بوابة الجزائر الإخبارية: لم يكتف مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي في اجتماعه الوزاري الـ1369 بالإشادة مجددًا بجهود رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بصفته نصير الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، بل قرن هذه الإشادة بتكليف عملي لمفوضية الاتحاد يقضي بتسريع استكمال مذكرة التوقيف الإفريقية وقاعدة بيانات الاتحاد الإفريقي للإرهابيين. ويكشف هذا الربط عن مرحلة أكثر تقدمًا في الحضور الجزائري داخل المنظومة الأمنية القارية، إذ تنتقل مقترحات دافعت عنها الجزائر خلال السنوات الماضية من مستوى المبادرة السياسية إلى أدوات قانونية وأمنية يسعى الاتحاد إلى إدراجها في عمله المشترك.

البيان الذي صدر عقب اجتماع 23 سبتمبر 2026 في نيويورك وضع هذه الأدوات في صميم الاستجابة الإفريقية للتهديدات العابرة للحدود. فمذكرة التوقيف الإفريقية يُراد منها تسهيل التعاون القضائي وملاحقة المطلوبين عبر الحدود، فيما يفترض أن تسمح قاعدة البيانات القارية بتبادل أسرع للمعلومات المتعلقة بالعناصر الإرهابية وشبكاتها وتحركاتها. وحدد المجلس الهدف بوضوح: تضييق الملاذات القانونية، تعطيل شبكات الإمداد غير المشروعة، ومنع الإرهابيين ومموليهم من الاستفادة من اختلاف الإجراءات القضائية بين الدول. كما دعا إلى تسريع المساعدة القانونية المتبادلة واتفاقات التسليم، وإلى تفعيل تبادل المعلومات الاستخباراتية وتقييم المخاطر المشتركة بدل بقاء كل دولة في مواجهة تهديدات تتحرك أساسًا عبر الحدود.
وتكتسب الإشادة بالرئيس تبون وزنًا إضافيًا لأنها لا تأتي للمرة الأولى. فالقرار 978 الصادر عن قمة الاتحاد الإفريقي في 2026 أشاد بجهوده في دفع أجندة مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ودعا صراحة إلى تسريع تنفيذ مقترحاته الملموسة، فيما يدرجه الاتحاد رسميًا ضمن قائمة «الرؤساء الأبطال» بصفته نصير الاتحاد في هذا الملف. وبذلك أصبح الدور الذي تضطلع به الجزائر مرتبطًا بمسار مؤسسي تتبعه القمة ومجلس السلم والأمن ومفوضية الاتحاد، وليس بمجرد مواقف وطنية تُعرض في الاجتماعات ثم تنتهي بانتهائها.
من تجربة وطنية إلى مرجعية قانونية وتكنولوجية للقارة
اللافت أن الحضور الجزائري داخل هذه الهندسة الإفريقية لا يبدأ من القرارات الأخيرة. فقد أعاد مجلس السلم والأمن في بيانه الأخير التذكير بالاتفاقية الإفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب التي اعتمدتها قمة منظمة الوحدة الإفريقية في الجزائر العاصمة في جويلية 1999، ودعا الدول التي لم تستكمل التصديق عليها وعلى بروتوكولها إلى القيام بذلك، باعتبارها جزءًا من الإطار القانوني الذي تحتاجه القارة لتقوية التعاون القضائي وسد الثغرات بين الأنظمة الوطنية. وبعد أكثر من ربع قرن، لا تزال الاتفاقية التي حملت اسم الجزائر ضمن المرجعيات التي يعود إليها الاتحاد عندما يبحث عن أدوات موحدة لمواجهة الإرهاب.
لكن الإضافة الأحدث جاءت من ملف مختلف تمامًا هو تمويل الإرهاب بالتكنولوجيات الجديدة. ففي 6 جانفي 2025 اعتمدت لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن «مبادئ الجزائر» بشأن منع وكشف وتعطيل استخدام التكنولوجيات المالية الجديدة والناشئة في تمويل الإرهاب. وتغطي هذه المبادئ تقييم المخاطر، ووضع رقابة متناسبة معها، وتحسين الكشف والتعطيل، وقياس فعالية التدابير المتخذة، وهو ما جعلها مرجعًا أمميًا في ملف يتغير بسرعة مع توسع العملات الرقمية والمنصات المشفرة وتقنيات الدفع الجديدة.
وبعد عام واحد فقط، انتقلت هذه المبادئ من الإطار الأممي إلى قلب النقاش الإفريقي. فقد طلب مجلس السلم والأمن من مفوضية الاتحاد، تنفيذًا لقرار القمة 978، إعداد إطار قاري لمواجهة استخدام التنظيمات الإرهابية للتكنولوجيات الناشئة، بما يشمل الطائرات المسيّرة والمنصات المشفرة والتمويل الرقمي، على أن يُبنى صراحة على «مبادئ الجزائر» وينسجم مع المعايير الدولية. ويضيف المجلس إلى ذلك ضرورة إشراك القطاعين المالي والتكنولوجي في مواجهة التجنيد والدعاية وتمويل الإرهاب عبر المنصات الرقمية.
وهذه النقلة تمنح المقاربة الجزائرية بعدًا استشرافيًا واضحًا؛ فبدل الاكتفاء بملاحقة الأدوات التي استخدمتها الجماعات الإرهابية في الماضي، أصبح التركيز على الوسائل التي قد توسع قدرتها مستقبلًا على التمويل والتجنيد والاستطلاع والتحرك. كما ينسجم ذلك مع مضمون التقارير التي قدمها الرئيس تبون للاتحاد الإفريقي بصفته نصيره في مكافحة الإرهاب، والتي تصف الجماعات المتطرفة بأنها أصبحت شبكات هجينة تجمع العمل المسلح بالاقتصاد غير المشروع والتكنولوجيا والاستغلال السياسي والاجتماعي للهشاشة.

تبون يربط الأمن بالتنمية بدل حصره في المواجهة العسكرية
غير أن البعد الأهم في المقاربة التي تدفع بها الجزائر لا يتعلق بالأدوات الأمنية وحدها. فقد عرض أحمد عطاف خلال اجتماع نيويورك الموقف الجزائري باعتباره قائمًا على قناعة مفادها أن المعالجة الأمنية والعسكرية، رغم ضرورتها، لا تستطيع بمفردها إنتاج أمن مستدام، ما لم تقترن بالتنمية والمصالحة وتقوية مؤسسات الدولة ومعالجة الظروف التي تستغلها التنظيمات الإرهابية في التجنيد والتمدد. واستشهد بالطريق العابر للصحراء وشبكة الألياف البصرية وأنبوب الغاز نيجيريا–الجزائر بوصفها مشاريع لا تخدم التجارة والطاقة فقط، بل تفتح فرصًا اقتصادية وتقلص العزلة التي تساعد الجماعات المسلحة على ترسيخ نفوذها في المناطق الهشة.
والمثير أن مجلس السلم والأمن نفسه تبنى في بيانه منطقًا قريبًا جدًا من هذا الطرح؛ إذ دعا إلى ربط إدارة الحدود بالتنمية المحلية والتجارة والحكم المحلي والتماسك الاجتماعي، كما طالب بجعل الحدود فضاءات للتعاون والاتصال والاندماج، لا مجرد خطوط أمنية. ودعا إلى مواصلة إنشاء الممرات البرية والبحرية والجوية باعتبارها أدوات للاندماج والتنمية والتقارب بين الدول والشعوب.
وهنا يصبح من الأسهل فهم موقع المشاريع الإفريقية التي يضعها الرئيس تبون ضمن رؤيته للقارة. فالطريق العابر للصحراء ليس طريقًا تجاريًا فحسب، بل ممر يربط الجزائر بعمق الساحل وغرب إفريقيا، وشبكة الألياف البصرية العابرة للصحراء تستهدف دمج المنطقة في الاقتصاد الرقمي، بينما يمثل أنبوب الغاز نيجيريا–الجزائر مشروع طاقة عابرًا للحدود يمكنه أن يربط الاقتصادات الواقعة على مساره بشبكة أوسع من الاستثمار والخدمات. وقد أكد تبون في خطابه حول التنمية الإفريقية أن الاستثمار في البنية التحتية من أقوى محركات النمو والاندماج، داعيًا إلى الانتقال من الالتزامات السياسية إلى آليات تنفيذ فعلية ومواعيد واضحة للمشاريع القارية.
ويمنح هذا الربط رؤية تبون تجاه إفريقيا طابعًا أوسع من الملف الأمني المباشر. فالمنطق الذي تطرحه الجزائر يقوم على أن الجماعات الإرهابية تزدهر حيث تضعف الدولة ويضيق الاقتصاد وتتراجع الخدمات وتنقطع المناطق الحدودية عن مراكز النشاط، وبالتالي فإن الطريق والطاقة والاتصالات والاستثمار ليست ملفات موازية للأمن، بل أدوات تساعد الدولة على العودة إلى المناطق التي تستغلها التنظيمات المتطرفة. ولهذا سبق للجزائر أن خصصت مليار دولار عبر الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية لتمويل مشاريع في دول إفريقية، وربطت رسميًا هذا التوجه بمساعي دعم الاستقرار والتنمية المشتركة.

خطة 2026–2030 تنقل المقاربة من رد الفعل إلى الوقاية
وفي هذا السياق، تبرز خطة العمل الاستراتيجية القارية لمكافحة الإرهاب في إفريقيا للفترة 2026–2030، التي وضعها مجلس السلم والأمن في مقدمة قراراته الأخيرة. فالخطة لا تقتصر على الاستجابة للهجمات بعد وقوعها، بل تدفع نحو الوقاية والإنذار المبكر والتحرك السريع والتعاون عبر الحدود وتجفيف تمويل الإرهاب ومواجهة الاستغلال الإلكتروني وتقوية قدرة الدول والمجتمعات على الصمود. وطالب المجلس الدول الأعضاء والمجموعات الاقتصادية الإقليمية بدعم تنفيذها الكامل، ما يعكس انتقال العمل القاري تدريجيًا من إدارة نتائج الإرهاب إلى محاولة تعطيل البيئة التي تسمح له بالانتشار.
ويتوافق هذا التحول مع ما عرضه عطاف في نيويورك حين دعا إلى الانتقال من «الإنذار المبكر إلى التحرك المبكر»، ومن إدارة الأزمات إلى الوقاية منها، مؤكدًا أن أمن إفريقيا غير قابل للتجزئة وأن حسن الجوار والتنمية والمصالحة عناصر مترابطة في بناء الاستقرار. وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر أثر النظرة التي يدفع بها تبون داخل الاتحاد؛ فالمطلوب لم يعد مجرد رفع عدد العمليات الأمنية، بل تقليص المساحة الزمنية والجغرافية التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة قبل تدخل الدولة.
ولهذا يجمع بيان الاجتماع الأخير بين مذكرة التوقيف وقاعدة بيانات الإرهابيين والإنذار المبكر والتعاون القضائي والرقابة على التمويل والتكنولوجيا وإدارة الحدود والتنمية المحلية. هذه الأدوات تبدو متنوعة، لكنها تستهدف ثغرات مختلفة داخل المنظومة نفسها: المطلوب ألا يتمكن الإرهابي من عبور الحدود بسبب اختلاف القوانين، وألا يستطيع تمويل نشاطه عبر أدوات مالية يصعب تتبعها، وألا يجد منطقة حدودية خالية من مؤسسات الدولة، وألا يظل الإنذار الأمني معزولًا عن قرار سياسي وقضائي سريع.
إشادة إفريقية تتحول إلى برنامج عمل
ومن هنا تأتي أهمية البيان بالنسبة إلى الجزائر. فالتثمين الصادر عن مجلس السلم والأمن لا يتوقف عند الإشادة بجهود الرئيس عبد المجيد تبون؛ بل يظهر بالتوازي مع مجموعة من القرارات التي تتقاطع مباشرة مع الملفات التي دفعت بها الجزائر في السنوات الأخيرة. الاتفاقية القارية المرجعية تعود إلى الجزائر 1999، و«مبادئ الجزائر» أصبحت أساسًا لإطار إفريقي جديد ضد الاستخدام الإرهابي للتكنولوجيات الناشئة، فيما يطالب الاتحاد اليوم بتسريع مذكرة توقيف وقاعدة بيانات سبق أن وردتا ضمن المقترحات التي دعا إلى تنفيذها في إطار مهمة تبون كنصير للاتحاد الإفريقي.
كما يتجاوز الحضور الجزائري الجانب الأمني إلى تصور أوسع للاندماج الإفريقي؛ إذ يلتقي طرح الجزائر بشأن الطريق والطاقة والاتصالات مع دعوة مجلس السلم والأمن نفسه إلى تحويل الحدود إلى مناطق اتصال وتنمية وتجارة، ومع تأكيده أن حسن الجوار يخدم حرية تنقل الأشخاص وأهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وفي الوقت نفسه، طالب المجلس بتمويل مستدام للمبادرات الإفريقية وبالتنفيذ الفعلي لقرار مجلس الأمن 2719 الخاص بتمويل عمليات دعم السلام التي يقودها الاتحاد الإفريقي، بما يعكس رغبة متزايدة في أن تملك القارة أدواتها ومواردها إلى جانب قراراتها السياسية.
بهذا المعنى، فإن الدور الذي يضطلع به الرئيس تبون داخل الاتحاد في ملف مكافحة الإرهاب يتجاوز تقديم المواقف إلى دفع أجندة مترابطة تجمع القانون والأمن والتكنولوجيا والتمويل والتنمية. وليس من قبيل المصادفة أن يجمع بيان واحد بين الإشادة به، وطلب تسريع مذكرة التوقيف وقاعدة البيانات، والعودة إلى اتفاقية الجزائر 1999، والبناء على «مبادئ الجزائر» لعام 2025، ثم الدعوة إلى ممرات تنموية وتعاون حدودي وخطة عمل قارية تمتد إلى 2030.
وسيظل الاختبار الحقيقي في التنفيذ. فالقيمة العملية لمذكرة التوقيف ستظهر عندما تصبح قابلة للاستخدام بين السلطات القضائية، وقاعدة البيانات عندما تسمح بتبادل سريع وآمن للمعلومات، و«مبادئ الجزائر» عندما تتحول إلى تشريعات وقدرات رقابية قابلة للتطبيق، بينما ستظهر قيمة مشاريع الطرق والطاقة والاتصالات عندما تتحول المناطق الحدودية من هوامش أمنية هشة إلى فضاءات حركة ونشاط اقتصادي.
لكن ما يسجله اجتماع نيويورك بالفعل هو أن جزءًا من المقاربة التي تدفع بها الجزائر لم يعد حاضرًا فقط في خطابها الوطني أو الدبلوماسي، بل بدأ يجد مكانه داخل الأدوات التي يريد الاتحاد الإفريقي بناءها لإدارة أمن القارة خلال السنوات المقبلة. وهذه هي الدلالة الأهم للإشادة الموجهة إلى الرئيس تبون: انتقال التأثير من تقديم المقترحات إلى المشاركة في صياغة المرجعيات والآليات التي يُراد لها أن تبقى جزءًا من المنظومة الإفريقية نفسها.




























