بوابة الجزائر الإخبارية: بين الارتفاع المتجدد لأسعار المواد الغذائية، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم البطالة في أوساط الشباب، تتسع دائرة المعاناة الاجتماعية في المغرب، حيث تجد فئات من المواطنين نفسها أمام واقع اقتصادي صعب، يفرض عليها معركة يومية لتأمين أبسط ضروريات الحياة. وفي وقت تتزايد فيه الضغوط على جيوب الأسر محدودة الدخل، تبرز تساؤلات محرجة بشأن مسؤولية النظام الملكي بقيادة محمد السادس عن الأوضاع الاجتماعية، ومدى نجاح السياسات الرسمية في حماية المواطنين من الغلاء والفقر.
ولم تعد أزمة المعيشة مجرد شكاوى متفرقة من ارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى قضية اجتماعية تثير نقاشاً متزايداً داخل المغرب، خصوصاً مع تسجيل زيادات جديدة في أسعار الخضر واللحوم ومنتجات غذائية أساسية، في بلد تعاني فيه شرائح واسعة من هشاشة الدخل وصعوبة مواجهة النفقات اليومية.
أرقام رسمية تكشف عودة الغلاء إلى الأسواق المغربية
وكشفت بيانات المندوبية السامية للتخطيط المغربية، الصادرة بتاريخ 22 أكتوبر 2026، عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6 بالمائة خلال شهر سبتمبر مقارنة بأوت، في حين ارتفعت أسعار اللحوم والخضر بنسبة 4.3 بالمائة لكل منهما، وسجلت أسعار الحليب والأجبان والبيض زيادة بنسبة 1.6 بالمائة.
كما ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 2 بالمائة خلال الفترة نفسها، ما يضيف ضغوطاً على تكاليف النقل والتوزيع، وينعكس على الأسواق والمستهلكين.
ورغم أن أسعار المواد الغذائية ظلت أقل بنسبة 2.5 بالمائة مقارنة بسبتمبر 2025، فإن الارتفاعات الشهرية الأخيرة أعادت المخاوف بشأن قدرة الأسر المغربية على تحمل تكاليف المعيشة، خاصة في ظل تفاوت الدخول واستمرار الصعوبات الاجتماعية.

خضر بأسعار مرتفعة ونقص في المعروض.. المواطن يدفع الثمن
وفي مؤشر آخر على الضغوط التي تواجه الأسواق المغربية، كشف تقرير نشره موقع «Le360» المغربي في 19 أكتوبر 2026 عن ارتفاع حاد في أسعار بعض الخضر، حيث تجاوز سعر الكيلوغرام من بعض الأصناف 20 إلى 25 درهماً، وسط تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل.
ونقل الموقع عن مسؤول في سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء أن موجة الحرارة الشديدة التي شهدها المغرب خلال سبتمبر تسببت في خسائر زراعية مهمة، خصوصاً في محاصيل الطماطم بمنطقة سوس، كما أدت إلى تأخر وصول إمدادات جديدة إلى الأسواق.
ولم تتوقف الأزمة عند العوامل المناخية، إذ أشار المسؤول نفسه إلى أن توجيه جزء من الإنتاج الزراعي نحو التصدير يزيد الضغط على المعروض المحلي، في وقت يحتاج فيه المستهلك المغربي إلى أسعار معقولة ووفرة في المنتجات الأساسية.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً حساساً بشأن أولويات السياسة الفلاحية المغربية: كيف يمكن تبرير استمرار تصدير المنتجات الزراعية، بينما تعاني الأسواق الداخلية من نقص بعض الأصناف وارتفاع أسعارها؟ ومن المستفيد من الدعم العمومي الموجه إلى الإنتاج الزراعي إذا لم تنعكس ثماره على القدرة الشرائية للمواطن؟
البطالة تضاعف المعاناة وتضيق الخناق على الأسر
ولا تنفصل أزمة الأسعار عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه فئات من المجتمع المغربي، حيث كشفت بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن بلوغ معدل البطالة 10.5 بالمائة خلال الثلاثي الثالث من سنة 2026، فيما وصلت البطالة في أوساط الشباب إلى 30.5 بالمائة.
كما أظهرت المعطيات تراجع عدد العاملين بأجر بنحو 173 ألف شخص مقارنة بالثلاثي السابق، وهي مؤشرات تعكس الصعوبات التي تواجه سوق العمل، وتزيد من هشاشة الأسر التي تعتمد على مداخيل محدودة أو غير مستقرة.
وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح ارتفاع أسعار الغذاء أكثر إيلاماً بالنسبة إلى العاطلين عن العمل والأسر الفقيرة، التي تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتقليص مصاريفها لمواجهة متطلبات الحياة اليومية.

محمد السادس أمام مسؤولية تاريخية.. شعب يواجه الغلاء وملكية مطالبة بالمحاسبة
وفي خضم هذه الأوضاع الاجتماعية المتأزمة، لم يعد السؤال مقتصراً على أسباب ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية، بل بات يتجاوز ذلك إلى مساءلة الملك محمد السادس عن حصيلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تُنفذ في ظل حكمه، وعن مدى استجابة المؤسسة الملكية لمعاناة المواطنين الذين يواجهون الغلاء والبطالة والفقر.
فلا يمكن أن تظل معاناة الفئات الهشة مجرد أرقام في التقارير الرسمية، بينما تتواصل الوعود بالإصلاح والتنمية دون أن يشعر الجميع بثمارها. ولا يكفي الحديث عن المشاريع الكبرى والإنجازات الاقتصادية إذا كانت أسر مغربية تجد صعوبة في تأمين غذائها، وشباب يواجهون البطالة، ومواطنون تتآكل قدرتهم الشرائية أمام ارتفاع تكاليف الحياة.
إن الموقع المركزي الذي يحتله محمد السادس في نظام الحكم المغربي يجعل من الصعب إعفاء المؤسسة الملكية من المساءلة السياسية عن هذه الاختلالات. فالمسؤولية لا تقاس بحجم الصلاحيات والامتيازات فحسب، وإنما بالقدرة على حماية كرامة المواطنين وضمان حقهم في العيش الكريم.
والأشد إثارة للتساؤل أن استمرار هذه الضغوط الاجتماعية يضع الخطاب الرسمي عن التنمية والعدالة الاجتماعية أمام امتحان المصداقية: فأي تنمية تلك التي لا تنعكس بصورة عادلة على حياة المواطنين؟ وأي نجاح اقتصادي يمكن الاحتفاء به بينما يظل الحصول على العمل والغذاء والسكن تحدياً يومياً بالنسبة إلى فئات من الشعب؟
لقد آن الأوان لأن تتحول الوعود إلى نتائج ملموسة، وأن تخضع الخيارات الاقتصادية للمحاسبة، بدل الاكتفاء بتبرير الأزمات بالعوامل المناخية وتقلبات الأسواق الدولية.
فالشعب المغربي لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى سياسات تحميه من الفقر والغلاء، ولا ينتظر من ملكه بيانات مطمئنة بقدر ما ينتظر إجراءات تنهي معاناته. وبين رفاهية السلطة وضيق معيشة الفئات الفقيرة، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً لمحمد السادس: ما جدوى ملكية تتمتع بكل هذه المكانة والنفوذ إذا لم تستطع حتى ضمان حياة كريمة للمواطنين الذين تحكم باسمهم؟


















