مراسلة خاصة من غزة

غزة… حين تدمي الجغرافيا
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل مسرح مفتوح لمأساة إنسانية لا تنتهي. يعيش الناس بين خيارين أحلاهما أمرّ من الآخر: البقاء تحت القصف والموت البطيء، أو النزوح القسري نحو المجهول.
ومع كل يوم اخر، لا جديد فيه غير القصف، يزداد عدد النازحين، وتكبر الفجوة بين ما هو إنساني وما يُمارَس على الأرض. في كل لحظة، تُكتب حكاية جديدة من الألم، وتُضاف صفحة إلى دفتر المعاناة الفلسطيني.
شهادة من قلب المأساة
“كنت فقط أريد أن أعيش، لكن الحياة في غزة صارت جريمة. نزحت من بيتي ومعي أطفالي الثلاثة، نحمل خبزنا وأوراقنا وبعض الملابس، وكلما عبرنا شارعًا خفت أن يصبح الطريق مقبرة لنا”.يصعب حتى العودة اليها ان دفنا أحدنا.
ليست هذه مجرد كلمات عابرة، بل شهادة حية سمعتها من أم فلسطينية فقدت اهلها و زوجها، وبقيت تحتضن أبناءها كأنهم الوطن الأخير… أو ربما هي وطنهم الوحيد.
في إحدى مراكز الإيواء، يمكنك أن ترى أطفالها الثلاثة ينامون على قطعة كرتون، محاطين بنظرات أم تائهة، تسأل الأرض عن بيتها، والغيم عن السقف الذي كان يأويهم.
في بقايا مدرسة تحوّلت إلى ملجأ، جلس عجوز يبكي أمام جدار باهت، قال لي وهو يتفادى النظر الى المكان الذي كان يشير اليه:
“هنا كانت شجرة، كانت تظلّل بيتي… واليوم صارت ظلّي الوحيد.”
كل زاوية، كل جدار، كل نظرة، كانت تصرخ: هذا النزوح ليس انتقالاً… بل اقتلاع.
الواقع الإنساني: بين الإحصاء والوجع
يمكنك ان تسمع عن التقارير الإنسانية التي تشير إلى نزوح مئات الآلاف من العائلات داخل قطاع غزة، يعيش معظمهم في مراكز إيواء مؤقتة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة:
وهذا صحيح، لكن الواقع أمر و أخطر من ان تصفه هذه التقارير. فحين تعيش الوضع ان الانسانية في غزة فقدت بوصلتها.. وترك الانسان هنا كأي شيء يبحث عن قطرة ماء.. أو حفنة سميد اختلطت بالتراب لعله يجعل منها عجينة قابلة للأكل.
هنا.. المياه الصالحة للشرب: نادرة وشحيحة تكاد تكون منعدمة.
و الغذاء:اصبح حلما..
الظلم يلاحقنا في النهار و يطبق علينا الليل بظلامه لان الكهرباء مقطوعة لأيام طويلة.
و وسط تفشٍّ للأمراض والوباء. لا تكاد تحصل على علبة دواء.
الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة، يعيشون في حالة رعب دائم، يعانون من اضطرابات نفسية، ويواجهون خطر الضياع المعنوي قبل الجسدي.
النساء يتحمّلن العبء الأكبر، في محاولة للحفاظ على تماسك الأسرة وسط الانهيار. أما كبار السن، فبعضهم لا يجد حتى الكرسي ليستريح عليه، أو دواءً يخفّف ألمه.
رأيت شابًا يحمل جدته على ظهره، قطع بها مئات الأمتار وسط الركام، قال لي:
“لن أتركها تموت وحدها… هذا النزوح ليس فرارًا من الموت، بل ركضٌ خلف بصيص حياة.”
الجزائر في غزة
وسط هذا الركام، لا يغيب اسم الجزائر.
لا يكاد يخلو مركز إيواء من علم جزائري مرفوع، أو عبارة كتبت على الجدران:
“شكراً للجزائر التي لم تنسنا…”
في عيون الفلسطينيين، الجزائر ليست مجرد بلد شقيق، بل شريك في الوجع والتاريخ والمقاومة.
قال لي نازح:
“الجزائريون يشبهوننا… يعرفون معنى الاحتلال، لذلك قلوبهم مفتوحة لنا دون شروط.”
رسائل التضامن التي تصل من الجزائر تشكّل دفئًا إنسانيًا لا يُقدّر بثمن. إنها تزرع الأمل وسط الرماد، وتؤكد أن صوت الشعوب لا يزال أقوى من صمت الساسة في الجوار.

النزوح كجريمة إنسانية
ما يحدث في غزة ليس حالة طارئة أو مجرد أزمة لاجئين، بل هو استمرار لسياسة تهجير ممنهجة، تُمارس على شعب أعزل، في ظل غيابٍ شبه كامل للمساءلة الدولية.
إن القانون الدولي الإنساني يجرّم استهداف المدنيين وتهجيرهم قسرًا، لكن الواقع يكشف عن صمت دولي مطبق، يضاعف من حجم الجريمة، ويترك الضحية وحيدة أمام آلة الموت.
هذا النزوح يهدد النسيج الاجتماعي، والذاكرة الجماعية، ويزرع جروحًا قد لا تندمل لأجيال قادمة.
فكيف لأطفال نشأوا في خيام ومدارس متهالكة أن يتذكروا معنى “البيت”؟
وكيف لشعب أن يستعيد طمأنينته بعد أن صار النزوح عنوانًا دائمًا لحياته؟

صرخة الختام: متى يتحرك الضمير؟
النزوح في غزة ليس مجرد حركة بشرية، بل جرح مفتوح في ضمير العالم.
هو شهادة أدبية ترويها دموع الأمهات، وصمت الأطفال، وتوثقها الأرقام في تقارير باردة لا تحمل حرارة المأساة.
وبين الشهادة والتقرير، تبقى الحقيقة: هناك من يُقتل مرتين:
مرة تحت القصف، ومرة في صمت العالم.
فإلى متى يستمر هذا الظلم؟
ومتى يصحو الضمير العالمي ليعيد لأطفال غزة حقهم في الكرامة والأمان والعيش في بيوتهم… لا في خيامهم؟







