بوابة الجزائر الإخبارية: 60 مليار دولار تضعها الجزائر في قطاع الطاقة بين 2025 و2029، في تحرك يستهدف رفع إنتاج الغاز وتأمين احتياجات اقتصاد استهلك نحو 54 مليار متر مكعب خلال 2025، مع المحافظة على الإمدادات الموجهة إلى أوروبا عبر الأنابيب ومنشآت الغاز الطبيعي المسال.

وتأتي الخطة بعدما أصبح الطلب الداخلي يستوعب ما يقارب 55% من الإنتاج السنوي المسجل، بالتزامن مع تراجع الكميات المنتجة والصادرات خلال 2025. كما تعكس التحولات الجارية انتقال الغاز من مورد يستخدم أساسًا في الكهرباء والاستهلاك المنزلي إلى مدخل صناعي يرتبط بالبتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب وعمليات إنتاج المحروقات.
وبحسب الأرقام التي أعلنها وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب في أكتوبر 2025، يوجه نحو 80% من البرنامج الاستثماري إلى أنشطة المنبع، بما يشمل الاستكشاف وتطوير الحقول ورفع معدلات الاسترجاع، بينما يخصص الجزء المتبقي للتكرير والصناعات البتروكيماوية.
ويرافق ذلك تنفيذ مشروعات للطاقات المتجددة بقدرة إجمالية تبلغ 3200 ميغاواط، مع استهداف خفض حرق الغاز في المشاعل إلى أقل من 1% بحلول 2030. ويسمح تحسين الكفاءة واسترجاع الغاز المحروق بتوفير كميات إضافية من دون انتظار اكتشافات جديدة، قبل توجيهها إلى الصناعة أو إنتاج الكهرباء أو التصدير.
134 مليار متر مكعب في عقود جديدة
تتحرك سوناطراك بالتوازي لتطوير موارد جديدة عبر شراكات دولية، من بينها عقد بقيمة 1.35 مليار دولار مع شركة «إيني» الإيطالية لتطوير محيط زمول الكبير في حوض بركين.
ويستهدف المشروع إنتاجًا تراكميًا يقدر بـ415 مليون برميل مكافئ نفط، يتضمن 9.3 مليارات متر مكعب من الغاز طوال المدة التعاقدية. كما يندرج ضمن مسار أوسع لاستغلال البنية التحتية القائمة وتقليص الفترة الفاصلة بين الاكتشاف ودخول الإنتاج إلى الشبكة.
وفي خطوة أكبر من حيث القيمة والموارد، وقعت سوناطراك عقدًا بقيمة 5.4 مليارات دولار مع شركة «مداد للطاقة» السعودية لتطوير محيط إيليزي جنوب. ويمتد الاتفاق 30 عامًا مع إمكانية إضافة عشر سنوات، فيما تشمل مرحلة الاستكشاف سبع سنوات بتمويل من الشريك السعودي.
ويقدر الإنتاج المنتظر من المحيط بنحو 993 مليون برميل مكافئ نفط، منها 125 مليار متر مكعب من الغاز، بينما تبلغ نفقات الاستكشاف المخصصة 288 مليون دولار. وبجمع الموارد الغازية المعلنة في عقدي «إيني» و«مداد»، يصل الحجم المتوقع إلى أكثر من 134 مليار متر مكعب على امتداد الفترات التعاقدية، من دون أن يعني ذلك توفر هذه الكمية دفعة واحدة أو إنتاجها خلال سنة محددة.
كذلك توسعت الشراكة مع الصين من خلال دخول «سينوبك» محيط قرن القصة الثاني بحوض قورارة–تيميمون، على مساحة تقارب 36 ألف كيلومتر مربع. ويضم المحيط فرصًا في الغاز التقليدي وغير التقليدي، ما يمنح الجزائر إمكانية الاستفادة من الخبرة الصينية في تطوير المكامن المعقدة.
أوروبا تستقبل 45.7 مليار متر مكعب
تظهر أهمية تسريع هذه المشروعات عند النظر إلى أداء التجارة الخارجية. فقد انخفضت صادرات الجزائر من الغاز عبر الأنابيب وفي صورة غاز مسال إلى 45.7 مليار متر مكعب خلال 2025، مقابل 49.29 مليارًا في 2024.
ويعادل الفارق 3.59 مليارات متر مكعب، بينما بلغت نسبة الانخفاض 7.3%. كما تراجع المتوسط اليومي للصادرات من 4.75 مليارات قدم مكعبة إلى نحو 4.42 مليارات.
وكان الانخفاض أكثر وضوحًا في سوق الغاز الطبيعي المسال، إذ هبطت الشحنات من 11.62 مليون طن في 2024 إلى 9.54 ملايين خلال 2025، بفارق 2.08 مليون طن ونسبة تقارب 17.9%.
كما استمر التراجع خلال النصف الأول من 2026، عندما صدرت الجزائر 4.47 ملايين طن، بانخفاض قدره 310 آلاف طن مقارنة بالفترة نفسها من 2025. غير أن الأرقام الفصلية سجلت تعافيًا نسبيًا، إذ ارتفعت الشحنات من 2.04 مليون طن في الربع الأول إلى 2.43 مليونًا خلال الربع الثاني، بنمو قدره 19.1%.
وأرجع مدير وحدة أبحاث الطاقة أحمد شوقي جزءًا من الانخفاض إلى الصيانة المجدولة في منشآت الإسالة بأرزيو وسكيكدة خلال جانفي، مع استمرار بعض العمليات في سكيكدة خلال فيفري وأفريل 2026.
واتجهت شحنات النصف الأول بالكامل إلى الأسواق الأوروبية والمتوسطية. وتصدرت تركيا قائمة المشترين بـ1.55 مليون طن، تلتها فرنسا بـ1.31 مليون، ثم إيطاليا بـ520 ألف طن، والمملكة المتحدة بـ350 ألفًا وإسبانيا بـ300 ألف طن.
ويضاف الغاز المسال إلى التدفقات المنقولة عبر «ترانسميد» باتجاه إيطاليا و«ميدغاز» نحو إسبانيا، ما يمنح الجزائر قناتين للتصدير ويعزز قدرتها على تلبية الطلب بحسب احتياجات الأسواق والطاقة المتاحة في منشآت التسييل.
كما أظهرت بيانات معهد الطاقة ارتفاع واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب بنسبة 1.5% إلى 270 مليار متر مكعب خلال 2025، فيما ساعدت التدفقات الإضافية من الجزائر وأذربيجان في تعويض جزء من تراجع الإمدادات الروسية.
الإنتاج يفقد 2% خلال عام
تراجعت إمدادات الغاز الجزائرية خلال 2025 بالتزامن مع انخفاض الصادرات. فقد بلغ الإنتاج 9.48 مليارات قدم مكعبة يوميًا، مقابل 9.67 مليارات في 2024، بانخفاض يقارب 2%.
ويعادل المستوى المسجل نحو 268.5 مليون متر مكعب يوميًا، أو قرابة 98 مليار متر مكعب خلال السنة. وفي المقابل، وصل الاستهلاك المحلي إلى نحو 54 مليار متر مكعب، ما يضع نسبته عند قرابة 55% من الإنتاج.
وتبقى هذه المقارنة تقديرية بسبب اختلاف مناهج تسجيل الأرقام بين المصادر، فضلًا عن وجود كميات تستخدمها المنشآت أو يعاد حقنها في الحقول، إلى جانب الفواقد والتحويلات وتغير المخزونات. غير أن اتجاه المؤشرات يوضح زيادة وزن السوق الداخلية داخل موازنة الغاز الجزائرية.
كما يفسر ذلك أولوية الاستكشاف ورفع كفاءة الحقول ضمن البرنامج الاستثماري، لأن المحافظة على حجم الصادرات تتطلب إضافة إنتاج جديد يفوق الزيادة السنوية في الطلب، مع تعويض التراجع الطبيعي المسجل في بعض المكامن القديمة.

الكهرباء تستهلك أقل والصناعة تتقدم
تظهر بيانات 2025 مفارقة داخل بنية الطلب، إذ ارتفع الاستهلاك الإجمالي، بينما انخفض الغاز المستخدم في الكهرباء والتدفئة من 2.21 مليار قدم مكعبة يوميًا إلى 1.86 مليار.
وبالحساب السنوي، تراجعت الكميات من نحو 22.8 مليار متر مكعب إلى 19.2 مليارًا، بنسبة تقارب 16%. وقد تكون الكفاءة التشغيلية لمحطات الكهرباء والظروف المناخية وأعمال الصيانة وبرامج تشغيل الوحدات من العوامل المؤثرة، إلا أن تحديد حصة كل عامل يحتاج إلى بيانات قطاعية أكثر تفصيلًا.
وفي الاتجاه المقابل، ارتفع الفارق بين إجمالي الطلب واستخدامات الكهرباء والتدفئة من 2.88 مليار قدم مكعبة يوميًا إلى 3.37 مليارات. ويشمل ذلك الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والصلب، فضلًا عن استهلاك منشآت النفط والغاز والتحويل والفواقد.
ويمثل هذا التحول فرصة لرفع القيمة المضافة من الغاز داخل الجزائر، خصوصًا عند توجيهه إلى إنتاج الأمونيا والأسمدة والميثانول والمنتجات البتروكيماوية بدل تصديره مادة أولية. غير أن التوسع الصناعي يحتاج بدوره إلى موارد إضافية واتفاقات توريد تضمن استمرار تشغيل المصانع.
54 مليار متر مكعب للسوق الوطنية
بلغ متوسط استهلاك الجزائر 5.23 مليارات قدم مكعبة يوميًا خلال 2025، بما يعادل نحو 148 مليون متر مكعب، وفق التقرير الإحصائي للطاقة العالمية الصادر عن معهد الطاقة.
وكان الاستهلاك قد سجل 5.09 مليارات قدم مكعبة يوميًا في 2024، ما يعني نموًا سنويًا قدره 2.7% وإضافة 3.9 ملايين متر مكعب إلى الطلب اليومي. وعلى أساس سنوي، ارتفع الحجم بنحو 1.43 مليار متر مكعب.
ويضع مستوى 2025 الجزائر عند أعلى استهلاك مسجل منذ عام 2000. فقد كان الطلب حينها في حدود 1.84 مليار قدم مكعبة يوميًا، أو نحو 19 مليار متر مكعب سنويًا، قبل أن يرتفع بنسبة تراكمية تقارب 184% خلال 25 عامًا.
وتسارع النمو بعد تجاوز ثلاثة مليارات قدم مكعبة يوميًا في 2013 وأربعة مليارات في 2018. وبعد انخفاض ظرفي خلال سنة الجائحة، عاد الاستهلاك إلى الارتفاع من 4.18 مليارات قدم مكعبة يوميًا في 2020 إلى 4.66 مليارات في 2021 و4.87 مليارات في 2022 و4.95 مليارات في 2023، قبل عبور خمسة مليارات خلال 2024.
وبذلك أضافت الجزائر نحو 10.8 مليارات متر مكعب إلى استهلاكها السنوي بين 2020 و2025، بنمو يقارب 25%. كما توسع الطلب بنحو 35 مليار متر مكعب مقارنة بمستوى عام 2000.
وتشير هذه التحولات إلى أن مستقبل الغاز الجزائري لن يتحدد بحجم الاحتياطيات وحده، بل بسرعة تطوير الحقول، وكفاءة استهلاك الطاقة، ونمو الصناعات التحويلية، وقدرة مشروعات الطاقة المتجددة على خفض كمية الغاز المستخدمة في الكهرباء.
وسيكون نجاح خطة الـ60 مليار دولار مرتبطًا بقدرتها على زيادة المعروض قبل أن يستهلك نمو السوق المحلية الكميات الجديدة. أما دخول العقود الموقعة مرحلة الإنتاج، فيمنح الجزائر مجالًا لتغطية احتياجات الاقتصاد وتعزيز دورها موردًا مستقرًا للأسواق الأوروبية والمتوسطية
















