بوابة الجزائر الإخبارية : يصل رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر بدعوة من نظيره الجزائري سيفي غريب، غدا الإثنين حاملاً رسالة من الرئيس المالي أسيمي غويتا إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في خطوة تعكس توجه البلدين نحو تعزيز التقارب وإعادة دفع العلاقات الثنائية بين الجزائر وباماكو،بعد أزمة دبلوماسية دامت قرابة 14 شهرا ومن المرتقب أن يحظى الوزير الأول المالي باستقبال من طرف الرئيس تبون، فيما ستتوجّه المحادثات نحو جلسات عمل لإطلاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

ومع توجه دول الساحل الصحراوي نحو مقاربة الحزائر الأكثر براغماتية ، تندرج زيارة مايغا في سياق استعادة العلاقات الجزائرية-المالية لمسارها الطبيعي، كما تأتي الزيارة عقب الاتصال الهاتفي الذي جرى في 9 أوت بين رئيسي الوزراء، والذي اقترحت خلاله الجزائر رسمياً تنظيم هذه الزيارة، فضلا عن إعادة سفيري البلدين وفتح المجال الجوي بين البلدين جويلية الماضي، بما يعكس توجهاً نحو تطبيع تدريجي للعلاقات. وبالنسبة إلى باماكو، فإن العودة إلى الجزائر تعكس سعيا إلى توسيع هامش تحركها اقليميا، انطلاقاً من حقيقة جغرافية وسياسية ثابتة لا يمكن تجاوزها : الجزائر جار مباشر، وشريك أساسي واستراتيجي في الملفات الأمنية والاقتصادية والتنموية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى الرهان الذي تبنته مالي خلال السنوات الماضية على المبادرة المغربية في الساحل. فقد روجت الرباط لمشاريع ووعود استثمارية بفتح منافذ نحو المحيط الأطلسي وإطلاق آفاق اقتصادية جديدة لدول مالي والنيجر وبوركينافاسو والتشاد لتسويق منتجاتها، وتحقيق تنمية شاملة وتقديم نفسها كبوابة اقتصادية نحو الأسواق الدولية غير أن الفجوة بين الوعود والنتائج الملموسة باتت أكثر وضوحا مع محدودية ما تحقق فعليا على أرض الواقع في المقابل يواجه المغرب من اختلالات اقتصادية وأزمات احتماعية عميقة خاصة مع تحول الرباط إلى جار سيء السمعة وهو مازاد من عزلته الدولية بعد تورطه وفق ما كشفته التقارير الدولية في استخدام ملف الهجرة كورقة للضغط والابتزاز السياسي بعد تسهيل عبور نحو 70ألف مهاجر مغربي غير شرعي فروا من جحيم محمد السادس باتجاه جيب سبتة الإسباني
في المقابل، تفرض التجربة الجزائرية نفسها من خلال مقاربة تقوم على التعاون المباشر والنتائج الميدانية، خصوصاً في مجالات الأمن والطاقة والبنى التحتية والتنمية. وتبرز تجربة النيجر مثالاً على ذلك، بعدما أعادت نيامي والجزائر تفعيل آليات التعاون بينهما، وصولاً إلى إنجاز مشاريع ملموسة، من بينها محطة كهرباء أنجزتها الجزائر في النيجر كهبة، فضلاً عن دعم القدرات العسكرية للجيش النيجري.



وتبرز هذه المقاربة أيضاً في التعاون الأمني مع دول المنطقة، في ظل تصاعد التهديدات المسلحة والجريمة المنظمة العابرة للحدود وتنطلق الجزائر في ذلك من رؤية تعتبر من خلالها أن أمنها الاستراتيجي المباشر يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار وأمن دول جوارها، وهو ما تجسّد عملياً في الدعم الذي قدمته للنيجر، من خلال هبة تمثلت في أربع مروحيات عسكرية، إلى جانب ذخائر وقطع غيار ووعتاد عسناد وصيانة، بما يعكس انتقال التعاون الأمني من مستوى الخطاب السياسي إلى الدعم الميداني المباشر
ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة مايغا إلى الجزائر أبعد من مجرد محطة بروتوكولية؛ فهي تعكس عودة منطق الواقعية إلى حسابات باماكو، حيث تتقدم المصالح المباشرة على الوعود بعيدة المدى. فالجغرافيا، وأمن الحدود، والطاقة، والبنى التحتية، والتبادل التجاري، والتنمية، كلها عوامل تدفع دول الساحل إلى إعطاء الأولوية للشراكات القادرة على إنتاج نتائج ملموسة.
وبالنسبة إلى مالي، تبدو الرسالة واضحة: الانتقال من الرهانات والوعود إلى شراكات الجوار التي يمكن ترجمتها إلى مشاريع واستثمارات وتعاون أمني واقتصادي فعلي. ومن هنا، قد تشكل زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر بداية مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية-المالية، وتعزيزاً للحضور الجزائري القائم على البراغماتية والنتائج الملموسة في منطقة الساحل، في وقت تتراجع فيه جاذبية الرهان المغربي وتزداد صعوبة تحويل طموحات الرباط الإقليمية إلى واقع اقتصادي وتنموي.


















