بوابة الجزائر الإخبارية: قبل أن تصف Financial Times التمدد الإماراتي في إفريقيا بأنه اندفاعة ذات طابع «إمبراطوري»، وقبل أن تتعقب Human Rights Watch مرتزقة كولومبيين عبر منشآت عسكرية في الإمارات إلى السودان، وقبل أن تكشف رويترز أن فدية بقيمة 50 مليون دولار موّلت هجومًا لتنظيم القاعدة في مالي وأن ثلاثة مصادر إقليمية نسبت دفعها إلى الإمارات، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد اختصر في مارس 2024 خريطة الخطر في ثلاث دول بالاسم: مالي وليبيا والسودان.

لم تكن عبارته آنذاك عامة. قال إن أموال دولة عربية لم يسمها توجد «في كل الأماكن التي فيها تناحر»، ثم عدد مالي وليبيا والسودان، قبل أن يحذر من محاولة التعامل مع الجزائر بالطريقة نفسها ويعلن أن «للصبر حدودًا». وبعد أكثر من عامين، تبدو أهمية ذلك التصريح أقل في حدته اللفظية وأكثر في دقة الجغرافيا التي اختارها الرئيس؛ فالساحات الثلاث التي حددها تحولت تباعًا إلى موضوع تقارير أممية وتحقيقات دولية في السلاح والذهب والمرتزقة والتمويل وشبكات النفوذ المرتبطة بالإمارات.
هذا لا يعني أن التحقيقات أثبتت أن كل اتهام جزائري كان صحيحًا، ولا أن الرئيس سمّى الإمارات رسميًا في كل تلك المناسبات؛ في الواقع، حافظ تبون طويلًا على عدم ذكرها بالاسم، رغم أن السياق وردود الفعل الإماراتية والقرارات الجزائرية اللاحقة لم تترك مجالًا واسعًا للالتباس. لكن وضع التصريحات على خط زمني واحد، ثم إسقاط ما تكشف لاحقًا من أدلة وتحقيقات فوقه، يُظهر أن الجزائر كانت تقرأ مبكرًا نمطًا وليس حادثة منفردة: رأس مال ضخم يتحرك خارج الحدود، موانئ وأصول استراتيجية، علاقات مع أطراف مسلحة، وأدوات أمنية ومالية تتجاوز بكثير مفهوم الاستثمار التقليدي.

يناير 2024.. الإنذار خرج أولًا من مجلس الأمن الأعلى
البداية الرسمية لم تكن تصريحًا فرديًا من الرئيس. ففي 10 جانفي 2024، ترأس عبد المجيد تبون اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن خُصص للوضع الداخلي والتطورات الأمنية في الجوار والساحل، وانتهى البيان إلى التعبير عن الأسف إزاء «تصرفات عدائية» صادرة عن «بلد عربي شقيق» تجاه الجزائر، من دون تسمية ذلك البلد. وسائل الإعلام والمراقبون ربطوا الإشارة مباشرة بالإمارات. ولذلك ينبغي تسجيل هذه المحطة بصفتها أول إنذار مؤسساتي لا تصريحًا شخصيًا لتبون ضد أبوظبي.
كانت المنطقة في ذلك الوقت تتغير بسرعة. مالي أنهت عمليًا مسار اتفاق الجزائر، ليبيا بقيت منقسمة بين سلطات ومراكز قوة متنافسة، والسودان دخل منذ أفريل 2023 حربًا مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وفي الخلفية، كان الدعم الإماراتي السابق لمعسكر خليفة حفتر في ليبيا موثقًا منذ سنوات؛ فقد نقلت Human Rights Watch عن تقرير خبراء أمميين أن الإمارات كانت من الأطراف التي خرقت حظر السلاح الليبي، فيما وثق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية جسرًا جويًا إماراتيًا كبيرًا خلال حملة غرب ليبيا في 2020.
بذلك لم يكن القلق الجزائري منفصلًا عن وقائع المنطقة. الجزائر، التي تعتبر انهيار الدولة في ليبيا أو الساحل تهديدًا مباشرًا لحدودها، كانت ترى أن دخول قوى مالية وعسكرية خارجية إلى هذه الساحات يغيّر التوازنات المحيطة بها.

مارس 2024.. تبون يرسم الخريطة: مالي، ليبيا، السودان
جاء التحول الحقيقي مساء 30 مارس 2024، عندما تحدث تبون للمرة الأولى علنًا وبالتفصيل عن الأزمة مع الدولة الخليجية المقصودة، مع الاستمرار في عدم تسميتها.
بدأ بنبرة أبقت الباب الدبلوماسي مفتوحًا، فقال إن الجزائر لا تستخدم العنف اللفظي وإنها ما تزال تعتبر الطرف الآخر «أشقاء»، لكنه انتقل سريعًا إلى الاتهام، فوصف التصرفات بأنها غير منطقية وربطها بـ«الغرور» وعدم تقبل أن ترفض الجزائر بعض الطلبات. ثم وضع خطًا أحمر: الجزائر «لا تنحني»، ومن يعتقد أنه يستطيع التعامل معها كما يتعامل مع دول أخرى «يخطئ».
غير أن العبارة الأكثر أهمية جاءت عندما قال: «في كل مكان يوجد فيه صراع، نجد أموال هذه الدولة: في مالي، في ليبيا، في السودان»، ثم ختم بأن الجزائر تريد التعايش السلمي لكن «للصبر حدودًا».
هذه الجملة هي مفتاح قراءة كل ما حدث بعد ذلك. فالرئيس لم يقل إن هناك خلافًا تجاريًا بين الجزائر والإمارات، ولم يركز على استثمار بعينه. وضع المال في صلب اقتصاد النزاعات: من يمول؟ من يتحالف مع من؟ من يستطيع عبر موارده المالية إعادة تشكيل التوازن داخل دولة ضعيفة؟
وكان الرد الإماراتي غير المباشر سريعًا. ففي 2 أفريل، كتب المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش عن «دولة شقيقة بعيدة» تستخدم التلميح والغمز تجاه الإمارات، وقال إن أبوظبي ستختار عدم الرد والصبر. وعلى الرغم من أن الطرفين حافظا على عدم تسمية بعضهما مباشرة، فقد أكد الرد عمليًا أن الرسالة فُهمت في أبوظبي باعتبارها موجهة إليها.
ثم بدأت الوقائع الدولية تضيف طبقات إلى التحذير الجزائري. بعد شهرين فقط، في ماي 2024، خلص تحقيق واسع لـSWISSAID إلى أن 435 طنًا من الذهب بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار خرجت من إفريقيا بصورة غير معلنة في 2022، وأن الإمارات كانت الوجهة الرئيسية، مستقبلة نحو 405 أطنان. وخلال العقد السابق، تجاوز الذهب الإفريقي غير المسجل في صادرات دول المنشأ الذي ظهر في واردات الإمارات 2500 طن بقيمة تفوق 115 مليار دولار. وردت أبوظبي بأنها شددت التشريعات والرقابة ولا يمكن تحميلها مسؤولية سجلات التصدير لدى الدول الأخرى.
هذه لم تكن بعد إجابة مباشرة عن مالي أو ليبيا أو السودان، لكنها كشفت البنية المالية الأوسع: دبي لم تعد فقط سوقًا للذهب، بل أصبحت ممرًا مركزيًا لثروة إفريقية يتسرب جانب ضخم منها خارج السجلات الرسمية لبلدانها الأصلية.

2025.. من التحذير من دولة إلى التحذير من نموذج تدخل
بحلول أكتوبر 2025، أصبح خطاب تبون أكثر تحديدًا في الداخل الجزائري. ففي كلمة خلال زيارته إلى وزارة الدفاع، قال إن علاقات الجزائر جيدة مع دول الخليج «باستثناء دولة واحدة» رفض ذكر اسمها، ثم ربط المشكلة بالتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولة «الخراب في بيتي» في مسائل قال إن الجزائر لم تسمح حتى لقوى كبرى بالتدخل فيها.
هنا تطورت الرسالة من اتهام تلك الدولة بالتدخل في صراعات الجوار إلى اتهامها بمحاولة نقل منطق التدخل إلى الداخل الجزائري نفسه.
وبعد شهر، في 11 نوفمبر 2025، استخدم تبون أثناء استقباله الرئيس الصومالي لغة أقل تلميحًا في الملف السوداني، فاعتبر أن السودان يعيش مأساة حقيقية بسبب «تدخلات سافرة تؤجج الفتنة»، ودعا إلى وقف تدخلات وصفها بأنها وخيمة العواقب ومتجاوزة لقواعد التعاون العربي والإفريقي. لم يسم الإمارات في ذلك التصريح أيضًا، لكن السياق أصبح أثقل بعدما كانت تقارير دولية قد بدأت تربط أبوظبي بصورة متزايدة بقوات الدعم السريع.
وبالفعل، كانت منظمة العفو الدولية قد وثقت في جويلية 2024 أسلحة ومعدات حديثة من عدة دول، بينها الإمارات، داخل حرب السودان. ثم رفعت المنظمة مستوى اتهامها في 8 ماي 2025 بعدما حللت ذخائر وقنابل موجهة ومدافع صينية، وخلصت إلى أن أسلحة متطورة «من شبه المؤكد» أنها أعيد تصديرها من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، معتبرة ذلك خرقًا لحظر السلاح في دارفور. أبوظبي ظلت تنفي دعم أي طرف في الحرب.
أما القضية التي رفعها السودان ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، فتم شطبها في ماي 2025 لأن المحكمة لا تملك الاختصاص بسبب تحفظ إماراتي على بند الاختصاص في اتفاقية الإبادة الجماعية. وهذه نقطة حاسمة مهنيًا: المحكمة لم تبرئ الإمارات من الوقائع ولم تثبتها؛ قالت صراحة إنها غير قادرة على النظر في جوهر الاتهامات.

ديسمبر 2025.. تونس تدخل دائرة الأمن الوطني الجزائري
في 30 ديسمبر 2025، توسع التصور الرئاسي من حماية الجزائر إلى حماية المجال الأمني المحيط بها. أمام البرلمان، حذر تبون من محاولات إثارة الاضطراب والفصل بين الجزائر وتونس، وأعاد التأكيد أن أمن البلدين مترابط وأن الجزائر نفسها لا تتدخل ولو «مثقال ذرة» في الشأن الداخلي التونسي.
لم يسم الرئيس الإمارات في هذا الموضع، ولذلك لا يصح إدراجه كاتهام مباشر لأبوظبي. لكنه مهم في الكرونولوجيا لأنه يوضح العقيدة التي كان يبني عليها خطابه: عدم التدخل ليس شعارًا تستعمله الجزائر ضد خصم بعينه، وإنما مبدأ تعتبره جزءًا من أمنها الإقليمي.
وبذلك صار الاصطدام مع أبوظبي أكثر وضوحًا. الجزائر ترى استقرار الدولة المجاورة أصلًا استراتيجيًا، بينما كانت تشك في شبكات خارجية تستخدم المال والتحالفات المحلية لتعديل موازين تلك الدول.

فيفري 2026.. الاتهام ينتقل إلى الانتخابات والمال الاستثماري
في 7 فيفري 2026، انتقل تبون إلى مستوى غير مسبوق. خلال لقائه الدوري مع الصحافة، استعرض علاقات الجزائر الوثيقة مع السعودية والكويت وقطر ومصر، ثم قال إن هناك «دولة، حتى لا أقول دويلة» تختلف عنها الجزائر، واتهمها لأول مرة علنًا بمحاولة التدخل في الانتخابات الجزائرية، قائلاً إنها تدخلت في «الانتخابات الأولى ثم الثانية» وفي ملفات أخرى.
ثم فتح ملفًا اقتصاديًا أكثر حساسية: الاستثمار والتحكيم الدولي. فقد قال إن الطرف المقصود يهدد الجزائر بالتحكيم بسبب استثماراته، ورد بأن عليه الذهاب إلى التحكيم، قبل أن يختم بتحذير شديد: «لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه».
هذه اللحظة مهمة لأنها تكشف أن تصور تبون للخطر لم يعد محصورًا في تمويل النزاعات المسلحة. وفق الخطاب الرئاسي، باتت المسألة تشمل ثلاث أدوات مختلفة: التدخل السياسي، رأس المال، والضغط القانوني الدولي.
وفي اليوم نفسه تقريبًا انتقلت الجزائر من الكلام إلى الإجراء، وشرعت في إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، مع إخطار الجانب الإماراتي ومنظمة الطيران المدني الدولي وفق الآليات القانونية. وأكدت رويترز القرار، مشيرة إلى أن تبون كان قد اتهم الدولة المقصودة بالتدخل وزعزعة الاستقرار.
هذا التزامن يعطي خطاب فيفري قيمة مختلفة عن تصريحات 2024: الجزائر أصبحت مستعدة لخفض امتيازات اقتصادية ثنائية عندما تعتبر أن كلفة العلاقة السياسية والأمنية تجاوزت فائدتها.
جويلية 2026.. أقسى عبارة: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»
بلغ التصعيد ذروته في المقابلة الرئاسية التي بثت في 27 جويلية 2026.
هذه المرة وصف تبون الطرف المقصود بأنه «دولة صغيرة» ذات أثر «سلبي جدًا»، ثم أطلق العبارة الأكثر حدة في كل الكرونولوجيا: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، مضيفًا أن الجزائر تملك أدلة ولا تتحدث من فراغ.
ثم شرح سبب عدم قطع العلاقات بالكامل، قائلاً إن العالم العربي يعاني أصلًا انقسامات كثيرة وإن الجزائر لا تريد زيادتها، مضيفًا أنه لولا ذلك لقطعت العلاقات منذ زمن مع «هذه الدويلة» التي قال إنه لا يصدر عنها سوى «الإذلال والفتنة». وفي السياق نفسه، ربط أمن تونس مباشرة بأمن الجزائر وحذر من محاولات عزلها أو إدخال الإرهاب إليها.
يمكن قراءة هذه المرحلة بسهولة باعتبارها مجرد انفجار لغوي في أزمة دبلوماسية. لكن التوقيت يجعل القراءة أكثر تعقيدًا، لأن الأشهر والأسابيع السابقة واللاحقة حملت تحقيقات يصعب فصلها عن المفردات التي استخدمها الرئيس.

ثم جاءت الوثائق: المرتزقة والسلاح ومسارات السودان
في ماي 2026، نشرت Human Rights Watch تحقيقًا موسعًا حول الكولومبيين الذين يقاتلون مع قوات الدعم السريع. وبحسب المنظمة، جرى تدريب مئات المتعاقدين على أيدي إماراتيين في منشآت عسكرية داخل الإمارات قبل إرسالهم إلى السودان، وظهرت شركة Global Security Services Group، ومقرها أبوظبي، في عملية التجنيد. الإمارات نفت ذلك بصورة صريحة وقالت إنها لا تسمح باستخدام أراضيها لتجنيد أو تدريب أو تمويل أو عبور مقاتلين إلى النزاعات الخارجية.
ثم جاءت Financial Times في أوت 2026 لتوسع الصورة بصورة كبيرة، مقدرة عدد الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان بنحو 2000 مقاتل، بعد تحليل شهادات ومسارات سفر وبيانات أجهزة ومواقع لوجستية عبر الإمارات وليبيا وبوصاصو في الصومال وتشاد. بعض هؤلاء تلقى، وفق التحقيق، تدريبًا على الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
قبلها، كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت في ديسمبر 2025 عقوبات على شبكة تجنيد كولومبية وفرت لقوات الدعم السريع مقاتلين ومدربين ومشغلي طائرات مسيرة ومدفعية، وحددت ضابطًا كولومبيًا متقاعدًا مقيمًا في الإمارات كعنصر مركزي. لكنها لم تنسب الشبكة رسميًا إلى الحكومة الإماراتية، وهو فارق يجب الحفاظ عليه.
وقبل المرتزقة، كان هناك مسار جوي آخر. فقد تتبعت رويترز في ديسمبر 2024 عشرات الرحلات من الإمارات إلى مطار أم جرس في تشاد، وهو خط قالت مصادر أممية ودبلوماسية إنه يثير شبهات بشأن إمداد قوات الدعم السريع، فيما أكدت الإمارات أن الرحلات إنسانية.
لذلك، عندما قال تبون في جويلية 2026 إن «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، كانت أمامه بالفعل سنوات من الاتهامات الدولية المتراكمة؛ وما حدث بعد ذلك هو أن التحقيقات أصبحت أكثر تفصيلًا وأقرب إلى شبكات الأفراد والشركات ومسارات الحركة.

مالي.. أخطر تقاطع مع تصريح مارس 2024
لكن أقوى اختبار لفكرة «الاستشراف» ربما لا يوجد في السودان، بل في مالي. في مارس 2024 وضع تبون مالي في أول قائمة الدول التي قال إن أموال الدولة التي يحذر منها توجد في نزاعاتها.
وفي أوت 2026، كشف تقرير لفريق خبراء يتابع القاعدة وتنظيم الدولة لحساب مجلس الأمن أن فدية بنحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر 2025 لتحرير رهينة أسهمت بصورة رئيسية في تمويل هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، وذهب جزء منها إلى قيادة القاعدة وفروع أخرى. التقرير الأممي نفسه لم يسم الرهينة ولا الجهة التي دفعت المال. لكن ثلاثة مصادر إقليمية قالت لرويترز إن الدولة التي دفعت الفدية هي الإمارات، وإن مواطنًا إماراتيًا كان بين المفرج عنهم. أبوظبي لم تؤكد أو تنفِ الواقعة المحددة، وقالت إنها ثابتة في مكافحة الإرهاب وقطع تمويله.
وتتضاعف دلالة الرقم لأن الفدية المعتادة للأجانب، وفق المصادر التي تحدثت إليها رويترز، كانت غالبًا في نطاق 4 إلى 6 ملايين دولار؛ أما مبلغ 50 مليون دولار فقد وصفه الخبراء بأنه دفعة مالية غير عادية، وأكد التقرير الأممي أن الأموال لعبت دورًا رئيسيًا في تمويل الهجوم عبر مالي. كما ذكر أن تنظيم JNIM يضم ما بين 7000 و8000 مقاتل، نصفهم تقريبًا داخل مالي.
هنا يصبح التقاطع مع كلام تبون في 2024 شديد الحساسية: الرئيس حذر من «المال» تحديدًا في مالي، ثم تأتي بعد عامين وثيقة أممية تقول إن ضخًا ماليًا واحدًا بـ50 مليون دولار غيّر القدرة العملياتية لشبكة جهادية هناك، فيما تنسب مصادر إقليمية لرويترز الدفع إلى الإمارات.
هذا لا يحول المصادر الإقليمية إلى حكم قضائي ولا يجعل نسبة الدفع للإمارات حقيقة أممية؛ التقرير الأممي لم يسمها. لكنه يجعل التحذير الجزائري القديم أبعد بكثير من مجرد خصومة سياسية.
ليبيا.. الساحة التي سبقت التحذير أصلًا
أما ليبيا، فقد كان المسار أكثر وضوحًا لأنه سابق لتصريحات تبون بسنوات. تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وثقت الدعم الإماراتي للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خلال الحرب على طرابلس، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والجسر الجوي والمعدات، بينما أشار تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى ما لا يقل عن 160 رحلة جوية من قواعد إماراتية إلى ليبيا ومصر بين جانفي وماي 2020 خلال التصعيد العسكري.
ولهذا عندما جمع الرئيس مالي وليبيا والسودان في جملة واحدة عام 2024، كانت ليبيا بالنسبة إلى المؤسسة الجزائرية نموذجًا قائمًا فعلًا لما يمكن أن يفعله التمويل الخارجي والسلاح والوكالة العسكرية في دولة مجاورة.
وزادت حساسية الملف في 2024 عندما تحركت قوات حفتر باتجاه غدامس والمناطق القريبة من الحدود الجزائرية والتونسية، ودفع ذلك تبون إلى التحذير من أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا مُست مصالحها أو أمنها القومي.
الموانئ والذهب.. حين يصبح النفوذ اقتصاديًا قبل أن يصبح عسكريًا
غير أن قراءة تبون لا تكتمل إذا اختزلناها في المرتزقة والحروب. التحقيق الكبير الذي نشرته Financial Times في أوت 2026 رسم نموذجًا أوسع بكثير: أكثر من 168 مليار دولار من المشاريع الإماراتية المعلنة في إفريقيا منذ 2017، إلى جانب توسع في الموانئ والمعادن والأراضي الزراعية والطاقة واللوجستيك. الرقم يتعلق بإعلانات استثمارية وليس بالضرورة أموالًا نُفذت بالكامل، لكنه يعكس اتساع مجال الحركة الإماراتية.
القضية ليست أن الاستثمار في الميناء أو المنجم فعل عدائي؛ هذه أنشطة اقتصادية مشروعة تحتاجها إفريقيا. ما يثير التحفظ الجزائري هو تراكم القدرة على نقاط الاختناق نفسها: ميناء، ممر تجاري، مورد معدني، مركز مالي، ثم حضور أمني أو علاقات مع قوى محلية مسلحة.
والذهب يوفر أوضح مثال. فإذا كانت الإمارات أكبر مقصد للذهب الإفريقي غير المسجل في سجلات التصدير، فإن التأثير لا يقاس بما تملكه أبوظبي داخل المنجم فقط، بل بقدرتها على جعل دبي المكان الذي تتحول فيه المادة الإفريقية إلى مال عالمي قابل للتداول. وهذا يمنح المركز المالي نفوذًا على الاقتصاد المحيط بالثروة، لا على الثروة فقط.
وهنا كذلك ينبغي التعامل بحذر مع عبارة «شراء الذمم» المتداولة سياسيًا. لا توجد في المصادر التي راجعتها وثيقة تثبت أن الحكومة الإماراتية تعتمد دفع الرشى لمسؤولين أفارقة كسياسة دولة ممنهجة. الموجود أقوى في اتجاه آخر: تحقيق Dubai Unlocked الذي نسقته OCCRP مع أكثر من 70 مؤسسة إعلامية كشف أن سوق دبي العقارية استقطبت سياسيين وشخصيات متهمة بالفساد ومشتبهًا في غسل الأموال وأفرادًا خاضعين لعقوبات، مستفيدة من السرية المالية والضرائب المنخفضة وسوق العقار. هذا يثبت وجود بيئة شديدة الجاذبية للأموال والنخب، لكنه لا يسمح بتحويل كل علاقة إماراتية مع مسؤول إفريقي إلى «رشوة» بلا دليل.
وهذا التمييز مهم جدًا، لأن قوة الحجة الجزائرية لا تحتاج إلى مبالغة يمكن إسقاطها بسهولة.
حتى لندن.. مرتزق ممول إماراتيًا خارج ساحات إفريقيا
ثم جاء 19 أوت 2026 ليضيف بعدًا آخر لا يتعلق بإفريقيا أصلًا. تحقيق لـITV News كشف أن المتعاقد الأمني أبراهام غولان، الذي سبق أن ارتبط بعمليات استهداف في اليمن لصالح الإمارات، أدار في ديسمبر 2016 عملية مراقبة داخل لندن ضد الناشط البريطاني أنس التكريتي. واستند التحقيق إلى سجلات مالية ورسائل ومحادثات وشهادات، وقال إن غولان كان يتلقى أموالًا إماراتية خلال العملية، وإن الفريق صوّر منزل التكريتي وسيارته وحاول استدراجه عبر وسيط عرض عليه ما يصل إلى 100 ألف جنيه إسترليني. كما أظهرت السجلات، بحسب التحقيق، حصول غولان على مكافأة بمليون دولار قبل أسابيع من لندن عن عملية في اليمن.
التحقيق لم يثبت أن الحكومة الإماراتية أمرت مباشرة بقتل التكريتي، ولا أن أمرًا إماراتيًا صدر بتنفيذ العملية في لندن. وهذه حدود يجب الحفاظ عليها. لكن أهميته بالنسبة إلى الصورة الأكبر أنه يضيف مثالًا جديدًا على استخدام متعاقدين أمنيين ممولين إماراتيًا خارج الحدود التقليدية للدولة.
وحين يوضع إلى جانب ملف الكولومبيين في السودان، يصبح مفهوم «المرتزقة» أو الشركات العسكرية الخاصة جزءًا ثابتًا من النقاش حول أدوات القوة الإماراتية، وليس اتهامًا جزائريًا منفردًا.
من التحذير إلى العقيدة: لماذا تبدو قراءة تبون استشرافية؟
استشرافية خطاب تبون لا تأتي من أنه تنبأ بتقرير بعينه أو عرف مسبقًا ما ستنشره «فايننشال تايمز». القيمة توجد في شيء أدق: أنه حدد مبكرًا بنية الخطر التي ستصبح موضوع التحقيقات لاحقًا.
في مارس 2024 تحدث عن المال لا عن الجيش الإماراتي. ذكر مالي وليبيا والسودان لا خلافًا ثنائيًا اقتصاديًا محدودًا.
في أكتوبر 2025 انتقل إلى التدخل في الداخل. في نوفمبر أعاد التركيز على التدخلات التي تؤجج الحرب السودانية. في فيفري 2026 تحدث عن الانتخابات والاستثمار والتحكيم، أي أدوات النفوذ السياسي والمالي.
وفي جويلية 2026 انتهى إلى وصف أكثر شمولًا: أثر سلبي يرافقه الدم، مع تأكيد امتلاك الجزائر أدلة. وبموازاة تطور هذا الخطاب، كانت الأدلة الخارجية تتحرك في الاتجاه نفسه: ذهب بعشرات المليارات، أسلحة يقال إنها أعيد تصديرها إلى السودان، عشرات الرحلات الجوية المثيرة للشبهات، شبكة تجنيد كولومبية، نحو 2000 مقاتل، فدية هائلة مولت القاعدة في مالي، وموانئ واستثمارات ترسم خريطة نفوذ أوسع من حجم الدولة الخليجية نفسها.
ومع ذلك، تبقى هناك حدود للنتيجة الصحفية: الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع، وتنفي السماح باستخدام أراضيها لتجنيد مرتزقة، وتدافع عن استثماراتها الإفريقية بوصفها شراكات تنموية واحترامًا لسيادة الدول. وردًا على سلسلة «فايننشال تايمز»، قالت وزارة الخارجية الإماراتية إن أبوظبي التزمت بأكثر من 110 مليارات دولار لمشاريع إفريقية بين 2019 و2023، منها نحو 70 مليارًا للتنمية والطاقة المتجددة.
لكن هذه الردود لم تعد كافية لإغلاق الملف، لأن مصدر الأسئلة لم يعد الجزائر وحدها.
الجزائر لم تكن تحذر من ثراء الإمارات.. بل من وظيفة المال
هنا تحديدًا توجد الخلاصة الأكثر أهمية في كرونولوجيا تبون. لم يعترض الرئيس على أن الإمارات دولة غنية، ولم يجعل حجم استثماراتها في إفريقيا موضوع المشكلة. الجزائر نفسها تبحث عن الاستثمار وتتعاون مع دول الخليج، وقد حرص تبون في كل مرة تقريبًا على الفصل بين خلافه مع الدولة المقصودة وعلاقاته الوثيقة مع السعودية وقطر والكويت وعُمان.
المشكلة في خطابه كانت دائمًا ماذا يفعل المال عندما يغادر الاقتصاد ويدخل السياسة الداخلية والحرب؟
فالمال الذي يبني مصنعًا أو ميناءً تجاريًا يمكن أن يخلق قيمة. لكن المال الذي يصل إلى فصيل مسلح أو يُضخ في فدية تعزز قدرة تنظيم إرهابي أو يمول شبكة مرتزقة أو يستخدم كورقة ضغط على القرار السيادي يدخل في معادلة أخرى تمامًا.
وهذه هي النقطة التي التقطها تبون مبكرًا. كما أنها تفسر لماذا تبدو المقاربة الجزائرية لإفريقيا معاكسة بنيويًا. الجزائر تراهن على مشاريع مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، وعلى البنك الإفريقي للطاقة، وعلى الاستثمار في دول الساحل؛ وهي مشاريع ترتفع قيمتها عندما تستقر الدولة الجارة وتزداد قدرتها الاقتصادية. أما تحويل الدولة إلى ساحة صراع فهو، بالنسبة إلى الجزائر، خسارة مباشرة للأمن والتجارة والطاقة والحدود.
لذلك لم تكن عبارة «للصبر حدود» في مارس 2024 نهاية خطاب؛ كانت بداية كرونولوجيا تصاعدية. وبعدها بعامين جاءت العبارة الأشد: «أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم».
بين العبارتين تغيرت أشياء كثيرة: ظهرت بيانات الذهب، واتسع ملف السودان، ودخلت الأسلحة الصينية في التحقيقات، وفُرضت العقوبات على شبكات المرتزقة، وانكشف مسار الكولومبيين، وخرج تقرير أممي عن 50 مليون دولار أعادت تشكيل تمويل القاعدة في مالي، ثم جاءت «فايننشال تايمز» لتضع الموانئ والمناجم والذهب والقوة الأمنية داخل قصة واحدة.
لهذا لا تكمن قوة قراءة الرئيس عبد المجيد تبون في حدة كلماته، بل في أن الجغرافيا التي حذر منها في 2024 هي نفسها التي أصبحت في 2026 مسرحًا لأثقل التحقيقات الدولية حول النفوذ الإماراتي.
مالي: المال والقاعدة، ليبيا: السلاح وحفتر.، السودان: الذهب والأسلحة والمرتزقة، ودبي: المركز الذي تلتقي فيه التجارة والمال والثروات الإفريقية والنخب.
أما الجزائر، فكان موقفها منذ البداية واحدًا: لا أحد يشتري حقه في إعادة تشكيل جوارها، ولا يتحول الاستثمار إلى رخصة للتدخل في سيادة الدول.
وهذا ما يجعل كرونولوجيا تصريحات تبون اليوم أكثر من سجل لخلاف جزائري-إماراتي؛ إنها تبدو، بعد ما كشفته التحقيقات، سجلًا مبكرًا لمعركة أوسع حول من يملك القرار في إفريقيا: الدولة الإفريقية نفسها، أم رأس المال الخارجي عندما يتحول من شريك اقتصادي إلى أداة نفوذ؟









