مقال رأي بقلم : عجابي صبرينة
بوابة الجزائر الإخبارية : ليست كل الحروب التي تصنع التاريخ تُسمع أصوات مدافعها. بعضها يبدأ في المختبرات وغرف القرار وأسواق الطاقة وسباق امتلاك البيانات. حرب المناخ واحدة من هذه الحروب: لا تُعلن، لكنها تعيد توزيع عناصر القوة بين الدول، وتعيد تعريف ما تعنيه السيادة أصلاً.

فالمناخ لم يعد ملفاً بيئياً يخص درجة حرارة الأرض. صار ملفاً أمنياً يتصل بالماء والغذاء والطاقة والهجرة والاقتصاد والاستقرار. والدولة التي تتعامل معه بوصفه «قضية خضراء» فقط، قد تكتشف متأخرة أن حدودها الحقيقية لم تعد على الخريطة، بل في قدرتها على التكيّف.
أرقام لا تحتمل التأجيل
المنطقة العربية سجّلت عام 2024 أحرّ سنة في سجلاتها، ومعدل الاحترار فيها يقارب ضعف المتوسط العالمي. موجات الحر صارت أطول وأشد، ودول عدة تجاوزت فيها الحرارة خمسين درجة مئوية. في غرب شمال أفريقيا، بما فيها الجزائر، تفاقمت موجة الجفاف بعد ست مواسم مطرية فاشلة متتالية.
الجزائر نفسها ترتفع حرارتها أسرع من الكوكب: نحو 0.49 درجة مئوية في العقد بين عامي 2000 و2023، مقابل متوسط عالمي قريب من 0.37 درجة. في سيناريو الانبعاثات المرتفعة، قد تصل الزيادة إلى 5.6 درجات فوق مستويات ما قبل الصناعة مع نهاية القرن. الشمال مرشح لانخفاض التساقط بنسبة تصل إلى 22 في المئة في السيناريو المنخفض، و35 في المئة في السيناريو المرتفع. الجنوب قد يشهد تساقطاً أكبر، لكن ذلك لا يلغي خطر الجفاف والفيضانات المفاجئة في آن واحد.
هذا ليس تجريداً علمياً. الزراعة التي تشغّل نحو ربع اليد العاملة وتساهم بنحو 9 في المئة من الناتج، خسرت في سنوات الجفاف حتى 45 في المئة من مردود الحبوب. إنتاج الحبوب المحلي بقي في حدود 4.1 ملايين طن عام 2024، بينما تجاوزت واردات القمح وحدها ثمانية ملايين طن في الموسم 2024/2025، مع توقعات بأكثر من تسعة ملايين طن في الموسم التالي. الجزائر بهذا من أكبر مستوردي الحبوب في العالم، وهو موقع يعرّض الأمن الغذائي لصدمات الأسواق وسلاسل الإمداد.
الماء هو الحلقة الأضيق. تتراوح التقديرات الحديثة لنصيب الفرد من الموارد المتجددة بين نحو 260 و450 متراً مكعباً في السنة، أي دون عتبة الندرة المطلقة البالغة 500 متر مكعب، وبعيداً جداً عن عتبة الإجهاد البالغة ألف متر مكعب. مؤشر الإجهاد المائي تجاوز 138 إلى 145 في المئة. الزراعة تستهلك نحو 70 في المئة من المياه المسحوبة. السدود لا تملأ دائماً ما يكفي: سُجّل في مطلع 2025 معدل امتلاء وطني قريب من 35 في المئة.

في الساحل الأوسع، ترتفع الحرارة بنحو مرة ونصف المرة أسرع من المتوسط العالمي. تقديرات البنك الدولي تتحدث عن إمكانية نزوح داخلي مناخي يصل إلى عشرات الملايين في أفريقيا جنوب الصحراء بحلول 2050.
الحدود الجزائرية ليست بمعزل عن هذا الضغط: عمق أفريقي، واجهة متوسطية، وممرات هجرة تمر عبرها حقائق المناخ قبل أن تمر عبرها السياسات.
من حدود الدولة إلى حدود قدرتها
السيادة التقليدية كانت أرضاً وحدوداً وجيشاً وقراراً سياسياً. هذه العناصر لا تسقط. لكنها لم تعد كافية.
ماذا يحدث حين يصير الماء مورداً استراتيجياً؟ حين يصبح الغذاء جزءاً من الأمن القومي؟ حين تحدد التكنولوجيا قدرة الدولة على العيش مع الجفاف والحر والكوارث؟ وحين تتحول البيانات عن الأرض والمياه والتربة إلى أصل من أصول القوة؟
هنا تتسع السيادة أو تضيق. الدولة التي لا تحمي مواردها، ولا تنتج معرفتها، ولا تملك أدواتها التقنية، قد تستيقظ على واقع تصنعه عواصم أخرى: في تحلية المياه، وفي البذور، وفي الأقمار الصناعية، وفي نماذج الذكاء الاصطناعي التي تقرأ المحاصيل قبل أن يقرأها الفلاح.
العالم يشهد أصلاً سباقاً على الطاقة والمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد وقدرة التكيّف. الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة تجاوز تريليوني دولار في سنة واحدة، وأُضيف عام 2025 نحو 693 غيغاواط من القدرات المتجددة. في الوقت نفسه، تتركز سلاسل المعادن الحرجة — الليثيوم والكوبالت والنحاس والأتربة النادرة — في عدد قليل من الدول، وأي اضطراب فيها يهز صناعة السيارات والبطاريات والدفاع. السيادة لم تعد فقط أن تملك النفط أو الغاز، بل أن تملك القدرة على تحويل الشمس والماء والمعرفة إلى قرار مستقل
الجزائر: موقع لا يُهمل، وفرصة لا تُورث تلقائياً
الجزائر ليست هامشاً في هذه المعادلة. مساحتها نحو 2.38 مليون كيلومتر مربع، أكبر بلد أفريقي، بواجهة متوسطية طولها أكثر من 1600 كيلومتر، وعمق صحراوي يغطي نحو 86 إلى 87 في المئة من التراب الوطني، وثروة هيدروكربونية لا تزال عماد الاقتصاد، وإشعاع شمسي من أعلى المعدلات في العالم: بين 1700 كيلوواط ساعة للمتر المربع سنوياً في الشمال، وأكثر من 2500 إلى 2650 في الصحراء، مع 3000 إلى 3500 ساعة سطوع في السنة.

هذه الجغرافيا نعمة إن تحولت إلى صناعة، وعبء إن بقيت مخزوناً مؤجلاً.
الحكومة حددت هدفاً يبلغ 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035، أي نحو 30 في المئة من مزيج الكهرباء. محطات دخلت الخدمة، وأخرى قيد الإنجاز بقدرات تُقدَّر بمئات الميغاواط ثم بأكثر من ألف ميغاواط في دفعة 2026. سيناريوهات دولية تتحدث عن إمكان تقني يصل إلى 50 غيغاواط في مسار معتدل، وإلى 150–200 غيغاواط في مسار أمثل، بإنتاج سنوي قد يبلغ مئات تيراواط الساعة. الهيدروجين الأخضر يُطرح بدوره كجسر نحو أوروبا، بأهداف بعيدة تصل إلى ملايين الأطنان سنوياً في أفق 2040. لكن الهدف على الورق لا يصنع سيادة. يصنعها التصنيع المحلي، والشبكة، والتخزين، والكفاءات، والبيانات.
في الماء، انتقلت الجزائر من رد الفعل إلى البناء الكثيف. وصلت طاقة التحلية إلى نحو 3.7 ملايين متر مكعب يومياً بنهاية 2024، مع هدف 5 إلى 5.6 ملايين متر مكعب يومياً بحلول 2030، بما يغطي حصة كبيرة — قد تبلغ 60 في المئة — من مياه الشرب. هذا تحول استراتيجي حقيقي. لكنه مكلف طاقياً، ويربط الأمن المائي بالأمن الكهربائي. التحلية بلا طاقة نظيفة ومستقرة تعيد إنتاج التبعية بشكل جديد
المساحة المروية تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2000 وبلغت نحو 17 في المئة من المساحة الزراعية المستغلة. هذا تقدم. لكن التوسع بلا كفاءة يسرّع استنزاف المياه الجوفية، لا سيما في الجنوب حيث تعتمد الزراعة على خزانات غير متجددة أو بطيئة التجدد.
الصحراء ليست هامش الخريطة
طالما نُظر إلى الصحراء بوصفها تحدياً مناخياً. آن الأوان أن تُقرأ بوصفها عمقاً استراتيجياً: طاقة شمسية، زراعة محكومة بالبيانات، مراكز بحث، تخزين طاقة، وهيدروجين.

ليس المطلوب أسطورة «الصحراء تطعم العالم». المطلوب سؤال أدق: ماذا نفعل بما نملك؟ كيلومتر مربع واحد في مناطق الإشعاع العالي قد ينتج مئات الغيغاواط ساعة سنوياً من الكهرباء الشمسية وفق دراسات حديثة للإنتاجية المساحية. المساحة موجودة. الشمس موجودة. العنصر الناقص هو المنظومة: النقل من الجنوب إلى الشمال، الصناعة، التكوين، والسيادة على البيانات والخوارزميات التي تدير الشبكات والمحاصيل والمياه.:

ثلاثية الأمن: ماء، غذاء، طاقة
في العقود المقبلة لن يكون الأمن المائي ملفاً تقنياً، ولا الأمن الغذائي ملفاً تجارياً، ولا الطاقة سلعة تُصدَّر فقط. الثلاثة منظومة واحدة.
دولة تستعد في زمن الوفرة النسبية تكون أقدر على مواجهة الندرة. دولة تنتظر الأزمة تشتري حلول الآخرين بأسعارهم وشروطهم. التحلية، وترشيد الاستهلاك، والزراعة الذكية، وحماية التربة، وتنويع مصادر الطاقة، واستثمار الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية في رصد الجفاف والمحاصيل، ليست مشاريع متفرقة. هي هندسة سيادة.
العالم لن يمنح المتأخرين وقتاً إضافياً. سلاسل الغذاء تهتز مع كل حرب أو جفاف في حوض البحر الأسود. المعادن الحرجة تتحول إلى أداة نفوذ.
التكنولوجيا المنخفضة الكربون تصير تذكرة عبور إلى أسواق الغد. من لا ينتج المعرفة سيشتريها، ومن يشتري المعرفة يشتري معها جزءاً من قراره.
الجزائر دفعت ثمن سيادتها غالياً في القرن العشرين. الحفاظ عليها في القرن الحادي والعشرين لن يكون بحراسة الحدود وحدها، بل بحراسة الماء والغذاء والطاقة والمعرفة والبيانات. الشهداء لم يتركوا أرضاً فقط. تركوا مسؤولية أن يبقى القرار وطنياً حين تتغير طبيعة القوة.
لا حاجة إلى صناعة الخوف. الحاجة إلى صناعة الاستعداد. المقومات موجودة: المساحة، الموقع، الشمس، الساحل، والخبرة التاريخية في الصمود. لكن التاريخ لا يحمي الغد تلقائياً. ما حمى البلاد بالأمس قد لا يكفي غداً إذا بقي مفهوم القوة محصوراً في الآبار والأنابيب.
السؤال لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟
السؤال هو: ماذا نفعل نحن الآن؟
في معركة المستقبل، قد تكون أقوى حدود الجزائر هي تلك التي لا تُرسم على الخريطة: حدود علمها، وحدود قدرتها على الابتكار، وحدود إرادتها في أن تبقى صاحبة قرارها.















































