بوابة الجزائر الإخبارية: 72 حريقًا من أصل 80 بؤرة مسجلة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة جرى إخمادها في الجزائر، ضمن استجابة وطنية واسعة برز فيها الجيش الوطني الشعبي قوة تدخل حاسمة، بعدما سخّر وحداته البرية والجوية والإسعافية لمساندة الحماية المدنية وأعوان الغابات وحماية السكان والممتلكات والثروة الغابية.
وأظهرت أحدث حصيلة رسمية، الصادرة الأحد 26 جويلية 2026، التحكم في 90% من الحرائق المسجلة خلال الفترة المرجعية، مع مواصلة عمليات إخماد البؤر الثماني المتبقية. وجاء ذلك غداة إعلان السيطرة على 97% من الحرائق التي مست عدة ولايات، في مؤشر يعكس فعالية التنسيق الميداني وسرعة تعبئة الإمكانات الوطنية رغم الحرارة المرتفعة والرياح وتعدد مناطق التدخل.
ويؤكد هذا الانتشار أن الجيش الوطني الشعبي لم يتعامل مع الحرائق بوصفها مهمة ظرفية، بل كخطر وطني يمس سلامة المواطنين والأمن الغذائي والثروة الغابية والبنية التحتية. لذلك انتقلت وحداته سريعًا إلى المناطق المتضررة، ووفرت دعمًا عملياتيًا يجمع بين الطيران والإطفاء الأرضي وفتح المسالك والإجلاء والإسعاف.
14 ولاية تحت غطاء الجيش
شملت تدخلات الجيش الوطني الشعبي 14 ولاية موزعة على ثلاث نواحٍ عسكرية، بما يعكس اتساع الانتشار وقدرة القيادة على توزيع الوسائل وفق تطور الوضع الميداني.
وضمت قائمة التدخل البليدة والمدية والبويرة وتيبازة والمسيلة ضمن الناحية العسكرية الأولى، وتلمسان وسعيدة في الناحية العسكرية الثانية، إضافة إلى عنابة والطارف وسكيكدة وميلة وقالمة وسطيف وبجاية في الناحية العسكرية الخامسة.
ويبرز هذا الانتشار مرونة المنظومة العسكرية في التعامل المتزامن مع بؤر متباعدة جغرافيًا، من مناطق الوسط والغرب إلى ولايات الشرق ذات الكثافة الغابية المرتفعة. كما سمح قرب الوحدات من المناطق المتضررة بتقليص زمن الوصول وتعزيز فرق الحماية المدنية دون انتظار وصول جميع الوسائل من العاصمة أو الولايات المجاورة.
ووفق بيان وزارة الدفاع الوطني، نُفذت العمليات بأمر من القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، مع تسخير الإمكانات البشرية والمادية الضرورية إلى غاية السيطرة النهائية على الحرائق وإخماد جميع البؤر.
15 ألف لتر من الجو
شكل تدخل القوات الجوية أحد أبرز عناصر الاستجابة، بعدما دفعت بطائرات «بيريف Be-200» القادرة على حمل 12 ألف لتر من المياه، إلى جانب مروحيات «مي-26» التي تصل قدرتها الاستيعابية إلى 15 ألف لتر.
ونفذت هذه الوسائل عدة طلعات في أوقات مختلفة، وفق الظروف الجوية وتقدير الموقف الميداني. كما سمح توظيف طرازين مختلفين بتكييف عمليات الإخماد مع طبيعة كل منطقة، إذ توفر الطائرات حمولة كبيرة لمعالجة المساحات الواسعة، بينما تمنح المروحيات قدرة أكبر على الاقتراب من البؤر الواقعة في التضاريس الوعرة.
ولا تتوقف أهمية الطيران العسكري عند كمية المياه المنقولة، لأن عامل السرعة يصبح حاسمًا في الدقائق الأولى لانتشار الحريق. فكل تدخل جوي ناجح يخفف الضغط عن الفرق البرية، ويمنحها وقتًا لتطويق النيران وإنشاء خطوط عازلة وحماية التجمعات السكانية.
كما أظهر إشراك الطيران الثقيل أن الجيش الوطني الشعبي يمتلك قدرة لوجستية قابلة للتحويل من المهام الدفاعية إلى عمليات حماية السكان ومواجهة الكوارث، وهي قدرة تمنح الدولة احتياطيًا استراتيجيًا عندما تتجاوز الأزمات الإمكانات القطاعية المعتادة.
الجرافات تحاصر النيران
بالتوازي مع الطلعات الجوية، سخّر الجيش جرافات وآليات هندسية وشاحنات إطفاء وصهاريج مياه وسيارات إسعاف، إلى جانب تعداد معتبر من الوحدات الموجودة بالقرب من المناطق المتضررة.
وتؤدي الجرافات العسكرية دورًا محوريًا في فتح المسالك داخل المناطق التي يصعب الوصول إليها، وإزالة الغطاء النباتي القابل للاشتعال، وإنشاء فواصل ترابية تحد من انتقال النيران. كما تسمح الآليات الثقيلة بتحرير الطرق والمسارات أمام شاحنات الإطفاء والإسعاف.
أما صهاريج المياه، فتضمن استمرار تموين فرق التدخل في المواقع البعيدة عن الشبكات والمنابع، بينما توفر سيارات الإسعاف دعمًا مباشرًا للسكان والأعوان العاملين داخل المحيطات المتضررة.
ومن ثم، لم يكن تدخل الجيش إضافة عددية فقط، بل وفر أدوات هندسية ولوجستية يصعب تعويضها أثناء الأزمات الكبرى. كما ساهم في تحويل العمليات من رد فعل متفرق إلى انتشار منظم يجمع الإطفاء الجوي والتطويق البري والإسناد الطبي.
إجلاء السكان أولوية
امتدت عمليات الجيش إلى نقل وإجلاء السكان المقيمين بالقرب من المناطق التي مستها الحرائق، مع تقديم الإسعافات الأولية ومساعدة العائلات الموجودة داخل القرى والمداشر المهددة.
وشاركت الوحدات المختصة، بما فيها الوحدات العائمة، في نقل المواطنين من المواقع التي يصعب الوصول إليها بالوسائل البرية التقليدية. كما عملت المفارز على تأمين محيط عمليات الإجلاء ومنع اقتراب السكان من المناطق الخطرة.
ويمنح هذا الجانب الإنساني التدخل العسكري قيمة تتجاوز المؤشرات العملياتية المرتبطة بعدد الطلعات أو الآليات، لأن الهدف النهائي ظل حماية الأرواح وإبعاد العائلات عن مسارات النيران والدخان.
كما أكد الحضور المباشر للجيش في القرى المتضررة قدرته على أداء وظيفة وطنية مزدوجة، تقوم على حماية التراب الوطني في الظروف العادية، وحماية السكان ومصادر رزقهم عند وقوع الكوارث الطبيعية.
90% من الحرائق أُخمدت
أعلنت الحماية المدنية، في أحدث حصيلة، إخماد 72 حريقًا من أصل 80 خلال 24 ساعة، بما يعادل 90% من الحالات المسجلة، مع استمرار التدخل في ثمانية حرائق.
وجاءت الحصيلة بعد إعلان السيطرة على 97% من الحرائق التي مست ولايات مختلفة يوم 25 جويلية. كما كانت المصالح قد سجلت خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة 103 حرائق، تمكنت من إخماد 91 منها.
وفي 18 جويلية، أحصت الحماية المدنية 154 حريقًا وأخمدت 138، بينما كشفت في 15 جويلية عن إخماد 913 حريقًا على المستوى الوطني منذ 8 جويلية، وفق الحصيلة المنشورة عبر وكالة الأنباء الجزائرية.
ولا يمكن جمع هذه الأرقام مباشرة للحصول على إجمالي واحد، لأن الحصائل اليومية تغطي فترات زمنية متداخلة، وقد يظل الحريق نفسه مدرجًا ضمن العمليات الجارية قبل إعلان إخماده النهائي.
ومع ذلك، تكشف البيانات حجم الضغط الذي واجهته أجهزة الدولة خلال فترة زمنية قصيرة، كما توضح أهمية دخول الجيش بثقله البشري والجوي والهندسي لمنع تشتيت قدرات الحماية المدنية بين عشرات البؤر المتزامنة.
505 وحدات تواجه الموسم
استعدت الجزائر لموسم حرائق 2026 بجهاز يضم 15 ألف عون للحماية المدنية موزعين على 505 وحدات تقع بالقرب من المحيطات الغابية، وفق البيانات الرسمية المنشورة خلال جويلية.
غير أن ارتفاع عدد الحرائق وتزامنها عبر ولايات متباعدة استدعى توسيع التعبئة لتشمل الجيش الوطني الشعبي ومحافظات الغابات والسلطات المحلية وقطاعات الصحة والتضامن والنقل.
ويعكس هذا التكامل توزيعًا واضحًا للمهام، إذ تقود الحماية المدنية عمليات الإطفاء المتخصصة، بينما يوفر الجيش قدرات الطيران والهندسة والنقل والإجلاء والإسناد، وتتولى مصالح الغابات تحديد المسالك والمناطق الحساسة ومتابعة الأضرار التي تصيب الغطاء النباتي.
كما تسمح غرفة التنسيق الميداني بتوجيه الوسائل نحو البؤر الأخطر، بدل توزيعها بالتساوي بين جميع الحرائق. ويصبح هذا الأسلوب ضروريًا عندما تقترب النيران من السكان أو المزارع أو خطوط الكهرباء والطرقات.
حماية أصول اقتصادية حيوية
يحمل تدخل الجيش بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن حرائق الغابات لا تستنزف الغطاء النباتي فقط، بل تهدد المحاصيل والأشجار المثمرة وخلايا النحل والمواشي والأعلاف والمساكن الريفية وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.
وتؤدي السيطرة السريعة على النيران إلى حماية قيمة اقتصادية تراكمت خلال سنوات، خصوصًا في البساتين والمناطق المنتجة للزيتون والفلين والفواكه والعسل. كما تمنع انتقال الحرائق إلى المخازن والتجهيزات الفلاحية والمنشآت الصناعية الواقعة بالقرب من المناطق الغابية.
وفي المقابل، ترفع العمليات كلفة التعبئة العمومية من خلال ساعات الطيران واستهلاك الوقود والمياه وصيانة الآليات والإسعاف والإيواء وإعادة تأهيل المسالك. غير أن السلطات لم تنشر حتى الآن تقديرًا ماليًا نهائيًا للخسائر أو كلفة التدخل، ولذلك لا يمكن تقديم رقم موثوق قبل انتهاء عمليات الإحصاء والمعاينة.
ويظهر هنا الأثر الاقتصادي المباشر للتدخل المبكر، لأن كل بؤرة يجري تطويقها قبل وصولها إلى مزرعة أو قرية تختصر لاحقًا نفقات التعويض وإعادة البناء واستعادة النشاط الزراعي.
تعويضات قبل الدخول الاجتماعي
في 23 جويلية، أعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وجّه بإحصاء خسائر الحرائق في أقرب الآجال والشروع سريعًا في إجراءات تعويض المتضررين، بما يسمح بتسوية أوضاعهم قبل الدخول الاجتماعي المقبل.
وتشمل عملية الإحصاء المنتظرة الممتلكات السكنية والإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والتجهيزات والمساحات المتضررة. كما ستحدد المعاينات طبيعة الخسارة وحجمها وملكية الأصول، تمهيدًا لإعداد ملفات التعويض.
ووفق التصريحات الرسمية التي أوردتها وكالة الأنباء الجزائرية، تستهدف العملية تمكين العائلات وأصحاب الأنشطة من استعادة أوضاعهم في أقصر مدة ممكنة.
ويشكل الحد من الخسائر قبل مرحلة التعويض أفضل مردود اقتصادي لتدخل الجيش والحماية المدنية، لأن سرعة احتواء البؤر تحمي أصولًا إنتاجية وتخفض احتياجات إعادة الإعمار.
الجيش يعزز الأمن المناخي
تزامنت الحرائق مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة وهبوب الرياح، ما سرّع جفاف الغطاء النباتي وانتقال النيران بين المناطق. كما جاءت الموجة في سياق مناخي أوسع مس عدة دول في حوض المتوسط وأوروبا.
ووفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سجل غرب أوروبا أكثر أشهر جوان حرارة على الإطلاق خلال 2026، بمتوسط بلغ 20.74 درجة مئوية، أي أعلى بـ3.05 درجات من متوسط الفترة 1991–2020. كما أسهم استمرار الحرارة والجفاف في رفع مخاطر حرائق الغابات خلال جويلية.
ولا تثبت هذه المؤشرات سبب اندلاع كل حريق في الجزائر، لأن تحديد نقطة الاشتعال يبقى من اختصاص التحقيقات الميدانية. لكنها تؤكد أن إدارة المخاطر المناخية تتطلب قدرات للتدخل السريع والمراقبة الجوية والإنذار المبكر وفتح المسالك وصيانة الأحزمة العازلة.
وفي هذه المعادلة، أثبت الجيش الوطني الشعبي أنه يمثل احتياطي الدولة الاستراتيجي في مواجهة الكوارث الكبرى، بفضل قدرته على الانتشار بين عدة ولايات، وتشغيل وسائل جوية ثقيلة، وتحريك الآليات الهندسية، وإجلاء السكان ودعم أجهزة الحماية المدنية.
تعبئة حتى آخر بؤرة
أكدت وزارة الدفاع الوطني أن جميع وحدات الجيش المعنية ستظل مجندة إلى غاية السيطرة النهائية على الحرائق والإخماد الكامل للنيران. ويعكس استمرار التعبئة نهجًا وقائيًا، لأن إخماد اللهب الظاهر لا ينهي الخطر دائمًا، إذ يمكن أن تعود بعض البؤر للاشتعال بفعل الحرارة والرياح.
كما يتطلب تثبيت السيطرة مراقبة المناطق المحترقة، وتبريد النقاط الساخنة، ومنع انتقال الجمر إلى الغطاء النباتي المجاور، مع إبقاء الآليات والطيران جاهزين لأي تطور مفاجئ.
وبذلك، رسخ الجيش الوطني الشعبي خلال حرائق جويلية 2026 دوره قوة سيادية في خدمة المواطن وحماية الاقتصاد الوطني، بعدما جمع بين سرعة القرار، واتساع الانتشار، والقدرة الجوية والهندسية، والإسناد الإنساني. كما برهن أن الجاهزية العسكرية في الجزائر لا تنفصل عن حماية الثروة الغابية والمحاصيل والممتلكات، وأن وحداته تبقى في الصفوف الأولى كلما واجه الوطن خطرًا يمس أمنه وسلامة مواطنيه.












