هل سيتمكن الكونغرس من استعادة سلطته، أم أن أمريكا تسير نحو نموذج حكم أكثر استبدادية؟
بوابة الجزائر الإخبارية :أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن ضربات عسكرية على ثلاثة مواقع نووية إيرانية، دون استشارة الكونغرس أو الحصول على موافقته، جدلاً واسعاً حول حدود السلطة التنفيذية واتهامات بتحوله نحو الديكتاتورية.
هذا القرار، الذي جاء بعد أيام من بدء إسرائيل حملتها العسكرية ضد إيران، لم يكن فقط خرقاً للتقاليد الدستورية الأمريكي وفق مراقبين، بل أثار مخاوف من تآكل الديمقراطية الأمريكية وتوسيع صلاحيات الرئيس على حساب السلطة التشريعية.
كيف تجاوز ترامب الكونغرس، وتداعيات هذا القرار على النظام السياسي الأمريكي ؟
تجاوز الكونغرس: خرق الدستور الأمريكي
بموجب المادة الأولى، القسم الثامن من الدستور الأمريكي، يمتلك الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب ,كما أن قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 (War Powers Resolution) يلزم الرئيس بإخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من أي عمل عسكري، ويمنعه من مواصلة العمليات العسكرية لأكثر من 60 يوماً دون موافقة الكونغرس.
ومع ذلك، أعلن ترامب في 21 يونيو 2025 عن تنفيذ ضربات جوية بطائرات B-2 وصواريخ توماهوك على مواقع فوردو ونطنز وأصفهان النووية في إيران، دون استشارة مسبقة مع الكونغرس أو طلب تفويض منه.
وزير الدفاع بيت هيغسيث أكد أن الكونغرس تم إخطاره بعد خروج الطائرات الأمريكية من المجال الجوي الإيراني، وهو ما اعتبره العديد من النواب خرقاً واضحاً للدستور. النائب الجمهوري توماس ماسي، الذي عارض القرار، قال: “هذا ليس دستورياً”، مشيراً إلى أن إيران لم تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة يبرر العمل العسكري المنفرد.
النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ذهبت أبعد، معتبرة أن القرار “انتهاك جسيم للدستور” ويستوجب عزل ترامب.
سياق القرار: إيران والتوترات الإقليمية
جاء قرار ترامب في سياق تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران، حيث بدأت إسرائيل قصف مواقع إيرانية في يونيو 2025 بهدف تدمير برنامجها النووي. ترامب، الذي كان قد أعلن في البداية أنه سيمنح إيران مهلة أسبوعين للتفاوض، عاد وغيّر موقفه فجأة، مدعياً أن إيران باتت قريبة من امتلاك سلاح نووي، وهو ما ناقضته تقارير سابقة للاستخبارات الأمريكية التي أشارت إلى أن إيران ليست على وشك تطوير سلاح نووي.
هذا التناقض أثار تساؤلات حول دوافع ترامب الحقيقية. بعض المحللين رأوا أن القرار جاء لدعم إسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو، بينما اعتبر آخرون أنه محاولة لتعزيز صورته الداخلية كقائد قوي في مواجهة أزمات داخلية، مثل الانتقادات الموجهة إليه بسبب سياساته الاقتصادية أو التوترات مع قاعدته الشعبية.
اتهامات الديكتاتورية: سيطرة على السلطات
لم يكن قرار الحرب على إيران الحادثة الوحيدة التي أثارت اتهامات الديكتاتورية ضد ترامب. منذ بداية ولايته الثانية، اتخذ ترامب خطوات لتعزيز سلطته التنفيذية على حساب الكونغرس والمؤسسات الأخرى. على سبيل المثال، سيطر فعلياً على سلطة الميزانية (power of the purse) التي يفترض أن تكون حصرية للكونغرس، واستخدم القوات المسلحة والشرطة الفيدرالية لأغراض داخلية، مثل قمع الاحتجاجات أو تنفيذ سياسات الهجرة.
في سياق إيران، حذر مقال في مجلة “ذي أتلانتيك” من أن حالة الحرب قد تمنح ترامب ذريعة لتوسيع سلطاته بشكل غير مسبوق. المقال أشار إلى أن ترامب قد يستغل حالة الطوارئ الوطنية لتبرير قمع المعارضة الداخلية أو فرض رقابة على وسائل الإعلام، مستشهداً بتاريخ الرؤساء الأمريكيين الذين اتخذوا إجراءات استثنائية في أوقات الحرب، مثل وودرو ويلسون الذي سجن نشطاء السلام خلال الحرب العالمية الأولى.
ردود الفعل: انقسام سياسي وشعبي
أثار قرار ترامب انقساماً حاداً في الولايات المتحدة. في الكونغرس، دعم معظم الجمهوريين، مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون والسيناتور ليندسي غراهام، قرار الضربات، معتبرين أنه ضروري لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. في المقابل، قاد الديمقراطيون، مثل السيناتور تيم كين والنائب رو خانا، جهوداً لاستعادة سلطة الكونغرس من خلال تقديم قرارات بموجب قانون صلاحيات الحرب تهدف إلى منع ترامب من مواصلة العمليات العسكرية دون موافقة تشريعية.
على مستوى الرأي العام، أظهرت استطلاعات أن غالبية الأمريكيين، بما في ذلك بعض أنصار ترامب، يعارضون الحرب مع إيران، خوفاً من تكرار تجارب العراق وأفغانستان. شخصيات بارزة في الحركة المحافظة، مثل تاكر كارلسون وستيف بانون، عارضوا التدخل العسكري، معتبرين أنه يتعارض مع شعار “أمريكا أولاً” الذي رفعته حملة ترامب.
التداعيات: هل أمريكا تتجه نحو الديكتاتورية؟
قرار ترامب شن الحرب على إيران منفرداً ليس مجرد نزاع دستوري، بل هو مؤشر على اتجاه أوسع نحو تركيز السلطة في يد الرئيس. المحللون يرون أن هذا القرار، إلى جانب سيطرته على المؤسسات الأخرى، يعزز من قدرته على اتخاذ قرارات أحادية، مما يهدد مبدأ الفصل بين السلطات الذي يشكل أساس النظام الديمقراطي الأمريكي.
على الصعيد الدولي، قد يؤدي القرار إلى تصعيد التوترات في الشرق الأوسط، خاصة إذا ردت إيران بهجمات على القواعد الأمريكية أو المصالح الإسرائيلية. هذا التصعيد قد يمنح ترامب مبرراً لتوسيع حالة الطوارئ، مما يعزز من سلطاته الداخلية ويقلل من قدرة الكونغرس أو المحاكم على الرقابة عليه.
قرار دونالد ترامب شن ضربات عسكرية على إيران دون موافقة الكونغرس ليس مجرد انتهاك دستوري، بل هو خطوة خطيرة نحو تعزيز السلطة التنفيذية على حساب الديمقراطية الأمريكية. بينما يدعم البعض قراره كضرورة أمنية، يرى آخرون أنه دليل على طموحات ديكتاتورية تهدد النظام السياسي الأمريكي. مع استمرار الانقسامات السياسية والشعبية، يبقى السؤال: هل سيتمكن الكونغرس من استعادة سلطته، أم أن أمريكا تسير نحو نموذج حكم أكثر استبدادية؟











