف غير مفهرس، بينما أُدرجت دراسة أجنبية ثانوية عنها في قاعدة منظمة وقابلة للبحث، فقد تصل محركات البحث وأنظمة الاسترجاع إلى الدراسة الأجنبية أولًا؛ لا لأنها أدق بالضرورة، بل لأن بنيتها الرقمية تجعلها أكثر قابلية للاكتشاف والمعالجة والاستشهاد.
ومن هنا تكتسب ملاحظة كحلان حول الرقمنة أهميتها. فمسح الوثيقة ضوئيًا لا يحولها تلقائيًا إلى مصدر قابل للاستخدام؛ إذ تحتاج إلى وصف دقيق، وتأريخ، وتحديد للمؤلف، وفهرسة، وروابط دائمة، وإمكان البحث في محتواها بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية. ومن دون ذلك، قد تنتقل الوثيقة من ورقة منسية في خزانة إلى ملف غير مرئي داخل خادم.
وبهذا يصبح ما يبدو انحيازًا في اختيار المصادر أكثر قابلية للتفسير. فالآلة لا تستبعد المصدر الجزائري بالضرورة، لكنها قد لا تعثر عليه أو تتمكن من معالجته بالسهولة نفسها. لذلك، تبدأ معركة حضور الجزائر في البيئة الخوارزمية من هندسة المصدر الوطني، وجعله موثوقًا ومفهرسًا ومستقرًا وقابلًا للوصول والاستشهاد.
ومن هذه النقطة تتصل تصريحات الخبراء الثمانية ضمن مسار واحد يبدأ بالمصدر، ثم ينتقل إلى جودة البيانات وربطها وحوكمتها وتثمينها وحمايتها، وصولًا إلى النموذج القادر على معرفة الجزائر من مصادرها الوطنية.

ثمانية خبراء.. وسلسلة واحدة من الوثيقة إلى القرار
يبدأ عبد المالك بشير من نهاية المسار محددًا الهدف: نموذج جزائري يُبنى “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. غير أن بلوغ هذا الهدف يمر بسلسلة من الشروط المترابطة؛ إذ يعيد حسين درار النقاش إلى جودة البيانات، لأن وفرتها لا تعوض ضعف دقتها، فيما يضيف يونس غرار أن الجودة تفقد أثرها إذا ظلت القواعد منفصلة وغير قابلة للتبادل والاستغلال. وعندما تصبح المادة جاهزة للاستخدام، ينقل سهيل قسوم النقاش إلى الاقتصاد: حماية البيانات ضرورية، لكن قيمتها الفعلية تظهر عندما تتحول إلى إنتاجية وابتكار ومنتجات جديدة بدل بقائها “محبوسة”.
ويضع جواد سليم علال شرط البنية السيادية، فلا يمكن التحكم في مادة وطنية حيوية إذا ظلت استضافتها خاضعة بالكامل لبنى خارج السيطرة الوطنية. لكن وردة بايليش توسع المفهوم من امتلاك الخادم إلى امتلاك المعرفة التي تنتجها الخوارزمية، لأن السيطرة على مكان التخزين لا تعني تلقائيًا السيطرة على آليات معالجة البيانات وتوجيه استخدامها. ويستكمل فؤاد بوسطوان السلسلة بمعيار الإثبات: حتى النظام الوطني المستضاف محليًا ينبغي أن يكون قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.
وقبل هذه المراحل جميعًا، يعيد علي كحلان المسألة إلى أصلها: المصدر. فإذا لم تكن الوثائق والأرشيفات والدراسات الجزائرية مستقرة وموثقة ومفهرسة وسهلة الوصول، فلن تجد الأنظمة الذكية مادة وطنية كافية لمعرفة الجزائر من داخلها.
وهكذا لا تقدم تصريحات الخبراء تشخيصات منفصلة، بل ترسم سلسلة سببية متكاملة: المصدر ينتج البيانات، والجودة تمنحها الثقة، والتشغيل البيني يربطها، والحوكمة تضبط استخدامها، والتثمين يحولها إلى أصل اقتصادي، والبنية السيادية تحفظ السيطرة عليها، والتحكم الخوارزمي يحمي المعرفة الناتجة عنها، فيما يجعل التدقيق هذه السيطرة قابلة للإثبات. عند اكتمال هذه السلسلة، يصبح هدف بشير ببناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة” مشروعًا قابلًا للتحقق تقنيًا ومؤسساتيًا.
الجزائر تملك المادة الخام وتستكمل تحويلها إلى أصل صناعي
لا تقود المعطيات إلى إجابة ثنائية عن سؤال امتلاك الجزائر المادة الخام اللازمة للذكاء الاصطناعي. فالبلاد تملك رصيدًا معرفيًا واسعًا يشمل أكثر من 173 ألف أطروحة مناقشة في المنصة الوطنية للإشعار عن الأطروحات “PNST”، ومنصات للمجلات العلمية، وأرشيفات ومكتبات، وقواعد قطاعية وإحصائية، وإنتاجًا إعلاميًا وثقافيًا متراكمًا. كما أثبتت فرق البحث الجزائرية قدرتها على بناء مجموعات بيانات متخصصة للدارجة والكلام العفوي والتعرف على الكيانات، بالتوازي مع بناء الدولة، منذ نهاية 2025، إطارًا أكثر صرامة لحوكمة البيانات وتشغيلها البيني وحمايتها واستضافتها داخل بنى سيادية.
غير أن تحويل هذا الرصيد إلى مادة جاهزة لتدريب نموذج تأسيسي كبير يتطلب جردًا وطنيًا فنيًا موحدًا يحدد الحجم الصافي للنصوص القابلة للاستخدام، وتوزيعها بين العربية والدارجة والأمازيغية والفرنسية، ونسبة الوثائق القابلة للاستخراج الآلي، ومستويات التكرار والأخطاء، وحقوق إعادة الاستخدام والتدريب، وعمر البيانات، ونتائج التدقيق الموحد لجودتها.
لذلك، سيكون من غير الدقيق اختزال الوضع في القول إن الجزائر تملك حاليًا مدونة وطنية عامة مكتملة التنظيف والترخيص والتوازن اللغوي وجاهزة بصورة مثبتة لتدريب نموذج ضخم من الصفر. وسيكون من غير الدقيق أيضًا القول إنها لا تملك المادة الخام. فالقاعدة المعرفية موجودة، بينما تتقدم عملية تنظيمها وربطها وتحويلها إلى مورد صناعي موحد.
ويتيح هذا الوضع خيارًا عمليًا لا يربط التقدم بانتظار اكتمال رقمنة الأرشيف الوطني كله. تستطيع الجزائر، بالتوازي، تطوير أنظمة تستند إلى نماذج قائمة أو مفتوحة، وترتبط بقواعد معرفة وطنية موثوقة ومحدثة تُرجع الإجابة إلى مصدرها وتاريخها. وبذلك تنتقل الأولوية من المنافسة على عدد معاملات النموذج إلى المنافسة على جودة المعرفة الجزائرية ودقة إسنادها.
وعند هذه النقطة تلتقي شروط الخبراء في مسار واحد: جودة درار، وتشغيل غرار البيني، وتثمين قسوم، والبنية السيادية عند علال، وسيادة المعرفة لدى بايليش، وقابلية التدقيق عند بوسطوان، واستدامة المصدر عند كحلان، وصولًا إلى نموذج بشير المبني على بيانات الجزائر.
والخلاصة أن الجزائر لا تبدأ من فراغ، ولا تنتظر مادة خام لم تُنتج بعد؛ فهي تملك الذاكرة والمصادر والكفاءات والرصيد اللغوي والعلمي. أما المعركة الحاسمة، فتتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى معرفة منظمة وموثقة وقابلة للمعالجة الآلية، حتى تعرف الخوارزمية الجزائر من مصادر الجزائر نفسها، وتستطيع إثبات ذلك بالدليل.
المعركة تبدأ قبل النموذج
لا تكشف رحلة البيانات الجزائرية عن نقص في الذاكرة، بل عن فجوة بين حجم المعرفة المتراكمة وحجم المادة التي أصبحت جاهزة فعلًا للآلة. فالجامعات والمكتبات والأرشيف والإدارات ووسائل الإعلام تختزن رصيدًا علميًا وثقافيًا ولغويًا تشكل عبر عقود، غير أن وجوده لا يعني أن الخوارزمية تستطيع الوصول إليه أو فهمه أو التحقق منه. لذلك، يبدأ التحدي الحقيقي من بناء مسار ينقل هذه المعرفة من مصدرها إلى النظام الذكي، مع الحفاظ على تاريخها وسياقها ولغتها وإمكانية إسنادها إلى أصلها.
ضمن هذا المسار، لا تتجاور مواقف الخبراء، بل تكمل كل واحدة منها حلقة ضرورية. فجواد سليم علال ينطلق من البنية التي تحتضن البيانات وضرورة إبقائها تحت السيطرة الوطنية، فيما يركز حسين درار على نوعيتها، محذرًا من أن كثرتها لا تمنحها قيمة ما لم تكن دقيقة وعالية الجودة. ويضيف يونس غرار أن البيانات الجيدة لا تتحول إلى قدرة وطنية إذا ظلت موزعة في جزر رقمية، ما يجعل التشغيل البيني وقابلية الاستغلال شرطين للانتقال من الرقمنة إلى اقتصاد البيانات. أما سهيل قسوم، فيضع العائد في قلب المعادلة: حماية البيانات لا تنفصل عن استخدامها لتحسين القرار وإنتاج الابتكار وتطوير منتجات جديدة.
غير أن القيمة تظل محدودة إذا بقيت المصادر الوطنية ضعيفة الظهور. وهنا يحذر علي كحلان من أن الأرشيف غير المفهرس، والدراسة صعبة الوصول، والرابط غير الدائم، تجعل المعرفة الجزائرية أقل حضورًا في البيئة الخوارزمية، مهما بلغت أهميتها. وتوسع وردة بايليش مفهوم السيادة من مكان تخزين البيانات إلى التحكم في الخوادم والخوارزميات ومسارات استهلاك المعرفة، بينما يضع فؤاد بوسطوان شرطًا حاسمًا: لا تكتمل سيادة أي نظام ما لم يكن قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.
وعند اكتمال هذه الحلقات، يأخذ هدف عبد المالك بشير موقعه الطبيعي. فبناء نموذج “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة” ليس نقطة البداية، بل حصيلة منظومة تبدأ بالمصدر، وتمر بالتنظيم والجودة والربط والحماية، وتنتهي بنظام يستطيع تفسير ما يعرفه وإثبات مصدر معرفته.
ومن ثم، لا تُقاس المنافسة بالنسبة إلى الجزائر بعدد مليارات معاملات نموذجها المقبل أو بسرعة الإعلان عنه، بل بقدرتها على جعل المعرفة الأدق عنها هي أيضًا الأكثر حضورًا وقابلية للوصول الآلي. عندئذ لا تبقى الأطروحات حبيسة المنصات، ولا الأرشيف مجرد ذاكرة محفوظة، ولا الدارجة والأمازيغية موارد محدودة التمثيل، ولا قواعد الدولة جزرًا منفصلة؛ بل تتحول إلى رصيد وطني تستطيع الأنظمة الذكية البحث فيه وفهمه وتحديثه والاستناد إليه.
وهنا يظهر الفارق بين امتلاك أداة للذكاء الاصطناعي وامتلاك سلسلة المعرفة التي تحدد رؤيتها. فالخوادم يمكن اقتناؤها، والقدرات الحاسوبية يمكن توسيعها، والنماذج المفتوحة يمكن تكييفها، والخبرات يمكن تكوينها أو استقطابها. أما الأصل الذي لا تستطيع شركة أجنبية أو دولة أخرى إنتاجه بدل الجزائر، فهو ذاكرتها الوطنية: أرقامها ووثائقها وأصواتها ولغاتها ولهجاتها وأرشيفها وتجربتها التاريخية.
وبذلك يصبح السؤال الذي افتتح التحقيق أكثر دقة: لم يعد الأمر متعلقًا فقط بقدرة الجزائر على تطوير نموذج يحمل اسمها، بل ببناء بيئة معرفية تجعل أي نموذج تستخدمه يعرف الجزائر من مصادرها الوطنية، ويستطيع إثبات ذلك بالدليل.
فحين تميز الخوارزمية الرقم المحدث من القديم، والوثيقة الأصلية من النقل الثانوي، وتفهم اللغات المحلية، وترد المعلومة إلى صاحبها وتاريخها، مع بقاء طريقة إنتاج الإجابة قابلة للتدقيق والمساءلة، تنتقل الجزائر من رقمنة ذاكرتها إلى امتلاك المعرفة التي تحدد صورتها في عصر الذكاء الاصطناعي.

















