مقال رأي بقلم: إسماعيل مليلي كاتب وباحث جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية : تأتي زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس المقررة يومي 13 و14 أكتوبر 2026 إلى سبتة ومليلية، بمثابة محطة جديدة في صراع سيادي على المنطقة يمتد لقرون. تُعتبر سبتة ومليلية امتدادا طبيعيا للأراضي المغربية جغرافيا وتاريخيا، احتفظت بهما إسبانيا بعد انتهاء الحماية على المغرب عام 1956، ومن المؤكد أنه لا يوجد أي مسار تفاوضي رسمي أو قرار أممي ملزم لأي طرف بشأن المنطقة؛ فالملف يُعالج دبلوماسيا بين الرباط ومدريد، حيث تتأرجح العلاقات بين رفع التوتر وخفضه، حسب المصالح السياسية والاقتصادية للبلدين، ولا توجد أي دولة أخرى هي طرف في هذا النزاع.

في حين تعود جذور النزاع في الصحراء الغربية إلى عهد الاستعمار الإسباني، الذي فرض سيطرته على المنطقة بداية من عام 1884، وظلت الصحراء الغربية المكونة من إقليمي وادي الذهب والساقية الحمراء، مستعمرة منفصلة لا ترتبط قانونيا بالمغرب أو موريتانيا، وفقا لمعاهدات دولية، كاتفاق مدريد عام 1912، ومع انسحاب الاستعمار الإسباني وتزايد الضغط الدولي، شهد العام 1975 منعطفا حاسما، حيث أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري، الذي أكد على وجود روابط قبلية بين سكان المنطقة ودولتي المغرب وموريتانيا، لكنها في الوقت نفسه أقرت حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير، وفي 14 نوفمبر من العام ذاته، وقّعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا اتفاق مدريد، الذي بموجبه تقاسمت الدولتان الأرض، وسحبت إسبانيا قواتها دون أي استفتاء، يعتقد المغاربة أن المسيرة الخضراء هي زحف مغربي أخرج الإسبان، في حين يرى ملاحظون أن المدينتين المغربيتين مازالتا تقبعان تحت الاستعمار، وهما أولى بأي مناورات سياسية أو شعبية ودولية لمقاومة الاستعمار الاسباني، وبسط السيادة المغربية على المدينتين المغتصبتين، إلا أن المغرب تجاهل الاحتكاك مع الاسبان، واختار المطالبة بالصحراء الغربية التي هي في الأساس منطقة خاضعة لقوانين الأمم المتحدة، وتعتبر قضية تصفية استعمار في الأساس.
رفض سكان الصحراء الغربية هذا الواقع الجديد، واندلعت المواجهات بعد أن بسط المغرب سيطرته على ثمانين في المائة من الإقليم، بينما استولت موريتانيا على النسبة المتبقية جنوبا، قبل أن تنسحب منها بالكامل عام 1979 تحت وطأة الضغط العسكري، وفي 10 مايو 1973، وتحت شعار “الحرية وتقرير المصير”، تأسست جبهة البوليساريو على يد الوالي مصطفى السيد، ومجموعة من الطلبة والناشطين الصحراويين، لتكون الإطار الجامع للمقاومة ضد الوجود الإسباني أولا، ثم ضد الوجود المغربي والموريتاني لاحقا، وفي 27 فبراير 1976، أعلنت جبهة البوليساريو قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي حظيت باعتراف عدد من الدول والمنظمات، وانضمت إلى منظمة الوحدة الأفريقية “الاتحاد الأفريقي” حاليا، وخلال سنوات الحرب التي امتدت حتى أوائل التسعينيات، تمكنت الجبهة بفضل دعم أساسي من دولة الجزائر، من الحفاظ على وجود عسكري وسياسي، وفرضت واقعا ميدانيا، تمثل في السيطرة على المناطق الواقعة شرق الجدار الدفاعي الذي أقامه المغرب، وبالمناسبة ذكر لي أحد الدبلوماسيين الذي عمل في ليبيا في تلك الفترة الزمنية، أن العقيد معمر القدافي كان يدعم جبهة البوليساريو، بشكل سري عبر ممرات آمنة في افريقيا.
في العام 1991، توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أممية، أنشت بموجبه بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء المينورسو في الصحراء الغربية، وكُلفت بمراقبة الهدنة وتنظيم استفتاء يخير السكان بين الاستقلال أو الاندماج، لكن الخلاف حول من يحق له التصويت عطل إجراء الاستفتاء على مدار عقود متتالية، وتعاقبت جهود المبعوثين الأمميين دون نتيجة حاسمة، وفي عام 2020، انهار اتفاق وقف إطلاق النار رسميا، بعد تقدم مغربي في منطقة الكركرات، واستؤنفت المواجهات بشكل محدود، وظلت بعثة المينورسو رغم ذلك تؤدي دور المراقب الميداني، وتسهل التواصل بين الطرفين، مع تجديد ولايتها سنويا من قبل مجلس الأمن.
ظلت الجزائر هي اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيرا؛ لم تكتفي بدعم جبهة البوليساريو سياسيا ولوجستيا فحسب، بل جعلت من قضية الصحراء مبدأً ثابتا في سياستها الخارجية، كما هي القضية الفلسطينية، ترسيخا لسياستها في دعم الشعوب في حق تقرير المصير،
وفي المقابل، يرى المغرب أن موقف الجزائر يتجاوز مسألة الحقوق، ويدخل في إطار التنافس الإقليمي، الأمر الذي ترفضه الجزائر جملة وتفصيلا. وفي حين تميل جامعة الدول العربية عموما لعدم الإضرار بوحدة أراضي الدول العربية، ولم تعترف صراحة بالجمهورية الصحراوية، إلا أن مواقف الدول العربية تباينت بين مؤيد ومحايد، أما موريتانيا فقد انتهجت سياسة التوازن الدقيق، الذي تحافظ من خلاله على علاقات حسنة مع الجانبين، وتؤكد على أن الحل يجب أن يكون متفقا عليه بين الطرفين.
أما على الصعيد الدولي، فقد ظلت الأمم المتحدة هي المرجعية الوحيدة للوساطة، حتى صدور قرار مجلس الأمن 2797 في 31 أكتوبر 2025 الذي مثل نقطة تحول؛ إذ اعتبر أن مقترح الحكم الذاتي، المقدم من المغرب يمكن أن يكون أساسا للتفاوض، وهو ما احتفى به المغرب، وامتنعت الجزائر عن المشاركة في التصويت علية.مطلع 2026، وبوساطة مشتركة من المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة، عقدت في واشنطن ومدريد ثلاث جولات مفاوضات مباشرة، الأولى من نوعها منذ العام 2019، شارك فيها المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، وخلال الجولة الأولى، قدم المغرب مسودة موسعة ومحدثة لنظام الحكم الذاتي، طور بموجبها مقترحه الأصلي لعام 2007، تقوم على منح الصحراء الغربية صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة، في الشؤون الداخلية والتنمية والعدالة المحلية، مع احتفاظ المغرب بصلاحيات السيادة العليا: الخارجية، الدفاع، الجنسية، العملة، والدين.
ونصّت المسودة صراحة على مرحلة انتقالية يُنشأ خلالها مجلسا انتقاليا، للإشراف على الفترة التي تسبق التطبيق الكامل لتلك الرؤية، فضلا عن آليات للمصالحة والضمانات الدولية.
غير أن جبهة البوليساريو ظلت متمسكة بخيار الاستقلال الكامل غير المشروط، وتقرير المصير بكل خياراته، وأوضحت أن مشاركتها في المفاوضات لا تعني بأي حال موافقتها على مقترح الحكم الذاتي طرحا وحيدا، وحددت الجبهة نقاط الخلاف الجوهرية كالتالي:
1- السيادة المسبقة: ترى أن احتفاظ المغرب بالشؤون الخارجية والدفاع يفرغ الحكم الذاتي من مضمونه، ويحيل المنطقة إلى مجرد مقاطعة تابعة للقصر الملكي.
2- الاستفتاء: تشترط جبهة البوليساريو أن يتضمن أي استفتاء خيارات واضحة، تشمل بالضرورة الاستقلال الكامل، وليس الموافقة على نظام الحكم الذاتي المقترح فقط.
3- التمثيل: تطالب الجبهة بمشاركة كاملة وغير منقوصة للصحراويين في المخيمات والشتات في أي ترتيبات انتقالية أو تصويت.
4- المرجعية القانونية: تتمسك بتصنيف القضية بأنها إنهاء استعمار، بموجب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يمنحها حق اختيار الاستقلال كاملا.
الجدير بالذكر أن الجبهة لم تنسحب من المفاوضات؛ بل قدمت ملاحظات مكتوبة، وناقشت تفاصيل المرحلة الانتقالية، وهو مؤشر غير مسبوق، دفعت المراقبين للقول إن الباب لم يُغلق تماما، وأن الخلاف انتقل من:
هل نتفاوض إلى: كيف نصمم التسوية.في خضم هذا التفاوض الدبلوماسي، تشهد المنطقة غليانا سياسيا عندما راهن المغرب على التطبيع مقابل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، الأمر الذي لم يعد مجرد اتفاق على ورق، بل تعدى إلى علاقات استخباراتية وعسكرية ودبلوماسية بين المغرب والإمارات واسرائيل، الأمر الذي يجعل النظرة الجزائرية بعيدة المدى في إدارة الخلاف مع المغرب موقع اهتمام، فالأمر لم يكن مجرد خلاف ثنائي بين جارتين، بل هو استباق لقطع الطريق أمام التحالفات المشبوهة، يُنظر إليها من الجزائر وقوى إقليمية أخرى أنها تهديد استراتيجي مباشر، ومصدر لزعزعة الاستقرار ونشر الفوضى.
الحديث إذا عن تواطؤ يهدف إلى تجاوز القرارات الشرعية الدولية؛ فالمسودة المغربية للحكم الذاتي لم تعد مجرد مقترح تفاوضي، بل ينظر إليها أنها أداة لتثبيت نفوذ تحالف إقليمي جديد في المنطقة. وفي خضم هذا الصراع الكبير، يبقى مصير الصحراء الغربية معلقا بين قرارات مجلس الأمن التي تتأثر بموازين القوى، وإرادة شعب لا يزال ينتظر استفتاء وعد به قبل أكثر من ثلاثة عقود، مازال رهين أورقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
بقلم :إسماعيل مليلي كاتب صحفي جزائري -المملكة المتحدة























