بوابة الجزائر الإخبارية : في تطور يعكس عمق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الخليج، كشفت دراسة بحثية حديثة صادرة عن “مركز عزم للدراسات الاستراتيجية” عن تبني دولة الإمارات استراتيجية شاملة تعتمد على “الإنهاك الممنهج والإبطاء الاستراتيجي” لمواجهة التحول الذي تقوده المملكة العربية السعودية عبر “رؤية 2030”. وتؤكد الدراسة أن دوائر صنع القرار في أبوظبي لم تعد تتعامل مع الحراك السعودي كحالة من التنافس التجاري الطبيعي، بل كتهديد مباشر لمكانتها ونفوذها الإقليمي.
الاقتصاد كمحرك للقلق
يوضح التقرير أن احتكار الإمارات الطويل لدور “الوسيط الحصري” بين الشرق الأوسط والعالم بات مهدداً أمام اتساع السوق السعودية وتدفق الاستثمارات والمشروعات الكبرى، وعلى رأسها مشروع “نيوم”. استهداف الرياض لقطاعات حيوية كانت أبوظبي تتفرد بها، مثل المقرات الإقليمية للشركات الكبرى، السياحة، الطيران، والتقنية، ولّد قناعة لدى الإمارات بأن كل خطوة سعودية للأمام تمثل اقتطاعاً مباشراً من الرصيد الإماراتي.
الجيوبوليتيك والتطبيع كأدوات توازن
لجأت أبوظبي إلى المناورة الجيوسياسية لتجنب المواجهة المباشرة، حيث وظّفت مسار التطبيع مع إسرائيل عام 2020 كخطوة استباقية لسرقة الزخم السياسي وتقديم نفسها للعواصم الغربية كنموذج عربي وحيد قادر على القيادة الإقليمية كما ترافق ذلك مع استراتيجية تضليل إعلامي وأمني في الغرب، تقدم الإمارات كرأس حربة في مواجهة “تيارات الإسلام السياسي والتطرف”، في محاولة لتصوير السياسات السعودية بصورة ملتبسة وزرع الشكوك حول توجهات الرياض.

اليمن: قلب الطاولة وبناء مراكز النفوذ
خصصت الدراسة مساحة واسعة للملف اليمني، مشيرة إلى تحول جذري في الدور الإماراتي من حليف في “عاصفة الحزم” إلى فاعل يسعى لتفكيك الشرعية. وعملت أبوظبي على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتأسيس نفوذ موازٍ للسيطرة على الممرات والموانئ الاستراتيجية (عدن، سقطرى، باب المندب). ترافق ذلك مع تجنيس نخب جنوبية وتوجيه منصات إعلامية لمهاجمة السعودية، مما أدى إلى حرف بوصلة الصراع وتقديم ذرائع مجانية لمحور المقاومة والحوثيين للترويج بأن التحالف العربي ليس سوى غطاء لتمكين نفوذ قوى أجنبية.
تطويق إقليمي من السودان إلى إثيوبيا
لم يقتصر النفوذ الإماراتي على الخليج واليمن، بل امتد لنسج شبكات نفوذ معقدة تتقاطع مع المصالح الإسرائيلية في القارة الأفريقية فوفقاً للمركز، فإن التدخل الإماراتي في السودان ودعم أطراف ميدانية، بالتوازي مع توثيق العلاقات مع إثيوبيا، يمثل “كماشة” استراتيجية تضغط بشكل مباشر على الأمن القومي المصري في ملفات حساسة أبرزها سد النهضة والحدود الجنوبية.
حرب اقتصادية صامتة واختراق ناعم
على الصعيد الاقتصادي، اتهمت الدراسة الإمارات باستخدام تكتيكات خفية لضرب الثقة بالسوق السعودي. من بين هذه التكتيكات الانسحاب المفاجئ للصناديق الاستثمارية الإماراتية من الأسواق السعودية منتصف عام 2025 لإحداث ركود مفتعل، وتمرير شائعات استهدفت شركة “لوسيد” للسيارات الكهربائية عام 2026 بغرض تشويه صورة المشاريع السعودية.
وبالتوازي مع الضغط الاقتصادي، استثمرت أبوظبي في مسار التأثير الاجتماعي والثقافي عبر الجوائز والمهرجانات لاختراق النخب السعودية، محولةً بعض العلاقات الثقافية إلى أدوات ضغط سياسي لدفع شخصيات إعلامية وفكرية إما للصمت أو لتبني خطابات تتوافق مع الأجندة الإماراتية.
وتخلص دراسة “مركز عزم” إلى أن هذه الاستراتيجية لا تهدف بالضرورة إلى توجيه ضربة قاضية للمملكة، بقدر ما تسعى لمراكمة الأعباء الأمنية والدبلوماسية والمالية لرفع تكلفة التحول السعودي وتأخير نتائجه. غير أن هذا المسار المحفوف بالمخاطر يهدد بتعميق أزمة الثقة بين العاصمتين، مما قد يدفع الرياض لاتخاذ إجراءات مضادة تحول المنطقة إلى ساحة استقطاب حادة وتوسع نطاق الخلاف الخليجي المكتوم.











































