من إنهاء سطوة المال الفاسد إلى تمكين الشباب… إصلاحات سياسية تعيد رسم المشهد الانتخابي
بوابة الجزائر الاخبارية: لم تعد الانتخابات التشريعية في الجزائر تجرى وفق القواعد التي حكمت الاستحقاقات السابقة، بعدما شهدت المنظومة الانتخابية خلال السنوات الأخيرة إصلاحات عميقة مست مختلف جوانب العملية السياسية، بداية من مراجعة الدستور وقانون الانتخابات، وصولا إلى استحداث آليات جديدة للرقابة على تمويل الحملات الانتخابية، وتعزيز صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، ووضع شروط صارمة أمام الترشح، بهدف إغلاق المنافذ التي كانت تسمح بتغلغل المال الفاسد والنفوذ غير المشروع داخل المؤسسات المنتخبة.
وجاءت هذه الإصلاحات في إطار التزامات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي تعهد منذ بداية عهدته بإعادة الاعتبار للعملية الانتخابية والقضاء على ظاهرة شراء الذمم والأصوات، واسترجاع ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، مع فتح المجال أمام الكفاءات والشباب للمشاركة في صناعة القرار السياسي.
إصلاحات أنهت هيمنة المال الفاسد على الحياة السياسية
شكّل القضاء على المال الفاسد أحد أبرز المحاور التي قامت عليها الإصلاحات السياسية للرئيس عبد المجيد تبون، بعدما كانت هذه الظاهرة من أكثر الملفات التي أثرت على مصداقية الانتخابات خلال سنوات سابقة.
وفي هذا الإطار، تم تشديد الرقابة على مصادر تمويل الحملات الانتخابية، وتجريم مختلف أشكال شراء الأصوات واستعمال الأموال المشبوهة للتأثير على إرادة الناخبين، مع فرض عقوبات أكثر صرامة على المخالفين.
كما وضع قانون الانتخابات الجديد شروطا دقيقة للترشح، حالت دون عودة العديد من الوجوه المرتبطة بالفساد أو أصحاب النفوذ المالي، بما يسمح بإرساء تنافس سياسي قائم على البرامج والكفاءة بدل النفوذ المالي.
قانون انتخابي جديد يقطع الطريق أمام المتجولين سياسيا والمدانين
كرّست التعديلات القانونية الجديدة مبدأ أخلقة العمل السياسي، من خلال وضع جملة من الضوابط التي تمنع استغلال الانتخابات لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.وشملت هذه الإجراءات منع الأشخاص المرتبطين بأصحاب المال والأعمال المشبوهة من الترشح، إضافة إلى إقصاء المدانين بأحكام قضائية سالبة للحرية الذين لم يستعيدوا حقوقهم المدنية، وكذا الأشخاص الذين لا يسوون وضعيتهم الجبائية، فضلا عن التصدي لظاهرة التجوال السياسي التي أثرت لسنوات على استقرار الحياة الحزبية.
وتؤكد الأرقام الصادرة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات فعالية هذه الإجراءات، بعدما تم رفض ملفات 1762 مترشحا بسبب صلاتهم بأصحاب المال المشبوه، و1141 مترشحا صدرت بحقهم أحكام سالبة للحرية، و571 مترشحا لعدم استيفائهم شروط الترشح، إلى جانب رفض ملفات أخرى بسبب التجوال السياسي أو مخالفات ضريبية أو محاولات التأثير على حرية الناخب.
السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات… ضمانة للنزاهة
من بين أهم مكاسب الإصلاحات السياسية، تعزيز مكانة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أصبحت تتولى الإشراف الكامل على مختلف مراحل العملية الانتخابية، بداية من استقبال ملفات الترشح، مرورا بالحملة الانتخابية، وانتهاء بإعلان النتائج.

وقد عززت هذه الهيئة وسائل الرقابة والمتابعة، بما يضمن احترام القانون وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، ويحد من التجاوزات التي كانت تشوب بعض الاستحقاقات السابقة.
وتراهن السلطات العمومية على هذه الهيئة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لاستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
الشباب والمرأة في صدارة الإصلاحات السياسية
لم تقتصر الإصلاحات السياسية التي باشرها الرئيس تبون على محاربة المال الفاسد وأخلقة الحياة السياسية، بل جعلت من تمكين الشباب والمرأة أحد أبرز محاور تجديد الممارسة الديمقراطية، انطلاقا من قناعة بأن بناء مؤسسات منتخبة قوية يقتضي إشراك جيل جديد من الكفاءات في صناعة القرار.
وفي هذا الإطار، جاء قانون الانتخابات بجملة من التدابير الرامية إلى إزالة العراقيل التي كانت تحد من مشاركة الشباب، من خلال تسهيل شروط الترشح، وإقرار آليات للدعم المالي لفائدة المترشحين الشباب ضمن القوائم الحرة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحد من تأثير الإمكانات المالية في المنافسة الانتخابية.

وتجسيدا لهذا الالتزام، استفاد 937 شابا يمثلون 125 قائمة حرة موزعة عبر مختلف ولايات الوطن من الإعانة العمومية المخصصة لتغطية نفقات الحملة الانتخابية، والموجهة للمترشحين الذين لا تتجاوز أعمارهم 40 سنة يوم الاقتراع.
كما استفاد 31 مترشحا شابا ضمن القوائم الحرة الخاصة بالجالية الوطنية بالخارج، عبر المناطق الجغرافية الثماني، من الإعانة نفسها، والتي حددت قيمتها بـ300 ألف دينار جزائري لكل قائمة مستوفية للشروط القانونية.
وتندرج هذه الإعانة في إطار تطبيق أحكام المادة 122 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، التي أبقي عليها في صيغتها المعدلة، باعتبارها تجسيدا لالتزام رئيس الجمهورية بدعم مشاركة الشباب في الحياة السياسية، وتمكينهم من خوض المنافسة الانتخابية بعيدا عن الضغوط المالية أو هيمنة أصحاب المال والنفوذ.
كما كشفت معطيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن ارتفاع ملحوظ في عدد المترشحين الشباب خلال تشريعيات 2026، إلى جانب تعزيز حضور المرأة في القوائم الانتخابية بما ينسجم مع التوجه نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، ثمّن الرئيس تبون، خلال ترؤسه اجتماعًا لمجلس الوزراء، الحضور الإيجابي والمتزايد للشباب في مختلف القطاعات، داعيا إلى مواصلة دعمهم وتمكينهم من الوصول إلى أعلى المسؤوليات، مع تشجيع مشاركة العنصر النسوي، مؤكدا أن الاستثمار في الطاقات الشابة يمثل أحد أهم ركائز بناء مؤسسات منتخبة أكثر كفاءة وتمثيلا للمجتمع.
وقد بلغ عدد النساء 2032 مترشحة, وهو ما يعادل 21 بالمائة من المجموع الكلي, و5304 مترشحا أقل من 40 سنة, ما يمثل 54 بالمائة من مجموع المترشحين, و4673 ذوي مستوى جامعي, ما يمثل 47 بالمائة من إجمالي المترشحين.
وعد أوفى به الرئيس… استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة
تمثل الإصلاحات السياسية التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة محطة مفصلية في مسار إعادة بناء المؤسسات، حيث انتقلت العملية الانتخابية من مرحلة كانت تثار حولها تساؤلات مرتبطة بالمال الفاسد والنفوذ، إلى مرحلة تقوم على منظومة قانونية أكثر صرامة، وآليات رقابة أكثر استقلالية، وشروط ترشح أكثر شفافية.
وفي قراءة لهذه الإصلاحات، أكد الدكتور عبد الرحمان بوثلجة أستاذ باحث و مهتم بالشؤون الوطنية والدولية في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، أن الإصلاحات السياسية التي بادر بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أسهمت بشكل كبير في إعادة المصداقية للعملية الانتخابية، لاسيما من خلال محاربة المال السياسي الفاسد وتمكين الشباب من المشاركة في العمل السياسي.
وأوضح المتحدث أن هذه الإصلاحات تكتسي أهمية بالغة، خاصة في ظل الاستحقاقات التشريعية، مشيرا إلى أن إعداد نائب يمثل الشعب داخل المجلس الشعبي الوطني يعد مسؤولية تقع، في المقام الأول، على عاتق الأحزاب السياسية ومختلف فعاليات المجتمع المدني، من خلال تأطير المترشحين وتكوينهم واختيار الأكفأ لتمثيل المواطنين.
وأضاف أن عدم اضطلاع بعض الأحزاب بهذا الدور بالشكل المطلوب جعل من الضروري تدخل الدولة عبر وضع آليات قانونية تضمن نزاهة العملية الانتخابية، موضحا أن من بين أهم هذه الآليات منع الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بالمال الفاسد أو قضايا تبييض الأموال والفساد من الترشح.

وأشار بوثلجة إلى أن المادة 200 من القانون الانتخابي لعبت دورا محوريا في غربلة ملفات المترشحين، بما سمح بحصر الترشح في الأشخاص المعروفين بالنزاهة والاستقامة، مثمنا في هذا السياق الجهود التي بذلتها أجهزة الدولة لضمان شفافية المسار الانتخابي.
وفي المقابل، شدد على أن مسؤولية الناخب تبقى أساسية في اختيار المرشح الأكفأ والأقدر على تحمل أعباء النيابة البرلمانية، مبرزا أن النائب يضطلع بمهام تشريعية ورقابية محورية، ويعد أحد ركائز السلطة التشريعية إلى جانب السلطتين التنفيذية والقضائية.
وفيما يتعلق بتمثيل الشباب والمرأة، أوضح المتحدث أن أغلب الأحزاب السياسية أولت اهتماما لهذه الفئتين في قوائمها الانتخابية لتنفيذا لتعليمات رئيس الجمعورية ، معتبرا أن ذلك يعد مؤشرا إيجابيا، خاصة وأن الشباب يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع الجزائري، ومن الطبيعي أن يكون لهم حضور داخل البرلمان.
واستدرك قائلا إن تمثيل الشباب والمرأة ينبغي ألا يكون قائما على مبدأ الحصص فقط، وإنما على معيار الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، مؤكدا أن هذا المبدأ يجب أن يطبق على جميع المترشحين دون استثناء.
وختم الدكتور عبد الرحمان بوثلجة تصريحه بالإعراب عن أمله في أن تنعكس هذه الإصلاحات السياسية إيجاباً على أداء المؤسسة التشريعية، بما يعزز جودة العمل البرلماني ويكرس الثقة في المسار الديمقراطي.
























