بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل الجزائر وموريتانيا مرحلة جديدة في تنظيم المبادلات عبر حدودهما المشتركة، بعد التوصل إلى اتفاق للتعاون الجمركي يهدف إلى تسهيل حركة السلع والناقلين وتأمين المعابر، بالتزامن مع إنجاز الطريق الاستراتيجي تندوف–الزويرات الممتد على 840 كيلومترًا. وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية بالنظر إلى توجه الجزائر نحو استخدام الأراضي الموريتانية منفذًا بريًا لصادراتها خارج المحروقات باتجاه أسواق غرب إفريقيا، في وقت بلغت فيه المبادلات الثنائية نحو 352 مليون دولار خلال 2025.
وحسبما نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء، جاء الاتفاق في إطار اجتماع اللجنة الجمركية المشتركة الجزائرية–الموريتانية المنعقد بنواكشوط ابتداء من الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، بمشاركة المدير العام للجمارك الجزائرية اللواء عبد الحفيظ بخوش ونظيره الموريتاني المفتش العام اللواء خالد ولد السالك أعل. وركزت المباحثات على تطوير التعاون الميداني بين الإدارتين وتبادل المعلومات والخبرات وتحسين إجراءات عبور الأشخاص والبضائع، إلى جانب تعزيز الرقابة الحدودية ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويأتي الاتفاق ضمن مسار اقتصادي بدأت الجزائر وموريتانيا بناءه خلال السنوات الأخيرة، عبر افتتاح معبرين حدوديين ثابتين وإطلاق مشروع الطريق البري بين تندوف والزويرات، إلى جانب إنشاء منطقة حرة للتبادل التجاري والصناعي. غير أن الأهمية العملية لهذه المنشآت ترتبط بوجود منظومة جمركية قادرة على تسيير حركة تجارية منتظمة، من خلال تقليص إجراءات التخليص وتنسيق عمليات التفتيش وتسهيل تنقل الشاحنات، بما يخفض تكاليف النقل والتأخير بالنسبة إلى المصدرين والمستوردين.
ويمثل طريق تندوف–الزويرات أحد أهم مكونات هذه المنظومة، إذ يمتد لمسافة 840 كيلومترًا داخل الأراضي الموريتانية، وتتولى مؤسسات جزائرية إنجازه في إطار مشروع للبنية التحتية العابرة للحدود أُطلق في فيفري 2024. ومن المنتظر أن يسمح الطريق، بعد استكماله، بربط الشبكة البرية الجزائرية بالمناطق الاقتصادية الموريتانية، وفتح مسار للشحن نحو نواكشوط ونواذيبو، ومنها إلى وجهات أخرى في غرب إفريقيا، بما يوفر للمنتجات الجزائرية خيارًا إضافيًا إلى جانب النقل البحري.
ويطرح هذا المشروع نموذجًا للتكامل يتجاوز عمليات التصدير التقليدية، بالنظر إلى ارتباط الطريق بالمراكز الحدودية والمنطقة الحرة وخدمات النقل والتخزين والتوزيع. فوجود محور بري منتظم يمكن أن يساعد المؤسسات الجزائرية على تطوير صادراتها من مواد البناء والمنتجات الغذائية والصناعية والتجهيزات، كما يوفر للشركات الموريتانية فرصًا للوصول إلى السوق الجزائرية وتوسيع حركة المواد الأولية والمنتجات الموجهة إلى التصنيع.
وتظهر المعطيات التجارية أن العلاقة بين البلدين لا تقوم على اتجاه واحد للصادرات. فبحسب الدليل السنوي للتجارة الخارجية الموريتانية لسنة 2025، استحوذت الجزائر على 25.1% من إجمالي المبادلات التي أجرتها موريتانيا مع الدول الإفريقية، لتتصدر شركاءها التجاريين داخل القارة. كما ارتفعت الصادرات الموريتانية نحو الجزائر بنسبة 67.1%، من نحو ستة مليارات أوقية في 2024 إلى عشرة مليارات أوقية خلال 2025، مدفوعة بصورة خاصة بالمنتجات المعدنية.
وفي قطاع الحديد تحديدًا، استوعبت الجزائر 21.2% من صادرات خام الحديد الموريتاني خلال 2025، لتأتي بعد الصين التي استحوذت على 57.3%. وسجل الميزان التجاري الموريتاني مع الجزائر فائضًا قدره 7.1 مليارات أوقية، وهو ما يبرز أهمية السوق الجزائرية للمنتجات الموريتانية، ويفتح في المقابل مجالًا لتطوير تعاون صناعي قائم على توريد المواد الأولية وتحويلها داخل الجزائر.
لكن حجم المبادلات الإجمالي لا يزال دون المستوى الذي تسمح به إمكانات البلدين، إذ انخفض من 447.8 مليون دولار في 2023 إلى نحو 352 مليون دولار خلال 2025، بفارق يقارب 96 مليون دولار. ويبرز هذا التراجع الحاجة إلى توسيع المبادلات وتنويع المنتجات وتحسين وسائل النقل والخدمات التجارية، خصوصًا أن تطوير البنية التحتية لا يضمن وحده ارتفاع التبادل إذا استمرت القيود الإجرائية واللوجستية وارتفاع تكاليف الشحن.
ولهذا يكتسب الاتفاق الجمركي أهمية مباشرة بالنسبة إلى تنافسية الصادرات الجزائرية. فالتكاليف التي تتحملها الشركات لا تقتصر على نقل البضائع لمسافات طويلة، بل تشمل كذلك إجراءات التصريح والتفتيش والتخليص وفترات الانتظار عند الحدود، فضلًا عن خدمات التأمين والتخزين. ومن شأن تحسين التنسيق بين الإدارتين أن يحد من بعض هذه الأعباء، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتأثر هوامش أرباحها بصورة أكبر بالتكاليف اللوجستية.
ولا يتضمن الاتفاق، بحسب التفاصيل المنشورة، إجراءً يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية أو منح امتيازات تلقائية للسلع المتبادلة، بل يركز على التعاون الإداري والرقابي وتبادل الخبرات. ويبقى تطوير المعاملة التعريفية مرتبطًا بمسار الاتفاق التجاري التفاضلي الذي ناقشه البلدان خلال أفريل 2026، والذي يستهدف توسيع المنتجات المستفيدة من التسهيلات التجارية وفق قواعد وشروط يتم الاتفاق عليها.
وتؤكد هذه الخطوات أن بناء الممر الاقتصادي بين الجزائر وموريتانيا يتطلب الجمع بين البنية المادية والإطار التنظيمي والتسهيلات التجارية. فالطريق يسمح بنقل البضائع، والمعابر تستقبل الحركة التجارية، والتعاون الجمركي ينظمها، بينما تحدد الاتفاقات التجارية شروط دخول المنتجات إلى الأسواق. وكلما تقدمت هذه العناصر بصورة متزامنة، تحسنت قدرة المؤسسات على تنظيم عمليات تصدير مستمرة بدل الاعتماد على شحنات متفرقة أو مشاركات ظرفية في المعارض.
وكانت الجزائر قد أطلقت خلال أفريل 2026 عملية لتصدير 33 شحنة من المنتجات الوطنية نحو موريتانيا انطلاقًا من تندوف، في مؤشر إلى بدء استخدام المحور الحدودي في المبادلات التجارية. كما شهد معرض المنتجات الجزائرية بنواكشوط خلال ماي 2025 مشاركة أكثر من 219 مؤسسة جزائرية، فيما أسفرت لقاءات مجلس الأعمال عن توقيع 44 اتفاقية بين متعاملين من البلدين، بما يعكس وجود قاعدة من الشركات الراغبة في توسيع النشاط التجاري والاستثماري.
وتزداد أهمية هذه المبادرات في ضوء ارتباط المشروع بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تستهدف تسهيل المبادلات داخل القارة. فالوصول إلى أسواق غرب إفريقيا لا يرتبط فقط بوجود طريق صالح لحركة الشاحنات، بل يتطلب كذلك احترام قواعد المنشأ والمواصفات والإجراءات الجمركية المعتمدة، فضلًا عن تطوير خدمات الدفع والتمويل والتأمين والتوزيع في الأسواق المستهدفة.
وفي الجانب الأمني، يسمح التنسيق بين إدارتي الجمارك برفع فعالية الرقابة على الحدود مع تحسين انسيابية الحركة التجارية القانونية. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة على المحاور البرية الطويلة، حيث تحتاج عمليات النقل إلى إجراءات واضحة وآليات لتبادل المعلومات ومراقبة المخاطر المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، دون إحداث تعطيل غير ضروري لحركة البضائع المصرح بها.
ومع ذلك، لم تتضمن المعلومات المنشورة حول الاتفاق تفاصيل تنفيذية بشأن آجال تطبيق الإجراءات الجديدة أو طبيعة منظومات تبادل البيانات ومستوى الربط الإلكتروني بين المصالح الجمركية. ولذلك سيعتمد أثره الفعلي على الإجراءات التي ستعتمد لاحقًا في المعبرين، ومدى انعكاسها على زمن معالجة التصريحات وعدد الشاحنات العابرة وتكاليف العمليات التجارية.
وبذلك، يشكل اتفاق نواكشوط إضافة تنظيمية لمشروع اقتصادي تتداخل فيه التجارة والبنية التحتية والخدمات الحدودية، وتراهن من خلاله الجزائر على تطوير منفذ بري نحو موريتانيا وأسواق غرب إفريقيا. غير أن تحول هذا المحور إلى ممر تجاري إقليمي منتظم سيبقى مرتبطًا باستكمال الطريق وتفعيل المنطقة الحرة وتوسيع التسهيلات التجارية وتوفير خدمات النقل والتمويل والتخزين، بما يسمح برفع حجم المبادلات عن مستوى 352 مليون دولار المسجل في 2025 وتحويل الاستثمارات الحدودية إلى حركة اقتصادية مستمرة في الاتجاهين.









































