بوابة الجزائر الإخبارية: ثلاث صيغ مالية مختلفة تعتمدها الجزائر لتطوير مشروعاتها الاستراتيجية، تجمع بين مساهمة الخزينة في رأسمال بنك قاري، واقتراض حكومي مخصص لشبكة السكك الحديدية، وتسهيلات ائتمانية تحصل عليها مؤسسات أجنبية لإنجاز منشآت طاقوية داخل البلاد. ويكشف هذا التعدد انتقال السياسة التمويلية من البحث عن مصدر واحد للأموال إلى توزيع الالتزامات بحسب ملكية المشروع وطبيعته والجهة المكلفة بتنفيذه.
ويبرز هذا المسار من خلال عمليتين أعلنتهما مؤسستان ماليتان إفريقيتان. تتعلق الأولى بحزمة قدرها 200 مليون دولار أقرها البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد لصالح مجموعة «شورلاين باور» والجهات المرتبطة بها، بينما تخص الثانية تمويل خط حديدي يصل الأغواط بغرداية ثم المنيعة بقروض وافق عليها البنك الإفريقي للتنمية.
ورغم تنفيذ المشروعين داخل الجزائر، تختلف الآثار المالية لكل عملية. فالتسهيلات المتعلقة بشركة «شورلاين» تسددها المؤسسات المستفيدة منها ولا تضاف مباشرة إلى مديونية الدولة، في حين تتحمل الجزائر القروض الموجهة إلى السكك بصفتها الجهة السيادية المستفيدة من الأصل المنجز.

110 ملايين دولار مرتبطة بالحقل
أقر «أفريكسيم بنك» في جوان 2026 حزمة ائتمانية عالمية متجددة من جزأين، قبل الإعلان عنها رسميًا في 20 جويلية. وخُصصت العملية إلى «شورلاين باور» النيجيرية ومقترضين مشاركين، بينهم «أركاد» الإيطالية المتخصصة في الهندسة والمشتريات والبناء، والتي تملك المجموعة النيجيرية أغلبية رأسمالها.
ويرتبط الجزء الأول، البالغ 110 ملايين دولار، بالتزامات «أركاد» في المرحلة «2 أ» من مشروع حاسي بئر ركايز. ويغطي هذا المبلغ متطلبات الضمانات المرتبطة بالتنفيذ والتسبيقات، فضلًا عن السيولة التشغيلية الضرورية لتسيير المشتريات والأشغال.
أما مبلغ التسعين مليون دولار المتبقي، فيأخذ شكل خط متجدد يساند «شورلاين» والشركات التابعة لها عند التقدم إلى صفقات خطوط الأنابيب والمنشآت القاعدية في نيجيريا ودول أخرى يقبلها البنك.
وعليه، لا يصح اعتبار المائتي مليون دولار كاملة موجهة حصرًا إلى حاسي بئر ركايز، لأن الارتباط المباشر بالمشروع الجزائري يخص شريحة الـ110 ملايين، بينما تمول الشريحة الثانية محفظة نشاط أوسع للمجموعة.
كما لا يظهر أي التزام اقتراضي على الخزينة أو سوناطراك ضمن هذا الترتيب. فالتمويل ممنوح إلى المقاولين لأداء واجباتهم التعاقدية، وهو ما يفصل بين تمويل المشروع من جانب مالكيه وتمويل احتياجات الشركة المكلفة بالإنجاز.
44% من صفقة تقارب مليار دولار
تبلغ القيمة الكلية لعقد الهندسة والتوريد والبناء الخاص بالمرحلة الجديدة 980 مليون دولار، فيما تعود حصة قدرها 44% إلى «أركاد». ويشارك في التنفيذ كذلك «بتروجت» المصرية ضمن ائتلاف تشكل قبل الحصول على الصفقة.
أما ملكية الحقل، فتعود إلى مجموعة تضم سوناطراك و«PTTEP» التايلاندية و«سيبسا» الإسبانية. وتشارك «سيبسا» بصفتها عضوًا في الجهة صاحبة الاستثمار، ولا تدخل ضمن قائمة المؤسسات المقترضة من «أفريكسيم بنك».
ويشمل البرنامج إقامة مركز جديد لمعالجة إنتاج الحقل، بما يسمح بزيادة قدرته من قرابة 13 ألف برميل يوميًا إلى نطاق يتراوح بين 50 و60 ألف برميل. ويعني بلوغ المستوى الأعلى رفع المردود إلى أكثر من أربعة أضعاف الوضع الحالي.
كما يقدر البنك عدد فرص العمل التي يمكن أن يساندها المشروع بنحو ستة آلاف. وسيعتمد نصيب الاقتصاد الجزائري من هذه المكاسب على حجم توظيف اليد العاملة الوطنية، وقيمة الطلبات المسندة إلى المناولين المحليين، ومشاركة المؤسسات الجزائرية في النقل والبناء والصيانة والتجهيز والخدمات الفنية.

قرضان لإنجاز 495 كيلومترًا
اختارت الجزائر مسارًا آخر عند تمويل الخط الحديدي الأغواط–غرداية–المنيعة، حيث قبلت قرضين سياديين من البنك الإفريقي للتنمية مقابل إنشاء أصل عمومي تتولى وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية الإشراف عليه.
وأعطى البنك موافقته في 12 ديسمبر 2025 على تمويل قدره 747.32 مليون يورو للجزء الأول من المسار. ويمثل المبلغ نصف التكلفة المقدرة لهذا الشطر، الذي يغطي أساسًا الربط بين الأغواط وغرداية على امتداد يقارب 265 كيلومترًا.
وفي 14 جويلية 2026، أضيف اعتماد قيمته 878.09 مليون دولار لاستكمال المرحلة الموالية بين غرداية والمنيعة. ويبلغ طول هذا القسم 230 كيلومترًا، كما يشمل التمويل المنشآت الفنية والأنظمة والمعدات اللازمة للتشغيل.
وبذلك يصل طول المسارين إلى 495 كيلومترًا. كما يشكل المشروع حلقة ضمن تصور أوسع لمد الشبكة نحو تمنراست، وربط شمال البلاد بعمقها الصحراوي ثم بالأسواق الواقعة جنوب الصحراء.
ولا تقتصر الجدوى المنتظرة على نقل المسافرين، إذ يمكن للخط خدمة الاستثمارات الزراعية والمنجمية والمناطق الصناعية، وخفض الاعتماد على الشاحنات في المسافات الطويلة، وتقليص كلفة انتقال البضائع باتجاه الجنوب ومنطقة الساحل.
ويكشف اختلاف النموذجين معيار الاختيار المالي. فالدولة تقترض عندما يتعلق الأمر بمنشأة عمومية واسعة الأثر، بينما يستطيع المقاول تعبئة الضمانات والسيولة من مصرف متعدد الأطراف عندما يكون التمويل متصلًا بتنفيذ صفقة تجارية.
19 ضعفًا لحصة الجزائر الأولية
يرتبط توسع التعاون المالي القاري بدخول الجزائر إلى عضوية «أفريكسيم بنك» في جوان 2022. وقد أصبحت آنذاك العضو رقم 52 من بين دول الاتحاد الإفريقي الـ55، والتحقت بفئة المساهمين الحكوميين من خلال وزارة المالية.
وأضفى المرسوم الرئاسي 22-212 المؤرخ في 8 جوان 2022 الطابع الرسمي على الانضمام، ثم أجاز المرسوم 22-222 الصادر بعد ستة أيام شراء أسهم في المؤسسة. وبدأت المشاركة بحيازة 125 سهمًا.
وفي فيفري 2025، سمح المرسوم الرئاسي 25-69 بإضافة 2285 سهمًا، ليرتفع رصيد الجزائر إلى 2410 أسهم. وبالمقارنة مع نقطة البداية، أصبحت الحصة الإجمالية أكبر بأكثر من 19 مرة.
ودفعت الخزينة قيمة الاكتتاب الإضافي من مواردها، ولم تلجأ إلى اقتراض خارجي لتمويله. وبهذا أصبحت الجزائر مالكًا لجزء من رأسمال البنك، إلى جانب استفادتها من الخدمات المالية التي يقدمها إلى الحكومات والشركات.
وتوفر هذه الصفة حضورًا أوسع داخل مؤسسة تركز على تمويل التجارة والتصنيع وضمان الصادرات والمشروعات العابرة للحدود. كما تمنح الجزائر موقعًا داخل منظومة صنع القرار، بدل حصر العلاقة في استقبال القروض والتسهيلات.
تحالف وُلد في معرض الجزائر
تعود نشأة التعاون بين «أركاد» و«بتروجت» إلى نشاطات التواصل المهني التي صاحبت معرض التجارة البينية الإفريقية المنظم في الجزائر من 4 إلى 10 سبتمبر 2025.
وساعد «أفريكسيم بنك» في جمع المؤسستين وبناء صيغة تعاون بينهما، قبل دخولهما المنافسة على عقد حاسي بئر ركايز. وتحولت الاتصالات التي بدأت داخل المعرض إلى ائتلاف يجمع شركة مصرية بذراع هندسية إيطالية تابعة لمجموعة نيجيرية لتنفيذ منشأة جزائرية.
ويقدم البنك الصفقة باعتبارها أول عملية يمول فيها مقاولًا تسيطر عليه مجموعة من إفريقيا جنوب الصحراء لتنفيذ مشروع كبير في شمال القارة. كما تعطي نموذجًا لسلسلة أعمال إفريقية تمتد عبر أكثر من سوق بدل اعتماد كل بلد على مؤسساته منفردة.
وأسفرت دورة الجزائر من المعرض عن اتفاقات قُدرت حصيلتها النهائية بـ48 مليار دولار، بمشاركة 2148 عارضًا يمثلون 132 دولة، بينما تجاوز عدد الحاضرين 112 ألف زائر ومشارك.
وتكتسب الحصيلة أهميتها من العقود التي انتقلت إلى التنفيذ، لأن القيمة المعلنة للاتفاقات لا تعني بالضرورة تحوّلها كلها إلى تدفقات مالية فورية. وتوفر صفقة حاسي بئر ركايز مثالًا على اتفاق تشكلت روابطه التجارية في المعرض، ثم انتقل إلى التعاقد والتمويل.

60 مليار دولار من العقود سنويًا
يندرج تمويل «أركاد» ضمن برنامج قاري بدأه «أفريكسيم بنك» في نوفمبر 2023 لرفع قدرة شركات الهندسة والتوريد والبناء الإفريقية على الفوز بالصفقات الكبرى.
ويقدر البنك حجم هذا النوع من العقود داخل القارة بنحو 60 مليار دولار كل سنة. غير أن شركات إفريقية كثيرة تواجه صعوبة في توفير ضمانات المناقصات والتنفيذ والتسبيقات، إلى جانب حاجتها إلى سيولة تغطي شراء المعدات ودفع مستحقات العمال والموردين قبل تحصيل دفعات المشروع.
ويحاول البرنامج معالجة هذه العقبات عبر خطوط الائتمان والضمانات والتكوين وتأسيس الشراكات ونقل الخبرة. وخلال السنوات الخمس التي سبقت إطلاقه، ساعد البنك مقاولين أفارقة على تحصيل صفقات تخطت قيمتها 12 مليار دولار.
كما يُظهر مشروع حاسي بئر ركايز أن قيمة التسهيل المصرفي قد تكون أقل بكثير من قيمة العقد الذي تسانده. فمبلغ 110 ملايين دولار لا يمول كامل الصفقة المقدرة بـ980 مليونًا، لكنه يوفر أدوات مالية تمكّن المقاول من احترام شروطها وتنفيذ حصته منها.
مليار دولار أرباحًا في 2025
جاء توسع البنك في تمويل المشروعات مدعومًا بنمو مركزه المالي. فقد بلغت أصوله المحاسبية قرابة 42.3 مليار دولار بنهاية 2025، بينما وصلت الأصول والضمانات والتعهدات خارج الميزانية مجتمعة إلى 48.5 مليارًا، بارتفاع سنوي نسبته 21%.
كذلك نما صافي محفظة القروض والتسهيلات بـ16% إلى 33.5 مليار دولار. وارتفعت الأرباح الصافية بنحو 19% لتتجاوز حاجز المليار للمرة الأولى وتستقر عند قرابة 1.16 مليار دولار.
ووصلت حقوق المساهمين إلى حوالي 8.4 مليارات دولار، في وقت رفع البنك سقف رأسماله المرخص من خمسة مليارات إلى 25 مليار دولار، بما يوفر مجالًا أكبر لتوسيع عملياته في التجارة والصناعة والطاقة والنقل.
كما شهدت المؤسسة انتقالًا إداريًا في 25 أكتوبر 2025، عندما تولى الكاميروني جورج إيلومبي رئاستها بصفته الرئيس الرابع. ووضع إيلومبي التصنيع المحلي للموارد والمعادن الاستراتيجية، وتحسين الربط اللوجستي، والرقمنة، والتجارة الإفريقية وتعبئة المدخرات القارية ضمن أولويات المرحلة الجديدة.
5 مليارات دولار من كلفة الصرف
تشمل أدوات البنك أيضًا نظام المدفوعات والتسوية الإفريقي «PAPSS»، الذي بدأ العمل في 2022 لتسهيل تسديد المعاملات بين البلدان باستخدام عملاتها الوطنية.
ويقدر البنك أن الانتشار الواسع للمنظومة قد يخفض تكاليف التحويل وتأخر التسويات بأكثر من خمسة مليارات دولار سنويًا. كما يقلل الحاجة إلى المرور بعملة ثالثة عند تنفيذ صفقة بين مؤسستين إفريقيتين.
ويمكن أن تستفيد الشركات الجزائرية من هذا المسار عند توسعها جنوبًا، خصوصًا أن تعقيدات الدفع وسعر الصرف وبطء التحويلات تمثل جزءًا من العراقيل التي تواجه المبادلات داخل القارة.

100 مليار دولار للتحول الصناعي
وسع «أفريكسيم بنك» نشاطه الطاقوي خارج السوق الجزائرية أيضًا. ففي جانفي 2026، قدم 64 مليون دولار إلى «ليفين إنرجي» لاقتناء حصة في «أكسيلا» ودعم منشآت الغاز في غرب إفريقيا.
كما أبرم في 26 جوان إطارًا قطريًا بـ14 مليار دولار مع جنوب إفريقيا، موجّهًا إلى التصنيع والتبادل التجاري والتجهيزات القاعدية.
وفي مسار آخر، شارك البنك مع البنك الإفريقي للتنمية و«إفريقيا 50» ومؤسسة التمويل الإفريقية ومؤسسات مصرفية أخرى في مبادرة تتطلع إلى جمع أكثر من 100 مليار دولار. وقد أُعلن عنها خلال قمة المناخ الإفريقية في سبتمبر 2025، مع تركيزها على الصناعات الخضراء والطاقة النظيفة ومعالجة المعادن وسلاسل تصنيع البطاريات.
وتضع هذه التحركات الجزائر في موقع يتجاوز صفة المستفيد من الأموال. فهي مساهم في مؤسسة مصرفية قارية، ومقترض يوجه الدين إلى مشروع سككي محدد، وبلد تُنجز داخله استثمارات تمول الشركات المكلفة بها من خارج الميزانية العامة.
وتسمح هذه التركيبة بتوزيع المخاطر والالتزامات المالية بدل جمعها لدى الخزينة أو سوناطراك. كما تربط زيادة إنتاج المحروقات بتطوير النقل الصحراوي والتجارة البينية، وتمنح الجزائر أدوات إضافية لتمويل اندماجها الصناعي واللوجستي داخل القارة















