بوابة الجزائر الإخبارية : في لحظة إقليمية فارقة تتسم بحساسية عالية، يُمثّل التحريك الميداني للأرتال العسكرية في محيط الجدار العازل بالصحراء الغربية، بالتزامن مع ما يُداول حول المناورات الجوية المشتركة مع دولة الإمارات، تحولاً يستبدل الدبلوماسية الدولية بخرائط التصعيد العسكري؛ إذ إن الإقدام على هندسة مناورات قتالية على مقربة من مناطق النزاع المدرجة ضمن أروقة الأمم المتحدة، وعقب إنهاء أعمال البعثة الأممية، لا يُقرأ إلا في سياق رغبة مكشوفة لتوفير غطاء إقليمي وسياسي لمسارات التوتير، وتحويل الإقليم المحتل إلى الساحة الجديدة لفرض سياسات الأمر الواقع عبر بوابة الاستعراض العسكري والمال السياسي، لتتكشف مجدداً سياسة أبوظبي التي تتخذ من واجهة الاستثمار وشعارات التنمية غطاءً لتأجيج الصراعات وتمويل آلات القتل وتجارة المرتزقة، متاحةً بأموالها في أكل لحم الأبرياء وإزهاق أرواحهم في شتى الساحات والمناطق المنكوبة خدمة لأجندات الهيمنة والتخريب.

وفي هذا السياق، يقدم الدكتور محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية بالعراق، في تصريحه لـ«بوابة الجزائر»، قراءة تفكيكية عميقة تسلط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية والأمنية لهذا التمدد، مؤكداً أن الاستثمارات الاقتصادية باتت تُوظف كأداة ناعمة لتحقيق مآرب سياسية وعسكرية صريحة.
الهيمنة التكتيكية وتوظيف الأصول الاستراتيجية
يرى الدكتور محمود الهاشمي أن التمدد الإماراتي يتجاوز كلياً منطق الاستثمار التقليدي الباحث عن الأرباح المالية التجردة، ليتشكل كمنظومة نفوذ متعددة الأبعاد تُخضع القطاعات الحيوية لحسابات التنافس الإقليمي. وتبرز الاستثمارات الإماراتية في البنية التحتية البحرية وسلاسل الإمداد كأدوات سياسية تُستخدم للتحكم في الممرات البحرية والتأثير المباشر على الخيارات الوطنية للدول المستضيفة. كما يتحول الضخ المالي في قطاعات الطاقة والتجارة إلى أوراق ضغط تُدار بها العلاقات الخارجية، مما يقلص هامش المناورة لدى الدول المستفيدة ويجعل قراراتها السياسية مرهونة بتفاهمات أمنية واستثمارية معقدة.

التحالف مع المغرب وإعادة تشكيل موازين القوى
يشكل التقارب المتسارع بين أبوظبي والرباط، وفق تحليل مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية، نمطاً جديداً من الشراكات التي تتجاوز التبادل التجاري الثنائي لتتوج بتفاهمات عسكرية وأمنية تعيد رسم موازين القوى في شمال وغرب إفريقيا. وتتداخل الأموال الإماراتية ومشاريعها الاستثمارية مع مبيعات السلاح والترتيبات الأمنية، مما يمنح أبوظبي القدرة على تثبيت موطئ قدم دائم في منطقة تشهد تنافساً دولياً محدوماً. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي أبوظبي للسيطرة على الممرات الأطلسية وتغذية حالة الاستقطاب الإقليمي عبر دعم طرف على حساب التوازنات القائمة.
توظيف ملف الصحراء الغربية للتمدد نحو الغرب الإفريقي
يلفت الدكتور الهاشمي إلى أن الضخ المالي الإماراتي في إقليم الصحراء الغربية يحمل أبعاداً سياسية وقانونية حساسة بالنظر إلى الوضع الدولي للإقليم واستمرار النزاع المسلح والسياسي حوله. ويُقرأ هذا الانخراط الاستثماري، المقترن بالدعم السياسي والمبادرات الأمنية، كمحاولة صريحة لتحويل الإقليم المتنازع عليه إلى منصة انطلاق ومحطة ارتكاز استراتيجية. وتهدف أبوظبي من خلال هذه الاستراتيجية إلى تأمين تمددها النفعي نحو الموانئ الأطلسية وأسواق غرب إفريقيا الواعدة، مستغلة حالة التعقيد السياسي لترسيخ واقع اقتصادي وأمني جديد يخدم مصالحها طويلة الأمد.
عسكرة التنمية وتراجع الفصل بين الاقتصاد والأمن
تخلص القراءة التحليلية للهاشمي إلى أن التحركات الإماراتية تكشف عن تهاوٍ كامل للحدود الفاصلة بين الاستثمار الاقتصادي المشهود والتحالف السياسي والعسكري، حيث تُنتزع المشاريع التنموية من سياقها الأصلي لتتحول إلى أدوات في التنافس على الموارد والأسواق. وإن دمج التنمية بالترتيبات الأمنية يُسهم في تغذية عسكرة المنطقة ويزيد من حدة التوتر الإقليمي. ويفرض هذا التداخل المريب أسئلة جادة حول حدود الشراكات الاقتصادية المشروعة ومخاطر استبدال مشاريع التنمية المستدامة ببناء شبكات نفوذ جيوسياسية تضر بالاستقرار الإقليمي وتعمق الانقسامات السياسية.

















