الأحد, 8 نوفمبر 2026 • 22:22 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يهنئ عبر حسابه الشخصي اتحاد الجزائر بتتويجه بكأس السوبر الإفريقي للمرة الثانية أزيد من نصف مليون طالب خارج مقاعد الدراسة في المغرب! شركة في قلب شبكة تتلاعب بقوت الجزائريين .. القضاء الجزائري يكشف تفاصيل مثيرة! مناورات باريس تنهار.. أمن الساحل لا يُدار من مكاتب الإليزيه وبروكسل! صادرات الحديد الجزائرية تتجاوز 39 مليون دولار.. مركب بلارة يعزز حضور الصناعة الوطنية في الأسواق العالمية الدرس الأمريكي والرهان الجزائري ..كيف تصنع الجاليات وزنها السياسي؟ الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من زعيم البوليساريو! مناورة عسكرية جزائرية إيطالية.. “ميداكس -إ-26” مجلس الوزراء الجزائري .. قرارات حاسمة لإعادة هيكلة قطاع الفلاحة وتعزيز الأمن الغذائي والصحي الموقف الإسباني وتوازنات القرار الدولي.. حدود الأحادية الأمريكية وأولوية الشرعية في الصحراء الغربية
شارك المقال

30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 311 مشاهدة
30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

بوابة الجزائر الإخبارية: 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، ونماذج وطنية مفتوحة المصدر، وقدرات للحوسبة عالية الأداء، وبيانات عمومية تبقى داخل الحدود الجزائرية؛ أربع حلقات بدأت تتجمع داخل مشروع واحد يعكس انتقال الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من رقمنة الخدمات إلى بناء قدرة تكنولوجية سيادية تتحكم في البيانات والحوسبة والكفاءات التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل. وأعاد تقرير نشرته المنصة الأمريكية Muslim Network TV، الخميس 20 أوت 2026، هذا التحول إلى الواجهة الدولية، بعدما قدم خارطة الطريق الجزائرية باعتبارها مسعى لتقليص الاعتماد على موردي التكنولوجيا الأجانب وبناء البنية الوطنية التي تسمح بتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.

غير أن أهمية ما رصده التقرير الأمريكي لا تكمن في إعلان هدف جديد بقدر ما تكشفه الكرونولوجيا الجزائرية نفسها: مشروع الذكاء الاصطناعي لم يبدأ في أوت، ولم يُبنَ كرد فعل متأخر على التسارع العالمي لهذه التكنولوجيا، وإنما يأتي في نهاية سلسلة قرارات دفعت بها الدولة خلال سنوات، تحت إشراف الرئيس تبون، من إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، إلى وضع حوكمة البيانات في إطار سيادي، ثم بناء مركز وطني للخدمات الرقمية، وربط قواعد البيانات الحكومية، وصولًا إلى تحويل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى برامج تنفيذ مشتركة بين الوزارات. ففي وقت مبكر، كان رئيس الجمهورية قد دفع إلى إنشاء مدرستين وطنيتين عاليتين للذكاء الاصطناعي والرياضيات، باعتبارهما من مؤسسات «اقتصاد الغد»، قبل أن تتخرج في جوان 2026 أول دفعة من المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، في مسار يستهدف اليوم تكوين عشرات الآلاف من الكفاءات وليس مئات الخريجين فقط.

ومن هنا يبدو هدف الـ30 ألف متخصص أكثر من رقم في مخطط للتكوين. فالرهان الذي رسمته القيادة الجزائرية يقوم على بناء عناصر القدرة الوطنية في الوقت نفسه: العقل الذي يصمم النموذج، والبيانات التي تدربه، والحاسوب الذي يشغله، والمنشأة التي تستضيفه، والقواعد التي تحميه. وهذه النقلة تحديدًا هي ما يمنح المشروع بعده السيادي؛ إذ لا يمكن الحديث عن استقلال تكنولوجي إذا بقيت البيانات الجزائرية مخزنة لدى أطراف أجنبية، أو إذا كان تدريب النماذج مرتبطًا حصريًا ببنى حسابية خارج البلاد، أو إذا كانت الإدارة مضطرة في كل تطبيق جديد إلى شراء حل مغلق لا تتحكم في شفرته أو بنيته أو طريقة معالجة معلومات المواطنين.

تبون يضع البيانات في قلب الدولة قبل سباق الذكاء الاصطناعي

وتظهر استشرافية هذا التوجه بوضوح عند العودة إلى 9 فيفري 2026، أي قبل أشهر من خارطة الطريق الحالية، عندما دخلت المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيز الخدمة تحت الرعاية السامية للرئيس عبد المجيد تبون. ولم تُقدَّم البيانات يومها باعتبارها أرشيفًا إلكترونيًا، وإنما باعتبارها أصولًا استراتيجية للدولة الجزائرية ينبغي التحكم فيها وتنظيمها وحمايتها وتوجيه استغلالها، في انتقال من رقمنة متفرقة بين الإدارات إلى حوكمة وطنية ترتكز على البيانات. كما ربطت الحكومة صراحة تلك المنظومة بتوفير بيانات ذات جودة وموثوقة وقابلة للتشغيل البيني لتصميم وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة، مع إخضاع استخدامها للأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.

وهذه النقطة أساسية لفهم الفارق بين شراء تطبيق للذكاء الاصطناعي وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي. فالتطبيق يمكن اقتناؤه في أشهر، أما السيادة الرقمية فتحتاج إلى بيانات منظمة، ومراكز استضافة، وقدرات حسابية، وكفاءات، وتشريعات ومؤسسات تتبادل المعلومات ضمن قواعد موحدة. ولذلك جاءت خطوة أخرى في 13 ماي 2026 عندما درست الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس تبون، مشروع نظام وطني للمساعدة على اتخاذ القرار يقوم على ربط القطاعات وربط البيانات بعضها ببعض، ما يعني أن الغاية لم تعد رقمنة الوثيقة في كل وزارة على حدة، وإنما جعل البيانات نفسها أداة لتحسين القرار العمومي.

وبعد أقل من أسبوعين، في 25 ماي، انتقل المسار إلى مستوى أعلى عندما درست الحكومة مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وجاء البيان الرسمي واضحًا في نسب هذا التوجه إلى الدفع الذي أعطاه رئيس الجمهورية لمسار تحديث العمل العمومي والتحول الرقمي، وحدد ثلاثة أسس لأي قدرة جزائرية مستدامة في الذكاء الاصطناعي: البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات البشرية. وبذلك كانت الدولة قد حددت قبل الوصول إلى خارطة أوت البنية نفسها التي أصبحت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عنها اليوم باعتبارها أساس مشروع «الذكاء الاصطناعي السيادي» الجزائري.

ثم جاءت البنية المادية. ففي 5 جويلية 2026، وبمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، أشرف الرئيس تبون شخصيًا على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية. وبعد أسبوع فقط، حدد خلال اجتماع مجلس الوزراء مهلة أقصاها شهر لتحقيق الربط البيني بين القطاعات باستغلال المركز الوطني للبيانات. وهنا تبدو دلالة التوقيت قوية: استرجاع السيادة في بعدها التاريخي اقترن بتدشين منشأة تدخل في صميم السيادة الجديدة على البيانات، ثم أعقبها قرار رئاسي يمنع تحول المركز إلى مجرد مبنى تقني ويُلزم القطاعات باستغلاله فعليًا.

ويكتمل هذا المسار بقرار آخر يحمل بعدًا دوليًا، إذ كلف الرئيس تبون الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود بتمثيل الجزائر في شنغهاي، حيث وقعت في 16 جويلية اتفاق إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي باسم الجزائر بصفتها عضوًا مؤسسًا. وبذلك تتحرك الجزائر في الاتجاهين في الوقت نفسه: بناء قدرة سيادية داخلية، مع ضمان موقع لها داخل الأطر الدولية التي بدأت تتشكل حول حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا.

هذه السلسلة تجعل من الصعب قراءة خارطة أوت كقرار قطاعي لوزارة التعليم العالي. إنها في الواقع حلقة تنفيذية داخل مسار رئاسي أوسع بدأ بتكوين الإنسان، وانتقل إلى حوكمة البيانات والبنية التحتية والربط البيني، ثم وصل إلى مرحلة بناء النماذج الوطنية وتشغيلها داخل المؤسسات.

من شراء الذكاء إلى امتلاك أدوات إنتاجه

وفي 5 أوت 2026، أصبح هذا التصور أكثر عملية عندما ترأس وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري اجتماعًا تنسيقيًا ضم ممثلين عن عدة وزارات وهيئات وطنية لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. ثم كشفت TechAfrica News في 11 أوت أن خارطة التنفيذ المشتركة أعطت الأولوية لنماذج حكومية سيادية مفتوحة المصدر، ومراكز للحوسبة عالية الأداء، وتخزين آمن للبيانات العمومية داخل الجزائر، وبرامج تكوين مكثفة، إلى جانب مركز علمي ووحدات بحث متخصصة لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات صناعية. كما تقرر إنشاء لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ وفق رزنامة محددة.

وبعدها بيوم، لخصت ITWeb Africa جوهر التحول في عبارة أكثر دلالة: الجزائر تريد بناء اقتصاد قائم على المعرفة يضمن السيادة والتحكم في التكنولوجيات. كما اعتبرت أن خارطة الطريق تنقل السياسة الوطنية من مرحلة وضع التصور إلى تشغيل البنية والبرامج، بحيث تصبح الحوسبة المحلية والكفاءات والبيانات السيادية أعمدة للاستقلال التكنولوجي.

ثم جاء تقرير Muslim Network TV في 20 أوت ليعيد تقديم المسار نفسه لجمهور أمريكي، مركزًا على أربعة عناصر: النماذج السيادية مفتوحة المصدر، الحوسبة عالية الأداء، التخزين المحلي للبيانات، ورفع مستوى الحماية للتطبيقات الحكومية، مع هدف تكوين 30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

والمغزى الاقتصادي لهذه الخيارات أكبر من المسألة التقنية. فعندما تشتري مؤسسة عمومية خدمة مغلقة من الخارج، تخرج قيمة مالية مقابل الترخيص والاستضافة والتحديث والدعم، بينما تبقى معرفة تشغيل النظام لدى المورد. أما عندما تُبنى التطبيقات محليًا، فإن جزءًا أكبر من هذه القيمة يتوزع بين مهندسين ومراكز بيانات وشركات أمن سيبراني ومطوري برمجيات ومؤسسات ناشئة داخل الاقتصاد الجزائري.

والنماذج المفتوحة المصدر تمنح الجزائر تحديدًا مساحة أكبر لتطوير أدوات مصممة لواقعها الإداري واللغوي والاقتصادي، بدل تكييف الإدارة الجزائرية مع برامج بنيت أساسًا لأسواق أخرى. ويمكن لهذه النماذج أن تتعلم من النصوص الإدارية الوطنية والقوانين وقواعد المعرفة المحلية، وأن تتطور لخدمة العربية والأمازيغية والفرنسية والمصطلحات التقنية المستعملة داخل المؤسسات، مع بقاء التحكم في طريقة التدريب والتحديث لدى الجهات الجزائرية.

أما الحوسبة عالية الأداء فهي الحلقة التي تحدد ما إذا كانت هذه السيادة قابلة للتطبيق فعلًا. فالذكاء الاصطناعي الحديث يحتاج إلى قدرة حسابية ضخمة عند التدريب والتشغيل، ومن دونها يبقى المطور المحلي مرتبطًا بمزودي الحوسبة السحابية العالميين. ولذلك فإن وضع مراكز الحوسبة ضمن أولويات الدولة يعني أن الجزائر تريد امتلاك المصنع الذي يُنتج الذكاء الحسابي، لا مجرد التطبيقات التي تظهر في واجهته.

وينطبق الأمر نفسه على تخزين البيانات. فالبيانات الحكومية الخاصة بالصحة والتعليم والجباية والسجل التجاري والخدمات الاجتماعية وغيرها ليست مادة تقنية محايدة؛ إنها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة في الاقتصاد الرقمي. وإذا استطاعت الجزائر بناء قواعد واضحة لاستخدامها وربطها بصورة آمنة مع الاحتفاظ بها داخل بنية وطنية، فإنها لا تحمي السيادة فحسب، وإنما تخلق مادة أولية يمكن أن تُبنى عليها خدمات اقتصادية أكثر كفاءة.

ومن هنا يظهر العمق الاستشرافي في توجيهات الرئيس تبون نحو الربط البيني للقطاعات. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة من قاعدة بيانات معزولة في وزارة واحدة؛ قيمته ترتفع عندما يستطيع، ضمن الأطر القانونية والأمنية، الربط بين المعلومات وتحويلها إلى قرار: معرفة احتياجات السوق، التنبؤ بالضغط على مرفق، كشف اختلالات، تحسين توزيع الموارد أو تقليص الزمن الذي تستغرقه معاملة إدارية.

30 ألف كفاءة.. الجزائر تبني رأس مالها قبل أن تستورده الأسواق الأخرى

وفي قلب كل هذه البنية يبقى الإنسان. فالجزائر تستهدف الوصول إلى 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بعدما شهد نهاية جوان 2026 تخرج أول دفعة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، والتي أوردت التقارير الدولية أن عدد خريجيها بلغ 105.

وإذا كان المركز الوطني للبيانات يمثل البنية المادية للمشروع، فإن هذا الرقم يمثل رأسماله البشري. فالـ30 ألفًا المطلوب تكوينهم لن يكونوا جميعًا مطوري نماذج فقط؛ السوق ستحتاج إلى مهندسي تعلم آلي، ومختصي بيانات، وخبراء في الأمن السيبراني، ومهندسي بنية سحابية، ومطوري تطبيقات، ومختصين في معالجة اللغات، وباحثين في الخوارزميات، ومهندسين للحوسبة عالية الأداء، فضلًا عن خبراء قطاعيين يستطيعون إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والفلاحة والصحة والصناعة والمالية والنقل.

ومن ثم، فإن القرار الذي اتخذه الرئيس تبون قبل سنوات بإنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي يكتسب اليوم دلالة أبعد من إنشاء مؤسسة جامعية جديدة. فالمدرسة التي كانت حينها استثمارًا في «اقتصاد الغد» أصبحت اليوم إحدى اللبنات المبكرة في استراتيجية وطنية أصبحت حاجتها للكفاءات تُقاس بعشرات الآلاف.

غير أن الرهان الجزائري لا يتوقف عند إنتاج الخريج، بل يمتد إلى خلق السوق التي تُبقي خبرته داخل الاقتصاد الوطني. ولهذا تتكامل خطة الـ30 ألف متخصص مع تأسيس أول تجمع للشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بسيدي عبد الله خلال أفريل، وهو ما أشارت إليه ITWeb Africa وMuslim Network TV باعتباره حلقة تربط مؤسسات البحث بالشركات التكنولوجية الصاعدة.

وهذه الحلقة هي التي يمكن أن تحول كلفة التكوين إلى عائد اقتصادي. فإذا تخرج المهندس ثم وجد مؤسسة جزائرية تحتاج إلى مهارته، وحوسبة يستطيع استخدامها، وبيانات منظمة، وعقدًا عموميًا أو صناعيًا يمكن للشركة الناشئة المنافسة عليه، فإن الدولة لا تكون قد كوّنت موظفًا فقط، بل ساهمت في إنشاء سلسلة قيمة رقمية تحتفظ بالمعرفة والأجور والملكية الفكرية والضرائب داخل البلاد.

وبالمقابل، إذا بقيت التطبيقات العمومية حكرًا على الحلول المستوردة، فلن يكفي تكوين آلاف المهندسين لتأسيس صناعة وطنية. لذلك تبدو قوة خارطة الطريق الحالية في أنها لا تفصل التكوين عن الحوسبة ولا الشركات عن البيانات ولا البحث عن التطبيق الصناعي.

وهذا الربط تحديدًا هو ما يرفع المشروع من سياسة جامعية إلى سياسة اقتصادية.

فالجامعة تنتج المعرفة، ومركز البيانات يوفر البنية، والحوسبة تحول المعرفة إلى نموذج، والشركة الناشئة تحول النموذج إلى خدمة، والإدارة والمؤسسة الصناعية توفران السوق. وكل حلقة تُنجز داخل الجزائر تعني قيمة أكبر تبقى في الاقتصاد الوطني بدل انتقالها إلى الخارج.

بهذه القراءة، لا يتعلق مشروع الجزائر باستخدام روبوت محادثة في إدارة أو إضافة خدمة رقمية جديدة إلى بوابة حكومية. الرهان الذي تقوده الدولة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون أعمق: أن تدخل الجزائر عصر الذكاء الاصطناعي وهي مالكة لأكبر قدر ممكن من أدواته الأساسية، لا مجرد مستهلكة لما تنتجه الشركات والدول الأخرى.

ولهذا تلتقي المشاريع التي بدت في البداية منفصلة داخل معمار واحد. حوكمة البيانات التي دخلت الخدمة في فيفري توفر القواعد. نظام المساعدة على اتخاذ القرار الذي درس في ماي يعطي البيانات وظيفة. الاستراتيجية الوطنية التي درست في 25 ماي تحدد الاتجاه. المدرسة العليا تخرج الكفاءات. المركز الوطني للخدمات الرقمية الذي دشنه الرئيس في جويلية يوفر أحد مكونات البنية. قرار الربط البيني يمنع بقاء الإدارات جزرًا رقمية. العضوية المؤسسة في المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي تعطي الجزائر موطئ قدم في النقاش الدولي. ثم تأتي خارطة أوت لتجمع الوزارات حول التنفيذ.

وهذا التسلسل هو ما يمنح الرؤية الرئاسية بعدها الاستشرافي الحقيقي. ففي عالم تتحول فيه القدرة الحسابية والبيانات والخوارزميات إلى عناصر قوة اقتصادية لا تقل أهمية عن الطاقة والبنية التحتية التقليدية، اختارت الجزائر أن تضع مسألة التحكم التكنولوجي داخل مفهوم السيادة الوطنية نفسه.

ولا تعني السيادة هنا الانغلاق عن التكنولوجيا العالمية أو محاولة إنتاج كل مكون محليًا، وهو أمر لا تفعله حتى الاقتصادات الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على الاختيار: متى تستخدم الجزائر منصة أجنبية، ومتى تطور نموذجها، وأين تخزن بياناتها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما التكنولوجيا التي ينبغي توطينها، وما الجزء من الإنفاق الرقمي الذي يمكن تحويله إلى شركات ووظائف جزائرية.

وفي هذا المعنى، تصبح رؤية الرئيس تبون أكثر واقعية اقتصاديًا من مفهوم الاكتفاء التكنولوجي المطلق؛ فالهدف هو منع التبعية الحرجة في العناصر التي تمس القرار والسيادة والبيانات، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الشراكات والمعرفة والتكنولوجيا العالمية.

كما أن أثر المشروع قد يتجاوز الإدارة إلى القطاعات الإنتاجية. فالبنية نفسها التي تخدم الدولة يمكن أن تدعم لاحقًا تطبيقات في الطاقة لتوقع الأعطال وتحسين الإنتاج، وفي الفلاحة لتحليل المحاصيل والمياه، وفي الصناعة للصيانة التنبؤية ومراقبة الجودة، وفي الصحة للمساعدة في التشخيص وإدارة الموارد، وفي النقل لتحسين الحركة واللوجستيك. وهنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثمارًا في إنتاجية الاقتصاد، وليس بندًا تقنيًا منفصلًا.

ومع ذلك، ستبقى المرحلة التالية هي الاختبار الحقيقي للأرقام: حجم قدرات الحوسبة التي ستوضع فعليًا في الخدمة، عدد التطبيقات السيادية التي ستنتقل إلى الاستخدام، نسبة البيانات الحكومية التي ستصبح قابلة للتشغيل البيني، عدد الشركات الجزائرية التي ستستفيد من الطلب العمومي، ومدى التقدم السنوي نحو هدف 30 ألف متخصص.

لكن ما تحقق حتى الآن يكشف أن الجزائر وضعت اللبنات الأولى ضمن ترتيب مترابط، وليس ضمن سلسلة مبادرات معزولة. والأهم أن التقارير الأجنبية التي بدأت تتابع هذا المسار في أوت لم تعد تتحدث فقط عن «رقمنة جزائرية»، وإنما تستخدم مفهوم السيادة التكنولوجية لوصف الاتجاه الذي تتخذه البلاد.

وهنا ربما تكمن الدلالة الأقوى للتقرير الأمريكي المنشور في 20 أوت: ما كان يُطرح داخل الجزائر منذ سنوات باعتباره خيارًا لبناء دولة حديثة قائمة على المعرفة، أصبح يُقرأ من الخارج اليوم باعتباره محاولة لتأسيس ذكاء اصطناعي جزائري يتحكم في نموذجه وبياناته وحوسبته وكفاءاته.

وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، ينتقل مفهوم السيادة بذلك إلى مستوى جديد. فبعد سيادة القرار والموارد، تدخل سيادة البيانات والقدرة الحسابية والخوارزمية إلى قلب المشروع الوطني. وإذا نجحت الجزائر في تحويل هدف الـ30 ألف مهندس، ومراكز الحوسبة، والبيانات الوطنية، والنماذج المفتوحة المصدر إلى منظومة اقتصادية واحدة، فلن يكون إنجاز 2030 في عدد المتخصصين وحده، وإنما في أن تكون البلاد قد بنت جزءًا معتبرًا من الذكاء الذي تحتاجه بكفاءاتها، وعلى بنيتها، وفوق بياناتها، وتحت قرارها الوطني.

#الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

أحدث طائرات التزود بالوقود الروسية.. هل اقتربت “Il-78MK-90A”من سلاح الجو الجزائري؟

أحدث طائرات التزود بالوقود الروسية.. هل اقتربت “Il-78MK-90A”من سلاح الجو الجزائري؟

بوابة الجزائر الإخبارية : في خطوة من شأنها تعزيز قدرات القوات الجوية الجزائرية على التزود بالوقود أثناء التحليق، كشفت مصادر إعلامية روسية متخصصة في الشأن العسكري عن معلومات تفيد بأن الجزائر وقّعت عقدًا لاقتناء ثلاث طائرات للتزوّد بالوقود جوًا من طراز Il-78MK-90A،غير أن هذه المعطيات لم تحظَ حتى الآن بتأكيد رسمي من الجزائر أو روسيا، كما لم يُعلن رسميًا عن تفاصيل أي صفقة جزائرية بهذا الخصوص.

https://twitter.com/algatedz/status/2090229342076862550?s=46
https://twitter.com/algeriagateplus/status/2090210525661544619?s=46

ويأتي ذلك بالتزامن مع عرض روسيا، في 19 أغسطس 2026، نسخة تصديرية جديدة من طائرة التزوّد بالوقود Il-78MK-90A، في خطوة أعادت طرح التساؤلات بشأن الدول المحتملة لاقتناء هذا الطراز

تعزيز مدى الطائرات وقدراتها العملياتية

تُعد Il-78MK-90A النسخة المخصصة للتصدير من Il-78M-90A، المشتقة من طائرة النقل الثقيل Il-76MD-90A ووفق المعطيات التي قدمتها الصناعة الروسية، تستطيع الطائرة نقل ما يصل إلى 78 طنًا من الوقود، مع امتلاكها ثلاثة نقاط للتزوّد بالوقود أثناء الطيران، كما يمكن تحويلها إلى طائرة نقل.

وتمنح هذه القدرات الطائرة دورًا مهمًا في تمديد مدى المقاتلات والطائرات العسكرية، خصوصًا خلال المهام بعيدة المدى. وبالنسبة لأسطول يضم مقاتلات روسية ثقيلة، يمكن لمثل هذه المنظومة أن تعزز قدرة القوات الجوية على تنفيذ عمليات لمسافات أطول.

منظومة جوية روسية متكاملة

ويكتسب التطور أهمية أكبر في ضوء دخول Su-57E إلى دائرة التعاون العسكري الجزائري الروسي فقد أظهرت صور ظهرت في فبراير ومارس 2026 مقاتلات من الجيل الخامس تحلق في الجزائر، واعتبرها مراقبون أولى الطائرات المخصصة للجزائر، ما يجعلها أول مستخدم أجنبي مفترض لهذا الطراز.

وفي حال قررت الجزائر اقتناء Il-78MK-90A، فإن الخطوة ستعزز تكامل أسطولها الجوي وتمنح مقاتلاتها الثقيلة قدرة أكبر على تنفيذ المهام بعيدة المدى.

#الجزائر،طائرات Il-78MK-90A
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !



بوابة الجزائر الإخبارية: وجّه وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية الجزائري، عبد القادر جلاوي، تعليمات باستكمال جميع الترتيبات والإجراءات اللازمة للشروع في إنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين الأغواط وغرداية والمنيعة، في خطوة تندرج ضمن مساعي تعزيز شبكة النقل الحديدي وتوسيع الربط بين مناطق الهضاب العليا والجنوب الجزائري.
وجاءت تعليمات الوزير خلال اجتماع عمل عقد مساء الأربعاء 19 أوت 2026، بحضور الإطارات المركزية ومسؤولي القطاع، خُصص لتقييم مدى تقدم عدد من المشاريع الاستراتيجية، ومراجعة برامج الإنجاز والصيانة، إلى جانب الوقوف على وضعية المشاريع المسجلة عبر عدد من الولايات.

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !


استكمال إجراءات خط الأغواط–غرداية–المنيعة
وفي ملف السكك الحديدية، شدد الوزير على ضرورة استكمال الإجراءات الضرورية للانطلاق في إنجاز مقطع الأغواط–غرداية–المنيعة، مع تكثيف المتابعة الميدانية لمختلف المشاريع الجاري إنجازها، وضمان احترام الآجال المحددة والمعايير التقنية المعتمدة.
ويُرتقب أن يشكل هذا المشروع حلقة جديدة في مسار توسيع شبكة السكك الحديدية باتجاه جنوب البلاد، بما يسمح بتحسين حركة تنقل المسافرين وتسهيل نقل البضائع، فضلاً عن تعزيز الربط بين المناطق الداخلية والجنوبية والمحاور اللوجستية ومناطق الإنتاج والتوزيع.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب المتعلق بالنقل فقط، إذ يمكن للربط الحديدي أن يؤدي دوراً مهماً في دعم النشاط الاقتصادي والاستثماري بالمناطق التي يمر بها، من خلال تسهيل حركة السلع وتقليص تكاليف النقل وربط المناطق المنتجة بمختلف الأسواق.

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !

تسريع مشاريع الطرق الوطنية

وبالتوازي مع مشروع السكة الحديدية، أسدى وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية تعليمات بتسريع وتيرة إنجاز وتطوير وتوسيع وصيانة عدد من الطرق الوطنية والطرق السيارة، مع إعطاء الأولوية للمقاطع التي تعرف نقاطاً سوداء أو تشهد ضغطاً كبيراً في حركة المرور.
وشملت التعليمات بالخصوص الطرق الوطنية رقم 1 و3 و6، باعتبارها من المحاور الرئيسية التي تضمن الربط بين شمال البلاد وجنوبها، وتساهم في حركة نقل الأشخاص والبضائع والتموين بين مختلف الولايات.
وأكد الوزير في هذا السياق على ضرورة تكثيف المتابعة الميدانية للورشات، والعمل على رفع العراقيل التي قد تؤثر على سير الأشغال، بما يسمح بتحسين جاهزية شبكة الطرق وتعزيز سلامة مستعمليها.

متابعة مشاريع التنمية في الجلفة وتيسمسيلت

كما تطرق الاجتماع إلى المشاريع المدرجة في إطار البرنامج التكميلي للتنمية بولايتَي الجلفة وتيسمسيلت، حيث دعا الوزير إلى رفع وتيرة الإنجاز وتحسين التنسيق بين مختلف المصالح والهيئات المعنية.
وشدد جلاوي على ضرورة إخضاع هذه المشاريع لمتابعة دورية ودقيقة، بهدف ضمان تنفيذها وفق الرزنامة المحددة واستكمالها في الآجال المقررة، خاصة بالنسبة للمشاريع التي ترتبط مباشرة بتحسين البنية التحتية والخدمات المقدمة للمواطنين.
مشاريع لتخفيف الضغط المروري بالعاصمة
وفيما يتعلق بولاية الجزائر، وجّه الوزير تعليمات بتسريع إنجاز المشاريع الرامية إلى تخفيف الضغط المروري، سواء تعلق الأمر بالورشات الجاري تنفيذها أو بالعمليات المبرمجة للانطلاق خلال الفترة المقبلة.
وأكد على ضرورة التركيز على المشاريع ذات الأولوية والتي من شأنها تحسين انسيابية حركة المرور وتسهيل تنقل المواطنين، خصوصاً في المحاور التي تعرف كثافة مرورية مرتفعة.

رقمنة متابعة المشاريع والاستثمارات


ولم يغفل الاجتماع جانب الرقمنة، حيث تم التأكيد على أهمية تطوير آليات رقمية تسمح بمتابعة المشاريع والاستثمارات التابعة للقطاع بشكل أكثر فعالية، وتحسين التنسيق بين مختلف المصالح والمتدخلين.
وتأتي هذه التوجيهات في إطار توجه نحو تعزيز المتابعة الميدانية والرقمية للمشاريع، بما يسمح برصد مدى تقدم الأشغال بشكل مستمر، والتدخل بشكل أسرع لمعالجة التأخر أو الصعوبات التي قد تواجه بعض العمليات.
ويعكس إطلاق التحضيرات لمشروع خط الأغواط–غرداية–المنيعة، بالتوازي مع تسريع مشاريع الطرق الوطنية، توجه السلطات إلى تعزيز شبكة النقل والبنية التحتية باتجاه الجنوب، بما يدعم حركة المواطنين والبضائع ويفتح المجال أمام ديناميكية اقتصادية واستثمارية أكبر في المناطق الداخلية والجنوبية.

#الجزائر#النقل بالسكك الحديدية
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

“كنان الجزائر” تعزز حضورها في غرب إفريقيا بخط بحري

“كنان الجزائر” تعزز حضورها في غرب إفريقيا بخط بحري

بوابة الجزائر الإخبارية: أعلنت شركة “كنان الجزائر”، التابعة للمجمع العمومي للنقل البحري “غاتما” عن برمجة رحلة بحرية منتظمة كل 30 يوماً، تربط الجزائر بموانئ كل من نواكشوط ونواذيبو في موريتانيا، إضافة إلى العاصمة السنغالية داكار.

ويأتي إطلاق هذا الخط البحري في إطار مساعي الشركة لتعزيز المبادلات التجارية بين الجزائر ودول غرب إفريقيا، ودعم حركة التجارة الخارجية عبر تطوير الربط البحري مع الأسواق الإفريقية.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2090328556773466564?s=46

وأكدت “كنان الجزائر” أن هذا الخط المنتظم يندرج ضمن التزامها بتعزيز دور النقل البحري في خدمة التجارة الخارجية، إلى جانب المساهمة في توسيع شبكة الربط البحري بين الجزائر والأسواق الإفريقية.

وفي السياق ذاته، كشفت الشركة أن أسطولها يضم حالياً تسع سفن ترفع العلم الجزائري، من بينها سفينتان مخصصتان لنقل الحاويات، وسبع سفن مخصصة لنقل البضائع العامة.

ويرتقب أن يساهم هذا الخط البحري المنتظم في تسهيل عمليات نقل البضائع وتعزيز انسيابية المبادلات التجارية بين الجزائر وبلدان غرب إفريقيا.

#افريقيا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد الجزائر تدخل المفاوضات الاقتصادية الدولية من موقع السوق التي تبحث عن التمويل وحده، بل من موقع دولة تملك في 2026 موازنة تقارب 135 مليار دولار، ومشاريع عمومية قيد الإنجاز بنحو 50 مليار دولار، واحتياطات صرف تناهز 72 مليار دولار، بالتوازي مع توسع مشاريع السكك الحديدية والطاقة وتحلية المياه والمناجم والصناعة.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

هذه الكتلة المالية والاستثمارية أعادت صياغة جاذبية الاقتصاد الجزائري ورفعت في الوقت نفسه قيمة ما تستطيع البلاد طلبه مقابل فتح قطاعاتها أمام الشركاء: تمويل أقل كلفة، نقل للتكنولوجيا، نسب إدماج أكبر، توطين للصناعة، تكوين للكفاءات ووصول أفضل للمنتجات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية.

ويظهر التحول بوضوح عند العودة خمس سنوات فقط إلى الوراء. فالدراسة التي نشرتها مبادرة الإصلاح العربي في جانفي 2026 تضع الموازنة عند نحو 65 مليار دولار في 2021، مقابل 135 مليارًا اليوم، أي زيادة اسمية بنحو 70 مليار دولار أو قرابة 108 بالمائة. لكن الرقم الأهم اقتصاديًا لا يتعلق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بطبيعة الأصول التي تُبنى به. فالجزائر تموّل في الوقت نفسه شبكات سكك حديدية جديدة، ومشاريع مائية كبرى، وبنية طاقوية وصناعية ومنجمية، وهي استثمارات تتجه في جانب معتبر منها إلى رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد وليس فقط تغطية النفقات الجارية.
ومن هنا تتغير زاوية قراءة الموازنة الجزائرية. فالسؤال لم يعد كم تنفق الدولة، بل كم من هذا الإنفاق سيتحول إلى أطنان إضافية من الحديد والفوسفات، وكيلومترات من السكك، ومياه محلاة، وقدرات صناعية، وصادرات ووظائف. هذه هي الحلقة التي ستحدد القيمة النهائية للطفرة الاستثمارية الحالية، خصوصًا بعد أن سجل القطاع الصناعي العمومي نموًا يقارب 4 بالمائة خلال 2024، في مؤشر أولي على استعادة الصناعة موقعًا أكبر داخل النشاط الاقتصادي.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

من حماية العملة الصعبة إلى بناء قدرة إنتاجية

التحول الحالي لم يبدأ مع موازنة 2026، بل تشكل تدريجيًا منذ الصدمة النفطية في 2014، عندما وجدت الجزائر نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في نموذج كان يسمح بتغطية جزء كبير من الطلب الداخلي بواسطة الاستيراد. ومنذ 2015 اتجهت السياسة التجارية نحو تقليص عدد من الواردات الاستهلاكية والصناعية، ثم توسعت لاحقًا قاعدة إحلال المنتج الوطني محل السلعة الأجنبية كلما توفرت قدرة محلية على الإنتاج.

والنتيجة تظهر اليوم في جزء من المؤشرات الخارجية. فقد تراجعت فاتورة الاستيراد، وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة، إلى نحو 40 مليار دولار، بينما استعادت احتياطات الصرف مستوى يقارب 72 مليار دولار بحلول 2024. وبذلك ربحت الجزائر هامشًا ماليًا يسمح لها بتمويل مشاريع أكبر والحفاظ في الوقت نفسه على حاجز حماية أمام الصدمات الخارجية.

غير أن السياسة نفسها كشفت عن جوانب تحتاج إلى المعالجة، بينها نقص بعض المنتجات في مراحل معينة، ونمو قنوات استيراد غير رسمية، واتساع جزء من التجارة الموازية. والأهم من ذلك أن الاقتصاد غير الرسمي ما يزال يمثل، وفق تقديرات الدراسة، نحو ربع الناتج الداخلي الإجمالي بمعاملات تقترب من 60 مليار دولار.

وهذا الرقم لا يمثل مشكلة فقط، بل احتياطيًا اقتصاديًا ضخمًا إذا نجحت الدولة في إدخاله تدريجيًا إلى القنوات المصرفية والرسمية. فالجزء الذي ينتقل من السيولة خارج البنوك إلى الحسابات والتمويل المنظم يمكن أن يتحول إلى ودائع وقروض واستثمارات وإيرادات جبائية، بما يسمح بتمويل جزء أكبر من التحول الاقتصادي من الداخل بدل الاعتماد المتزايد على الخزينة وحدها.

وتزداد أهمية ذلك في ظل ارتفاع العجز المالي. فالدراسة تضع عجز موازنة 2025 عند نحو 61 مليار دولار، أي قرابة 21 بالمائة من ناتج داخلي إجمالي قدر بنحو 278 مليار دولار، مع توقع ارتفاع حجم الاقتصاد إلى قرابة 308 مليارات دولار في 2027. وإذا تحقق هذا المسار، سيكون الاقتصاد قد أضاف نحو 30 مليار دولار إلى حجمه الاسمي في عامين، لكن الحفاظ على هذا التوسع يتطلب أن تتحول المشاريع الكبيرة سريعًا إلى أصول منتجة وعائدات إضافية.

ولهذا يصبح إشراك القطاع الخاص والشراكة بين القطاعين العام والخاص أحد المسارات التي يمكن أن تخفف الضغط على التمويل العمومي. فليس من الضروري أن تمول الدولة كل طريق أو مصنع أو منشأة لوجستية من الخزينة مباشرة إذا أمكن توزيع التمويل والمخاطر والعائد على مستثمرين قادرين على تنفيذ المشروع وتشغيله ضمن قواعد تحفظ المصلحة الوطنية.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر تكبر.. والشركاء يعيدون حساباتهم

كلما توسعت المشاريع الجزائرية، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بمن سينفذها وبأي شروط. وهنا بدأ التغيير الأوضح في العلاقات الاقتصادية الخارجية.

فالجزائر لم تعد تبني علاقتها الدولية حول شريك وحيد. تركيا وسعت استثماراتها ومصالحها إلى نحو 6 مليارات دولار في النسيج والمناجم والزراعة والكيمياء والصيدلة، فيما تمثل المنتجات التركية نحو 7 بالمائة من الواردات الجزائرية.

وقطر دخلت بدورها إلى مشروع الحليب المتكامل بقيمة 3.5 مليارات دولار، وهو استثمار يستهدف إقامة سلسلة زراعية وصناعية في الجنوب بدل استمرار الاعتماد الكبير على استيراد مسحوق الحليب.
هذه المشاريع توضح التحول الذي تريد الجزائر تعميمه في علاقاتها الخارجية: رأس المال الأجنبي يكون أكثر قيمة عندما يبني إنتاجًا داخل البلاد، ويخفض الواردات، ويشغل اليد العاملة وينقل المعرفة، بدل أن تتحول السوق الجزائرية إلى منفذ للمنتج النهائي فقط.
وهذا المنطق نفسه أصبح حاضرًا بقوة في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
فبعد أكثر من عقدين على توقيع اتفاق الشراكة، دخل الملف مرحلة مراجعة، بعدما بدأت المناقشات غير الرسمية في 2022 ثم وافقت بروكسل في مطلع 2025 على فتح مسار المراجعة. الموقف الجزائري يقوم على إعادة التوازن إلى علاقة ظل فيها الاتحاد الأوروبي يستفيد من سوق جزائرية كبيرة بينما بقيت مكاسب الجزائر في الاستثمار الصناعي ونقل التكنولوجيا والصادرات خارج المحروقات دون المستوى المأمول.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!


وكان وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف قد اعتبر أن صيغة الاتفاق السابقة عرقلت تطور الاقتصاد الجزائري ورجحت المصالح الأوروبية، وهو ما يجعل إعادة التفاوض جزءًا من تحول أوسع في السياسة الاقتصادية الخارجية: السوق الجزائرية لها ثمن اقتصادي، والوصول إليها ينبغي أن يقابله استثمار وإنتاج وتكنولوجيا وقيمة مضافة داخل الجزائر.

وقد عززت أزمة الطاقة الأوروبية بعد 2022 هذا الموقع التفاوضي. فمع بحث أوروبا عن بدائل للإمدادات الروسية، ارتفعت أهمية الجزائر باعتبارها مصدرًا قريبًا للغاز يمتلك أنابيب قائمة وبنية تصدير مرتبطة مباشرة بالضفة الشمالية للمتوسط. وسمح ذلك بإعادة تقديم الجزائر داخل الحسابات الأوروبية كدولة تتجاوز صفتها كمورد تقليدي للطاقة إلى شريك يمكن أن يجمع الغاز والاستثمار في الإنتاج والتحول الطاقوي وتقليص انبعاثات الميثان.

وفي الجهة الأخرى من الأطلسي، يتزايد الاهتمام الأمريكي بدوره. فعلاقة الجزائر بالولايات المتحدة تتوسع في الطاقة والزراعة والدفاع، مع عودة أسماء بحجم إكسون موبيل وشيفرون إلى دراسة فرص الاستثمار في المحروقات الجزائرية. كما سبق للسفير الجزائري في واشنطن صبري بوقدوم أن تحدث عن رغبة الجزائر في توسيع العلاقات التجارية والدفاعية والتعامل مع القطاع الخاص الأمريكي، في إطار سياسة تنويع الشركاء من دون التخلي عن استقلالية القرار.

هذه النقطة تحديدًا تمنح الجزائر هامشًا تفاوضيًا نادرًا. فهي تستطيع التفاوض مع الولايات المتحدة في الطاقة والتكنولوجيا، ومع أوروبا في الغاز والصناعة، ومع الصين في البنية التحتية والتصنيع، ومع تركيا وقطر وشركاء آخرين في مشاريع إنتاجية، من دون أن تضطر إلى بناء تحولها الاقتصادي حول محور واحد.

الصين تتقدم.. لكن الجزائر لا تمنح السوق بلا مقابل

ويصبح هذا التوازن أكثر أهمية عند النظر إلى تقرير «إفريقيا في العالم 2043» الصادر عن معهد الدراسات الأمنية الإفريقي، الذي وضع الجزائر ضمن 11 اقتصادًا إفريقيًا رئيسيًا يرتفع فيها النفوذ الصيني بصورة متواصلة. وتضم المجموعة إلى جانب الجزائر نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا والمغرب وإثيوبيا وكينيا وغانا وكوت ديفوار وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

لكن «النفوذ» في منهجية التقرير لا يعني الاستثمار المباشر وحده. فهو يجمع التجارة والعقود والتمويل والبنية التحتية والعلاقات الدبلوماسية والقدرة على التأثير، ولذلك يمكن أن ترتفع حصة الصين في الاقتصاد الجزائري من خلال تنفيذ مشاريع ضخمة ممولة جزائريًا حتى عندما تبقى قيمة استثماراتها المباشرة أقل من الطموحات المعلنة.
وهذا التمييز مهم جدًا بالنسبة إلى الجزائر.

فأن تمول الصين مشروعًا من رأسمالها وتتحمل مخاطره وتوطن إنتاجًا داخل البلاد يختلف عن حصول شركة صينية على عقد لإنجاز مشروع تدفع الجزائر تكلفته. كلاهما يخلق نشاطًا، لكن الأثر طويل الأجل على الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا والمخاطر المالية ليس واحدًا.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة أقل بعدد العقود وأكثر بنوعية شروطها. فالجزائر التي تملك برنامجًا استثماريًا بهذا الحجم تستطيع استخدام المنافسة بين الشركات والدول لرفع نسب الإدماج المحلي، وإلزام المشاريع بالتكوين، وتوطين بعض الصناعات، وزيادة حصة المؤسسات الجزائرية في المناولة.
ويشير تقرير المعهد إلى أن إعادة توزيع النفوذ لا تقتصر على الصين. فقد تراجع النفوذ البريطاني بدرجة لافتة في الاقتصادات الإفريقية التي درسها، بينما ارتفع الحضور الإماراتي بفعل التجارة والانخراط الدبلوماسي ونقل الأسلحة. أما روسيا، فعلى الرغم من توسع حضورها الأمني في عدد من دول القارة، ما تزال قدرتها الاقتصادية أكثر محدودية من الصين والغرب.

ويذهب التقرير أبعد من ذلك عندما يتوقع أن تتجاوز القدرات الصينية نظيرتها الأمريكية في 26 سيناريو من أصل 29 قبل 2060، مع تمركز عدد كبير من سيناريوهات انتقال القوة في بداية الأربعينيات. وبينما تمثل الصين والولايات المتحدة مجتمعتين نحو 43 بالمائة من الاقتصاد العالمي، تصبح الاقتصادات الإفريقية الكبرى ساحات طبيعية للتنافس على الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق.
بالنسبة إلى الجزائر، هذه المنافسة ليست تهديدًا بالضرورة. يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي إذا أدارتها الدولة بصرامة، لأن تعدد العروض يمنحها القدرة على المفاضلة بين التمويل والتكنولوجيا والكلفة ونسبة الإدماج وشروط التصدير.
والجزائر تملك هنا أوراقًا يصعب تجاهلها: مساحة قارية، احتياطيات طاقوية، موارد حديد وفوسفات ومعادن، سوق داخلية كبيرة، بنية تحتية تتوسع، موقع ملاصق لأوروبا وعمق مباشر نحو الساحل وإفريقيا.
كل ذلك يجعل الشريك الأجنبي بحاجة إلى الجزائر بقدر أكبر مما كان عليه قبل سنوات، ويمنح السلطات إمكانية رفع سقف شروطها.

مليار دولار للشركات الناشئة.. والرهان على ما بعد المشاريع العملاقة

لكن بناء اقتصاد أكبر لا يمكن أن يعتمد على الشركات العمومية والمشاريع السيادية وحدها.
فالمعطيات التي أوردتها مبادرة الإصلاح العربي تشير إلى انتقال عدد المؤسسات الناشئة من نحو 200 مؤسسة في 2019 إلى قرابة 700 في 2024، أي نمو بنحو 250 بالمائة، مع تمويلات تقترب من مليار دولار عبر مراحل مختلفة.
والرقم مهم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التمويل. فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى شركات تحمل صفة «ناشئة»، وإنما إلى مؤسسات تستطيع بيع منتجاتها، والفوز بعقود، والتصدير، والنمو إلى شركات متوسطة ثم كبيرة.
ولهذا تظل البيروقراطية وسرعة دراسة الملفات وإتاحة التمويل والطلب العمومي من أكثر الملفات حساسية. وقد سبق لرئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى أن أشار إلى استمرار تأثير الإجراءات البيروقراطية على الاستثمار رغم الإصلاحات.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

كما يبقى ملف الكفاءات عنصرًا آخر في معادلة التحول. وتنقل الدراسة تقديرًا يصل إلى نحو 500 ألف طبيب ومهندس وباحث وعالم غادروا الجزائر، وتطرح تقديرًا بحثيًا لكلفة تراكمية لهجرة الأدمغة بنحو 465 مليار دولار. وهذا الرقم الأخير لا يمثل خسارة نقدية مثبتة في الحسابات الوطنية، لكنه يعطي فكرة عن حجم القيمة التي يمكن أن تخسرها أي دولة عندما تمول التعليم والتكوين ثم تنتقل الكفاءات إلى اقتصادات أخرى.
ولهذا فإن أكبر استثمار يمكن أن تحققه الجزائر لا يقتصر على السكك أو المصانع أو الموانئ، بل يشمل خلق اقتصاد يجعل المهندس والطبيب والباحث والمقاول يجد داخل البلاد سوقًا وفرصة ودخلًا ومسارًا مهنيًا قادرًا على المنافسة.

واشنطن تفتح ملف الشفافية.. والجزائر أمام تحدي جودة الإنفاق

وسط هذه الصورة الإيجابية، يبقى أحد الملفات التي يمكن أن ترفع قوة الموقع الجزائري أكثر مرتبطًا بالشفافية المالية وجودة البيانات.
ففي تقرير الشفافية المالية لسنة 2026 الصادر في 11 أوت، راجعت وزارة الخارجية الأمريكية أداء 140 حكومة وجهة خلال 2025، واعتبرت أن 73 منها استوفت الحد الأدنى لمتطلباتها، مقابل 67 لم تستوفه. وصُنفت الجزائر ضمن المجموعة الثانية، ومن دون تسجيل «تقدم ملحوظ» وفق المنهجية الأمريكية خلال فترة التقييم.
لكن من الخطأ تحويل هذه النتيجة إلى «تصنيف فساد».
فالتقرير يقيس نشر الميزانيات والديون والرقابة على الأموال العمومية واستقلال أجهزة التدقيق والمشتريات وعقود استخراج الموارد، ولا يقول إن عدم استيفاء المعايير يثبت وجود فساد. كما أن الصفحة التفصيلية الخاصة بالجزائر كانت تواجه عطلًا تقنيًا عند مراجعتها، ما يمنع تحديد النقائص الجزائرية بندًا بندًا استنادًا إلى التقرير العام وحده.
ومع ذلك، فإن تحسين الإفصاح يمثل مصلحة جزائرية قبل أن يكون مطلبًا أمريكيًا.
فكلما ارتفع حجم الموازنة والاستثمار العمومي، ازدادت أهمية نشر بيانات تسمح بقياس كلفة المشروع ونسبة الإنجاز والعائد والوظائف والقيمة المضافة. وإذا كانت الجزائر تنفق عشرات المليارات على التحول الاقتصادي، فإن قوة إنجازاتها تصبح أكبر عندما تستطيع الدولة إثبات أثر كل دينار منها بأرقام واضحة.
وهذا لا يخدم الخارج فقط، بل يحسن القرار الداخلي نفسه ويزيد ثقة المستثمر الجزائري والأجنبي ويصعب إهدار الموارد أو تأخر المشاريع.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر في موقع الاختيار

عند جمع هذه المؤشرات، تظهر صورة مختلفة تمامًا عن الاقتصاد الجزائري الذي كان قبل عقد منشغلًا أساسًا بالدفاع عن احتياطاته بعد انهيار أسعار النفط.
اليوم هناك 135 مليار دولار موازنة.
هناك نحو 50 مليار دولار من المشاريع العمومية الكبرى.
هناك 72 مليار دولار من احتياطات الصرف وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة.
وهناك اقتصاد قد يرتفع حجمه من 278 مليار دولار إلى نحو 308 مليارات دولار بحلول 2027.
وفي الخارج، تتنافس الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر وغيرهم على قطاعات مختلفة داخل السوق نفسها.
هذا المزيج يمنح الجزائر فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقتها برأس المال الأجنبي.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!


فالهدف لم يعد الحصول على الاستثمار في حد ذاته، وإنما الحصول على الاستثمار الذي يخدم الخطة الجزائرية: مشروع ينتج بدل أن يستورد، يصدر بدل أن يستهلك العملة الصعبة، يوطن التكنولوجيا بدل الاكتفاء بشرائها، ويكوّن اليد العاملة الجزائرية بدل إبقاء المعرفة خارج الحدود.
وهذه هي النقلة الحقيقية التي ستحدد قيمة المرحلة الحالية.
فإذا تحولت السكك الجديدة إلى ممرات للمعادن والصادرات، ومشاريع المناجم إلى صناعات تحويلية، واستثمارات الطاقة إلى عقود تصدير وقيمة محلية، والمشاريع الزراعية إلى إحلال للواردات، والمؤسسات الناشئة إلى شركات قابلة للنمو، فإن الإنفاق الكبير الذي تسجله الجزائر اليوم سيكون قد أعاد تشكيل القاعدة الاقتصادية لسنوات مقبلة.
أما إذا بقي جزء كبير منه مجرد تكلفة مالية، فسيصبح اتساع الموازنة عبئًا بدل أن يكون رافعة.
ولهذا تبدو المنافسة الدولية على الجزائر فرصة أكثر مما هي مجرد سباق نفوذ. فوجود عدة قوى تبحث عن موقع داخل اقتصاد واحد يمنح الجزائر القدرة على المقارنة والاختيار والتفاوض، شرط أن تستخدم السوق والموارد والموقع الجغرافي للحصول على أكبر قدر ممكن من القيمة داخل البلاد.
وهنا تكمن ميزة اللحظة الحالية: الجزائر لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الصين وأمريكا وأوروبا، بل تستطيع أن تجعل كل طرف يقدم ما يخدم أولوياتها، فيما يبقى القرار الاقتصادي جزائريًا والمصلحة الوطنية هي معيار الشراكة.
وبذلك لا تدخل الجزائر التحول العالمي كمتفرج على انتقال القوة بين الشرق والغرب، وإنما كاقتصاد إفريقي كبير تتقاطع عنده الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق، وتملك الدولة داخله قدرة مالية واستثمارية متزايدة. والرهان الآن هو تحويل هذه الأوراق من قوة تفاوضية إلى مصانع وصادرات وتكنولوجيا ووظائف، بحيث يصبح اتساع الاهتمام الدولي بالجزائر قيمة تُصنع داخل الاقتصاد الوطني، لا نفوذًا يُمارس عليه من الخارج.

#الاقتصاد#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

بوابة الجزائر الإخبارية: بينما تستعد المغرب لتقديم نفسها للعالم بصورة الدولة الحديثة القادرة على تنظيم أكبر تظاهرة كروية عالمية، تكشف تقارير إعلامية عن وجه آخر للاستعدادات لمونديال 2030، وجه ترتبط فيه مشاريع التحديث العمراني بمعاناة أسر مغربية تجد نفسها أمام خطر فقدان مساكنها ومحيطها الاجتماعي.

https://twitter.com/algatedz/status/2090042830227922998?s=46

ففي تحقيق نشرته صحيفة «دي ستاندارد» البلجيكية يوم 13 أوت 2026، جرى الحديث عن هدم مئات المباني خلال السنة الأخيرة، خصوصا في الرباط، في سياق مشاريع لإعادة تشكيل المجال العمراني واستغلال الأراضي لمشاريع جديدة مرتبطة، بحسب التحقيق، بالتحضيرات والاستثمارات التي ترافق تنظيم كأس العالم.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجا للسلطات المغربية: أي صورة يريد المغرب أن يعرضها على العالم في 2030، إذا كانت بعض الأسر تدفع ثمن هذه الصورة من مساكنها واستقرارها؟

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

فالسلطات التي تنفق وتخطط لإنجاز منشآت ضخمة ومشاريع سياحية وعمرانية يفترض أن تضع المواطن في قلب هذه العملية، لا أن تجعل تحسين الواجهة العمرانية أولوية تتقدم على حماية الأسر المتضررة وضمان حقوقها.

المشكلة الأكبر في هذه القضية هي في الطريقة التي تتم بها هذه التحولات عندما يصبح المواطن الحلقة الأضعف، ويجد نفسه في مواجهة الجرافات والقرارات الإدارية بحثا عن بديل لمسكن عاش فيه سنوات طويلة.

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

وفي بلد يراهن على المونديال لتقديم صورة مزدهرة وحديثة، تبدو المفارقة قاسية: ملاعب تُبنى لاستقبال العالم، بينما أسر تخشى أن تفقد بيوتها؛ وفنادق ومشاريع استثمارية تتوسع، بينما مواطنون يتساءلون عن مصيرهم ومكانهم في هذه التنمية.

وهذا يفتح الباب أمام انتقادات أوسع لطريقة إدارة الأولويات داخل المغرب. فالتنمية لا يمكن اختزالها في الإسمنت والمشاريع الكبرى والصور الرسمية، ولا يمكن اعتبار الدولة ناجحة لمجرد أنها قادرة على بناء منشآت ضخمة، بينما تبقى ملفات اجتماعية واقتصادية ضاغطة تنتظر حلولا حقيقية.

وإذا كانت السلطات المغربية تريد تحويل مونديال 2030 إلى واجهة لإنجازاتها، فإن عليها أولا أن تجيب عن الأسئلة التي تطرحها التقارير الحقوقية والإعلامية بشأن الأسر المتضررة: أين ستعيش؟ وما حجم التعويضات التي حصلت عليها؟ وهل كانت عمليات الإجلاء تتم وفق ضمانات قانونية واجتماعية كافية؟

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المونديال من فرصة لتحسين حياة المغاربة إلى مشروع لتحسين صورة المغرب فقط. فالدولة التي تريد إقناع العالم بأنها حديثة ومتطورة مطالبة بأن تثبت ذلك أولا في تعاملها مع مواطنيها، خصوصا الفئات الأكثر هشاشة.

وفي النهاية، لا يحتاج المغرب إلى واجهات جميلة فقط حتى يبدو ناجحا أمام العالم؛ بل يحتاج إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون. فإذا كانت صورة المغرب في 2030 ستُبنى على ملاعب فخمة وشوارع حديثة، والسؤال الذي يطرح : أين مكان المواطن في هذه الصورة؟ وهل تُبنى التنمية من أجله، أم يُطلب منه فقط أن يدفع ثمنها

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!
#المغرب#مونديال 2030
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

من المقايضة إلى التجارة الرقمية.. خبير اقتصادي يكشف آفاق المبادلات الجزائرية مع إفريقيا

من المقايضة إلى التجارة الرقمية.. خبير اقتصادي يكشف آفاق المبادلات الجزائرية مع إفريقيا

بوابة الجزائر الإخبارية: كشف الخبير الاقتصادي بوشيخي بوحوص في تصريح لـ ” بوابة الجزائر ” أن التجارة البينية حاليا بين الجزائر ودول الساحل والصحراء والسنغال وأدغال إفريقيا تتم وفق نظام المقايضة وتحت شروط محددة.

من المقايضة إلى التجارة الرقمية.. خبير اقتصادي يكشف آفاق المبادلات الجزائرية مع إفريقيا


وأوضح أن السلطات الجزائرية تسمح لعدد محدود من التجار بنقل التمور والملابس والأواني المنزلية والمنتجات محلية الصنع إلى تلك الدول، ثم يجلب هؤلاء التجار بالمقايضة الثروة الحيوانية والشاي وبعض الفواكه الاستوائية، شريطة تسويقها فقط في جنوب البلاد، أي الاستهلاك المحلي فقط في حوالي 13 ولاية جنوبية ، مشيرا أن هذه الولايات هي تمنراست، أدرار، إليزي، عين صالح، جانت، عين قزام، برج باجي مختار، تيميمون، ورقلة، أولاد جلال وتقرت.

من المقايضة إلى التجارة الرقمية.. خبير اقتصادي يكشف آفاق المبادلات الجزائرية مع إفريقيا


وأضاف أنه بمجرد دخول البنوك الجزائرية حيز العمل في دول الساحل والصحراء والسنغال وأدغال إفريقيا، واعتماد مقاربة الدينار الجزائري الرقمي والتحويل، سوف يتم تطوير العمل التجاري، مؤكدا أن التجارة ستصبح تتبع ما هو متعامل به دوليا من وسائل الدفع العالمية في التجارة، باستعمال بطاقات الائتمان والديجتال والرقمنة، وخاصة ربط هذه الدول بشبكات الإنترنت والتكنولوجيا، مما سوف يسهل عمليات التصدير والاستيراد والتجارة.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجيش الجزائري يحبط محاولات إغراق الجزائر بأزيد من 4 قناطير كيف مغربي

الجيش الجزائري يحبط محاولات إغراق الجزائر بأزيد من 4 قناطير كيف مغربي

بوابة الجزائر الإخبارية : في إطار محاربة الجريمة المنظمة، كشفت الحصيلة العملياتية الأسبوعية للجيش الجزائري خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أوت 2026، في كامل التراب الوطني عن توقيف (49) تاجر مخدرات وإحباط محاولات إدخال (4) قناطير و(4) كيلوغرامات من الكيف المعالج، عبر الحدود مع المغرب، فيما تم ضبط (43,5) كيلوغرام من الكوكايين و(1.946.091) قرص مهلوس.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2090029267811778823?s=46

كما جرى توقيف (319) شخص بكل من تمنراست وبرج باجي مختار وإليزي وإن قزام، وحجز (29) مركبة و(112) مولد كهربائي و(97) مطرقة ضغط، بالإضافة إلى كميات من خليط خام الذهب والحجارة وتجهيزات تستعمل في عمليات التنقيب غير المشروع عن الذهب؛

تم أيضا توقيف (11) شخص آخر وضبط (5) بنادق صيد و(4) أطنان من المواد الغذائية الموجهة للتهريب، وهذا خلال عمليات متفرقة.

هذا وقد أحبط حرّاس السواحل “محاولات هجرة غير شرعية بسواحلنا الوطنية وأنقذوا (223) شخصا كانوا على متن قوارب تقليدية الصنع، فيما تم توقيف (211) مهاجر غير شرعي من جنسيات مختلفة عبر التراب الوطني”.

مكافحة الإرهاب

سلم الارهابي “ر.ب” المدعو “أبو عمر” نفسه للسلطات العسكرية الجزائرية ببرج باجي مختار بالناحية العسكرية السادسة، وبحوزته مسدس (1) رشاش من نوع كلاشنيكوف وكمية من الذخيرة وأغراض أخرى


كما تم توقيف مفارز للجيش الوطني الشعبي (5) عناصر دعم للجماعات الإرهابية، خلال عمليات متفرقة عبر التراب الوطني.

#الجيش الجزائري،الكيف المعالج،المغرب
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

جمعية منتجي المشروبات الجزائرية: لم نصدر أي شحنة مياه معدنية إلى ⁧‫تونس‬⁩!

جمعية منتجي المشروبات الجزائرية: لم نصدر أي شحنة مياه معدنية إلى ⁧‫تونس‬⁩!

بوابة الجزائر الإخبارية: على إثر تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي لمشاهد تزعم بأن الجزائر صدرت شحنة مياه معدنية إلى تونس، نفت جمعية منتجي المشروبات الجزائرية بشكل قاطع وجود أي شحنات أو صادرات من المياه المعدنية موجهة إلى تونس عبر معبر أم الطبول أو غيره، مؤكدة أن ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الشأن غير صحيح.

جمعية منتجي المشروبات الجزائرية: لم نصدر أي شحنة مياه معدنية إلى ⁧‫تونس‬⁩!

المدير العام للجمعية، عيسى زلماتي، في تصريح لموقع «TSA»، الجزائري الناطق بالفرنسية، قال أن المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تصدير المياه المعدنية الجزائرية إلى تونس غير صحيحة.

جمعية منتجي المشروبات الجزائرية: لم نصدر أي شحنة مياه معدنية إلى ⁧‫تونس‬⁩!

وأضاف زلماتي أن الجزائر لم تصدر أي شحنة من المياه المعدنية نحو تونس خلال صيف 2026.

ويأتي ذلك في ظل الأزمة التي تشهدها تونس والمتمثلة في الانقطاعات المتكررة في شبكات توزيع مياه الشرب.

#الجزائر#تونس
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

العد التنازلي للردع الإسباني للمغرب !. نحو وقف شريان الطاقة عن الرباط

العد التنازلي للردع الإسباني للمغرب !. نحو وقف شريان الطاقة عن الرباط

بوابة الجزائر الإخبارية : في خطوة ردعية من شأنها إخصاع نظام المخزن المغربي وإجهاض مخططاته التوسعية والعدائية تجاه مدريد ودول المنطقة، كشف تلفزيون Rtve الإسباني أن حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بصدد إعداد «خطة طوارئ» ضد المغرب تتضمن حزمة من العقوبات الاقتصادية حيث يجري حاليا دراسة فرض إجراءات لردع الرباط في حال ثبوت تورطه في موجات هجرة جديدة

https://twitter.com/algatedz/status/2089730303220707711?s=46

التحرك الإسباني جاء عقب عدة تقارير إعلامية وأمنية كشفت تورط مخابرات الحموشي في تسهيل عبور نحو 70ألف مهاجر مغربي غير شرعي نحو مدينة سبتة الإسبانية،واستعمال النظام المغربي ورقة الهجرة كورقة ضغط سياسي وبحسب المعطيات المتداولة في وسائل الإعلام الإسبانية، فإن الحكومة تدرس خطة طوارئ شاملة ضد المغرب حيث تم تكليف قطاع الطاقة بإعداد دراسة مفصلة تتضمن إجراءات لردع المغرب في حال اندلاع أزمات هجرة جديدة.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2089731304073941048?s=46

الجزائر سارعت عام 2021 لوقف امدادات الطاقة عن المغرب، مادفع ، بالرباط إلى الاعتماد على البنية التحتية الإسبانية لاستقبال الغاز الذي يستورده عبر السوق الإسبانية، بعد التحولات التي طرأت على منظومة الإمدادات في المنطقة عقب قرار الجزائر،، عدم تجديد اتفاقية خط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي.

https://twitter.com/algatedz/status/2089740559669694691?s=46

وكان خط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي ينقل الغاز الجزائري عبر الأراضي المغربية نحو إسبانيا، قبل أن يؤدي قطع العلاقات الجزائرية–المغربية إلى تغيير مسار تدفقات الغاز، لتتجه الإمدادات الجزائرية إلى إسبانيا عبر خط أنابيب ميدغاز المباشر، فيما أصبح المغرب يعتمد على استيراد الغاز ونقله إلى أراضيه عبر إسبانيا

وتكتسب ورقة الطاقة أهمية بالغة ومصدر قلق لدى الجانب المغربي، بالنظر إلى الترابط القائم بين شبكتي الكهرباء الإسبانية والمغربية إذ يربط البلدين كابلان بحريان بين منطقة طريفة والساحل الشمالي للمغرب، بما يسمح بتبادل الكهرباء ويسهم في دعم استقرار الشبكة الكهربائية المغربية، مايسهم في تسجيل تدفقات مهمة للكهرباء من إسبانيا باتجاه المغرب.

#المغرب، إسبانيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

بوابة الجزائر الاخبارية: تتصدر دويلة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا إمارة دبي، منذ أكثر من عقد، تقارير منظمات دولية وبحثية معنية بمكافحة الفساد وغسل الأموال، باعتبارها إحدى الوجهات التي تستقطب أموالًا مشبوهة مرتبطة بالفساد والجريمة المنظمة، خصوصًا عبر قطاعات العقارات والذهب والشركات الوهمية.

https://twitter.com/AlgeriaGatePlus/status/2089715859153424403

معهد كارنيغي: دبي ملتقى للشبكات المالية الرمادية

في تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، نقلته منظمة “أوكرب” (OCCRP) المتخصصة في التحقيقات الاستقصائية حول الجريمة المنظمة والفساد، وُصفت دبي بأنها مركز مهم للشبكات المالية الرمادية والتدفقات المالية الدولية، في ظل ما اعتبره التقرير ثغرات في منظومة الرقابة.

وأشار التقرير إلى أن تدفقات الأموال المرتبطة بالفساد والجريمة ساهمت في تغذية سوق العقارات في الإمارة، كما عززت مكانتها كمركز عالمي لتجارة الذهب والخدمات المالية.

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

ووفق التقرير، فإن الفارق بين دبي ومراكز مالية عالمية أخرى، مثل لندن ونيويورك، لا يتمثل في غياب الفساد عن هذه المدن، وإنما في مستوى الرقابة والملاحقة التي يواجهها أصحاب الأموال المشبوهة هناك من جانب وسائل الإعلام والمجتمع المدني وأجهزة إنفاذ القانون.

كما أشار إلى وجود نحو 30 منطقة تجارة حرة في الإمارات، تتمتع الشركات العاملة فيها بمزايا ضريبية وتنظيمية، مع السماح بالتملك الكامل للأجانب، فيما تخضع بعض هذه المناطق لأطر تنظيمية خاصة بها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستوى التنسيق والرقابة على حركة الأموال والسلع.

وتناول التقرير كذلك سوق الذهب في دبي، الذي يستقطب كميات كبيرة من المعدن النفيس القادم من مناطق إفريقية، بينها دول تشهد نزاعات مسلحة. وأشار إلى أن صعوبة التحقق من مصدر بعض الشحنات تثير مخاوف بشأن إمكانية إدخال الذهب مجهول المصدر إلى النظام التجاري والمالي العالمي.

“صانعو الثغرات”.. الإمارات محطة للثروات غير المشروعة

وفي اتجاه مماثل، خلص تقرير لمنظمة الشفافية الدولية بعنوان “صانعو الثغرات: كيف يسهّل الميسّرون تدفق الأموال غير المشروعة من إفريقيا”، إلى أن الإمارات تمثل إحدى المحطات التي تستخدمها شبكات مرتبطة بالفساد والجريمة المنظمة لإخراج أموال غير مشروعة من القارة.

ويركز التقرير على ما تسميهم المنظمة “الميسّرين”، وهم مهنيون ووسطاء من خارج القطاع المالي، بينهم محاسبون ومستشارون ووكلاء عقارات ومقدمو خدمات قانونية وشركاتية، يمكن أن يلعبوا دورًا في إنشاء هياكل معقدة لإخفاء ملكية الأموال أو نقلها واستثمارها في الخارج.

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

ومن بين الحالات التي تناولها التقرير قضية إيزابيل دوس سانتوس، ابنة الرئيس الأنغولي الأسبق، والتي كشفت تحقيقات “باندورا بيبرز” التي قادها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين عن تحويلات مالية مرتبطة بشركة النفط الأنغولية الحكومية إلى شركة مرتبطة بها في دبي، قبيل انكشاف القضية.

كما تناولت منظمة الشفافية الدولية قضية عائلة غوبتا في جنوب إفريقيا، التي وُجهت إليها اتهامات بالتورط في شبكة نفوذ وفساد مرتبطة بعهد الرئيس السابق جاكوب زوما، وبالاستفادة من صفقات وأموال عمومية، بينها صفقة مرتبطة بقطاع السكك الحديدية.

فجوات في تجارة الذهب بين إفريقيا والإمارات

وفي تقرير آخر بعنوان “تدفقات الذهب غير المشروعة من وسط وشرق إفريقيا”، وثقت منظمة الشفافية الدولية وجود فجوات بين كميات الذهب التي أعلنت دول إفريقية تصديرها والكميات التي أعلنت الإمارات استيرادها منها.

وتشير هذه الفجوات، بحسب التقرير، إلى احتمال وجود عمليات تهريب أو تلاعب في تسجيل مصدر الذهب ومساراته التجارية.

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

ورصد التقرير عددًا من المسارات التي يسلكها الذهب القادم من مناطق إفريقية باتجاه الإمارات، من بينها مسارات تربط جمهورية الكونغو الديمقراطية بأوغندا ورواندا وبوروندي، وأخرى تربط جمهورية إفريقيا الوسطى بالكاميرون وتشاد والسودان، إضافة إلى مسارات من جنوب السودان عبر أوغندا ورواندا.

ولا تقتصر تداعيات هذه التجارة، وفق المنظمة، على الخسائر المالية، بل تشمل كذلك أضرارًا بيئية وانتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، فضلًا عن مخاطر تمويل الجماعات المسلحة في مناطق النزاع وتقويض اقتصادات الدول المنتجة للذهب.

الرقابة الدولية.. تحسن في التصنيف وتحذيرات مستمرة

على المستوى الرسمي الدولي، كانت الإمارات قد أُدرجت على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF).

كما اتخذ الاتحاد الأوروبي لاحقًا قرارًا بإزالة الإمارات من قائمته للدول عالية المخاطر في مجال غسل الأموال، وهو القرار الذي أثار انتقادات من جهات رقابية وبرلمانية أوروبية.

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

وترى منظمة الشفافية الدولية أن رفع الإمارات من هذه القوائم لا ينبغي اعتباره “شهادة حسن سيرة”، داعية إلى مواصلة تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتعزيز الملاحقات القضائية في قضايا الجرائم المالية، خصوصًا تلك المرتبطة بشخصيات سياسية أجنبية بارزة.

العقارات.. ملاذ للأموال المشبوهة

ويُعد قطاع العقارات في دبي أحد أبرز القطاعات التي أثيرت بشأنها مخاوف مرتبطة بغسل الأموال، نظرًا إلى حجم الاستثمارات الأجنبية الضخم في السوق العقارية وتنوع المستثمرين.

ووفق تقارير متخصصة في الجرائم المالية، يمثل شراء العقارات الفاخرة وسيلة محتملة لإخفاء مصادر الثروات غير المشروعة، خصوصًا عندما تُستخدم هياكل شركات معقدة أو وسطاء لإخفاء هوية المستفيد الحقيقي.

وفي محاولة لتعزيز الرقابة، فرضت السلطات الإماراتية متطلبات للإبلاغ عن معاملات عقارية معينة، بما في ذلك المعاملات التي تتجاوز قيمًا محددة، ضمن آليات تهدف إلى رصد الأنشطة المشبوهة وتعزيز قدرة الجهات المختصة على تتبع مصادر الأموال.

دبي.. محطة عالمية للأموال القذرة: كيف تحوّلت الإمارات إلى ممر رئيسي لتبييض ثروات الفساد

في ضوء ما تكشفه تقارير منظمات دولية وبحثية متخصصة، تبدو الإمارات، وتحديدًا دبي، وقد تحولت إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية التي تستقطب الأموال المشبوهة والثروات المتأتية من الفساد والجريمة المنظمة، عبر العقارات والذهب والشركات والخدمات المالية.

ومع استمرار تسجيل تحذيرات وانتقادات من جهات دولية بشأن ثغرات في منظومة الرقابة وتتبع مصادر الثروات، تبرز صورة أكثر وضوحًا للإمارات باعتبارها عاصمة عالمية لتبييض الأموال، وملاذًا مفضلًا لتدوير الثروات غير المشروعة القادمة من إفريقيا ومناطق أخرى.

#تبييض الأموال#دويلة الامارات#فساد
شارك المقال
الكاتب(ة)