بوابة الجزائر الإخبارية : رسمت تحركات أسواق الطاقة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026 ملامح تحول استراتيجي في خريطة صادرات النفط الخام الجزائري المنقول بحرًا؛ إذ واجهت الجزائر تراجعًا إجماليًا في حجم صادراتها بنسبة %11.5 ليبلغ 370 ألف برميل يوميًا، مدفوعًا بتأثر القارة الأوروبية بقفزة الأسعار التي تجاوزت حاجز الـ100 دولار للبرميل.
ورغم الانكماش الذي شهدته الواردات لدى كبار الشركاء التقليديين في أوروبا مثل إسبانيا وفرنسا، نجحت الجزائر في الحفاظ على توازنها بفضل ديناميكية الأسواق الآسيوية – وعلى رأسها كوريا الجنوبية – التي اقتنصت المرتبة الثانية بقوة، متيحةً للنفط الجزائري مرونة أوسع في التكيف مع متغيرات المشهد الطاقوي العالمي.
المقومات الاستراتيجية للموازنة بين الأسواق الأوروبية والآسيوية
تستند الجزائر في الحفاظ على توازن صادراتها بين القارة العجوز والأسواق الآسيوية إلى رؤية اقتصادية متكاملة تضمن تعظيم العوائد دون التفريط في الحصص التاريخية. وفي هذا السياق، صرح وضاح طه، عضو الجمعية العالمية لاقتصاد الطاقة، موضحاً أن الموقع الجغرافي القريب من أوروبا يمنح النفط الجزائري ميزة تنافسية دائمة تتمثل في خفض تكاليف الشحن وسرعة الوصول إلى الموانئ الأوروبية.
وأضاف وضاح طه أن خصائص خام “مزيج الصحراء” كخام خفيف وقليل الكبريت تجعله خياراً مفضلاً ومثالياً للمكررين الأوروبيين للالتزام بالمعايير البيئية الصارمة، لا سيما في أوقات انخفاض هامش الأرباح.

وأشار وضاح طه إلى أن استراتيجية التصدير تعتمد أيضاً على تأمين عقد طويل الأجل مع النواة الصلبة للمستوردين في أوروبا، يتضمن آلية المراجعة الدورية للأسعار لربطها بالمؤشرات العالمية، وهو ما يوفر استقراراً مالياً للبلاد.
وبالموازاة مع ذلك، أوضح وضاح طه أن شركة سوناطراك تستغل الفروق السعرية وهوامش التكرير بين المؤشرات لتوجيه الشحنات الفورية نحو آسيا، حيث يصبح شحن الخام عبر المسافات الطويلة مجدياً اقتصادياً للمصافي الآسيوية الباحثة عن الخامات عالية الجودة عند ارتفاع الأسعار العالمية.
أبعاد الصعود الآسيوي ومستقبل الشراكة مع كوريا الجنوبية
يمثل ارتفاع واردات كوريا الجنوبية من الخام الجزائري ظاهرة لافتة في خريطة التوزيع الجغرافي للمبيعات. وفي هذا الصدد، أفاد وضاح طه بأن هذا التحول يُعد استجابة مرنة فرضتها معطيات المرحلة وليست إعادة هيكلة جذريّة وشاملة لاتجاهات النفط الجزائري. وأوضح وضاح طه أن القفزة السعرية وتجاوز البرميل حاجز المائة دولار دفعا المصافي الكورية المتطورة إلى زيادة مشترياتها من الخامات الخفيفة لرفع كفاءة عمليات التكرير وزيادة إنتاج المشتقات ذات القيمة المضافة العالية.
واختتم وضاح طه تصريحه بالـتأكيد على أنه رغم الطابع التكتيكي لهذه الخطوة في عام 2026، إلا أنها نجحت في تأسيس قناة تجارية موثوقة وشراكة استراتيجية طويلة الأمد بين مجمّع سوناطراك والشركات الكورية. وتوفر هذه العلاقات الجديدة شبكة أمان صادراتية تتيح للجزائر تحويل الفائض السلعي وامتصاص أي تراجع طارئ في الطلب الأوروبي مستقبلاً، مع التأكيد على أن أوروبا تظل الوجهة الأساسية الأولى بحكم القرب الجغرافي والروابط الاقتصادية الممتدة.
















