بوابة الجزائر الإخبارية: 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي يمثل الدين الخارجي المتوقع للجزائر في 2026، بالتزامن مع نمو مرتقب بـ4% للأنشطة خارج المحروقات و3.8% للاقتصاد ككل، في مؤشرات تمنح الاقتصاد الجزائري نقاط قوة واضحة في تقرير صندوق النقد الدولي الجديد، الذي أشاد باستمرار النمو وجهود التنويع وصلابة القطاع المصرفي. وفي المقابل، يضع التقرير المالية العامة أمام اختبار أكثر تعقيداً، مع عجز متوقع يعادل 9.6% من الناتج ودين حكومي عند 53.2% وتراجع الاحتياطيات الرسمية إلى 46.5 مليار دولار.

هذه الصورة المركبة هي الخلاصة الأبرز لمشاورات المادة الرابعة لعام 2026 التي اختتمها المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن الجزائر في 11 سبتمبر، قبل نشر بيانه النهائي في 21 سبتمبر، بعد بعثة عمل زارت الجزائر بين 16 و30 جوان وأجرت سلسلة من المناقشات مع السلطات حول الاقتصاد والمالية العامة والسياسة النقدية والقطاع المصرفي والإصلاحات الهيكلية.
ولا ترتبط هذه المشاورات بقرض أو برنامج تمويل جديد؛ فهي مراجعة دورية يجريها الصندوق عادة كل عام مع الدول الأعضاء، يجمع خلالها الخبراء البيانات الاقتصادية ويناقشون السياسات مع السلطات، ثم يُعرض التقرير على المجلس التنفيذي. وهذه النقطة مهمة في قراءة الوثيقة الجزائرية لأنها تضع الأرقام في سياق تقييم دوري لمسار الاقتصاد، لا في سياق مفاوضات للحصول على تمويل.
وحسب ما رصدته تادامسا نيوز في التقرير وجدول المؤشرات للفترة الممتدة من 2023 إلى 2031، فإن صندوق النقد يقدم للاقتصاد الجزائري في 2026 قراءة أكثر توازناً مما قد توحي به أرقام العجز وحدها. فقد وصف المجلس النمو بأنه «قوي»، ورحب صراحة بجهود التنويع التي تقودها الجزائر وبالاستراتيجية القائمة على الاستثمار العمومي، كما اعتبر الآفاق الاقتصادية القريبة إيجابية بوجه عام، مستفيداً من ارتفاع عائدات المحروقات واستمرار النشاط خارج القطاع النفطي. ويظهر ذلك أولاً في تركيبة النمو نفسها.
فبعد نمو حقيقي قدره الصندوق بـ3.7% في 2024، ارتفع الاقتصاد إلى نحو 3.9% في 2025 مدفوعاً باستثمارات قوية، ويتوقع أن يحافظ على وتيرة مرتفعة نسبياً عند 3.8% خلال 2026. والأهم أن الأنشطة غير المرتبطة بالمحروقات تظل أسرع من الاقتصاد الكلي، إذ يُنتظر أن تسجل نمواً بـ4% بعد 4.3% في كل من 2024 و2025.

وهذه الأرقام تمنح جهود التنويع وزناً خاصاً في قراءة التقرير، لأن استمرار النمو غير النفطي قرب 4% يعني أن النشاط الاقتصادي لم يعد يتحرك حصراً وفق دورة أسعار النفط والغاز.
كما يُتوقع أن يتحسن أداء قطاع المحروقات نفسه، مع انتقال النمو من 1.3% في 2025 إلى 2.7% في 2026، ما يجعل السنة تجمع بين توسع الأنشطة غير النفطية وتعافي القطاع التقليدي الأكبر في الصادرات والإيرادات العمومية.
ويظهر التحول أيضاً في الحجم الاسمي للاقتصاد. فصندوق النقد يقدّر الناتج المحلي الإجمالي بنحو 43.024 تريليون دينار في 2026 مقابل 37.389 تريليوناً في 2025، أي نمو اسمي بـ15.1%، فيما يرتفع الناتج للفرد من نحو 5,997 دولاراً إلى 6,733 دولاراً. ويظل هذا المؤشر الاسمي متأثراً بالأسعار وسعر الصرف، لذلك لا ينبغي مساواته تلقائياً بزيادة مماثلة في القوة الشرائية الحقيقية.
لكن القراءة الإيجابية الأهم تكمن ربما في تركيبة الاستثمار.
فالصندوق يقدّر استثمار القطاع غير الحكومي غير النفطي بما يعادل أكثر من 32% من الناتج في 2026، في مؤشر يعكس الحجم المتزايد للنشاط الاستثماري خارج المحروقات والإنفاق العمومي المباشر. كما أبقى التقرير على الاستثمار العام عند مستويات مرتفعة نسبياً، بما يعكس استمرار دور البنية التحتية والمشروعات الكبرى في دعم النشاط.
ولم يكتف المجلس التنفيذي بملاحظة هذا المسار، بل رحب صراحة بجهود الجزائر لتنويع الاقتصاد، ودعا إلى استكمالها بإصلاحات تسمح بجذب مزيد من الاستثمار الخاص وتحسين مناخ الأعمال وتقليل الحواجز التنظيمية.
وتضاف إلى هذه الصورة نقطة قوة أخرى كثيراً ما تغيب عند قراءة المؤشرات الجزائرية: الدين الخارجي شديد الانخفاض.
فإجمالي الدين الخارجي لا يمثل سوى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بعد 1.1% في 2025، ويتوقع الصندوق انخفاضه تدريجياً إلى 0.5% بحلول 2031. ويحد هذا المستوى المنخفض جداً من انكشاف الاقتصاد الجزائري على تقلب أسعار الفائدة العالمية، ومخاطر إعادة تمويل الديون بالعملات الأجنبية، والتغيرات المفاجئة في شهية المستثمرين الدوليين.
كما يقدم القطاع المصرفي عنصراً إضافياً من عناصر القوة. فقد أكد المجلس التنفيذي أن البنوك الجزائرية تظل سائلة ومربحة ومتمتعة بمستويات رسملة مناسبة، ورحب بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار المالي والشمول المالي، مع دعوته في الوقت نفسه إلى مواصلة معالجة القروض المتعثرة وتحسين الحوكمة والإشراف وإدارة السيولة والأزمات.
وسجل الصندوق كذلك تطوراً مؤسسياً إيجابياً بإشادته بما وصفه بـالإزالة السريعة للجزائر من قائمة مجموعة العمل المالي للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، معتبراً أن ذلك ينبغي أن يتبعه استمرار فعال في تنفيذ الإطار المعزز لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتعزز هذه المؤشرات صورة اقتصاد يحتفظ بقاعدة داخلية قوية نسبياً، بينما ينتقل التحدي الأكبر إلى كيفية إدارة المالية العامة والحفاظ على الهوامش الخارجية.
فالعجز الإجمالي للميزانية، الذي بلغ بحسب تقديرات الصندوق 10.5% من الناتج في 2025، يتجه إلى الانخفاض إلى 9.6% في 2026. ورغم التحسن بنحو 0.9 نقطة مئوية، يظل المستوى مرتفعاً وفق تقييم المؤسسة الدولية، خصوصاً في ظل الاحتياجات الكبيرة للتمويل.
وتقدر إيرادات الحكومة المركزية بنحو 25.4% من الناتج في 2026، مقابل نفقات تشمل صافي الإقراض عند 35%، بما يعكس اتساع الفارق بين الموارد والإنفاق.
غير أن تقرير الصندوق يقر أيضاً بأن ارتفاع أسعار المحروقات خلال 2026 يمنح المالية العامة نافذة مواتية لإعادة بناء الاحتياطيات والهوامش المالية. ولذلك لم يدع المجلس إلى تصحيح مفاجئ، وإنما استخدم صيغة «ضبط مالي تدريجي وموثوق»، بما يعني معالجة العجز على مراحل مع المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ومن أبرز المقترحات التي وضعها الصندوق توسيع الإيرادات غير النفطية، وتحسين التحصيل الضريبي، وتقليص النشاط غير الرسمي، وتحسين كفاءة الاستثمار العمومي، إلى جانب إصلاح دعم الطاقة تدريجياً مع توفير حماية موجهة للأسر الهشة.
ويكتسب مسار الدين الحكومي أهمية خاصة في السيناريو المتوسط الأجل.
فالصندوق يقدّر الدين الإجمالي للحكومة، من دون الضمانات، عند 53.2% من الناتج في 2026 مقابل 52.1% في 2025 و48.1% في 2024. وإذا استمرت العجوزات المفترضة في السيناريو الأساسي من دون تعديل مالي أوسع، فإنه يتوقع ارتفاع النسبة إلى 60.4% في 2027 و66.4% في 2028 و71.2% في 2029، قبل بلوغ 79% في 2031.

وهذه الأرقام ليست نتيجة محتومة، وإنما مسار افتراضي يقوم على استمرار السياسات والعجوزات التي يتضمنها السيناريو الأساسي للصندوق. كما يشير التقرير نفسه إلى أن تسريع الإصلاحات والتنويع وتحسين المالية العامة يمثل سيناريو صعودياً يمكن أن يرفع الاستثمار والنمو ويعزز قدرة الاقتصاد على الصمود.
ويظهر التحدي نفسه في التمويل النقدي.
فصندوق النقد يقدّر تمويل بنك الجزائر للحكومة بما يعادل 3.7% من الناتج في 2025، ويرفع تقديره إلى 5.5% في 2026. ويرى المجلس أن استمرار الاعتماد الواسع على هذه الآلية قد يزيد الضغوط التضخمية ويؤثر في فاعلية السياسة النقدية، ولذلك أوصى بأن يظل التمويل النقدي محصوراً في الظروف الاستثنائية وتعزيز الاستقلالية التشغيلية للبنك المركزي.
وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات الائتمان استمرار دوران النشاط الاقتصادي، إذ يتوقع الصندوق نمو الائتمان الموجه إلى الاقتصاد بـ9.6% في 2026 مقابل 7.8% في 2025، فيما تتوسع الكتلة النقدية وشبه النقدية بـ11.5%.
أما التضخم، فيمثل أحد الملفات التي يتوقع الصندوق أن تشهد ارتفاعاً مؤقتاً. فبعد متوسط بلغ 1.4% في 2025، يضع توقعه عند 5.5% في 2026، قبل انخفاضه إلى 3.5% في 2027 واستقراره حول 3.8% في السنوات التالية.
ويربط التقرير جانباً من الارتفاع الأخير في الأسعار بانتهاء فترة انخفاض أسعار الأغذية وارتفاع أسعار المجوهرات بالتزامن مع صعود الذهب، بعدما انتقل التضخم العام من انكماش بـ2% في سبتمبر 2025 إلى ارتفاع بـ5.2% في أفريل 2026.
لكن أكبر تحول في مؤشرات 2026 قد يأتي من الحساب الخارجي.
فبعد عجز في الحساب الجاري قدره الصندوق بـ8.9% من الناتج في 2025، يتوقع أن يتراجع إلى 1.9% فقط في 2026، أي تحسن يقارب سبع نقاط مئوية خلال عام واحد، مستفيداً أساساً من ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع الواردات.
ويتوقع الصندوق بالتوازي ارتفاع وزن صادرات السلع إلى 19.3% من الناتج مقابل 15.8% في 2025، وانخفاض الواردات من 21.9% إلى 18.5%.
ويقوم جانب مهم من هذه التوقعات على افتراض ارتفاع متوسط القيمة الوحدوية لصادرات الخام الجزائري من 69.4 دولاراً للبرميل في 2025 إلى 92.6 دولاراً في 2026، قبل عودتها التدريجية إلى 82.4 دولاراً في 2027 و77.7 دولاراً في 2028.
وهذه النقطة تفسر لماذا يرى صندوق النقد أن ارتفاع عائدات المحروقات يمنح الجزائر فرصة آنية لتحسين الحسابات الخارجية والمالية العامة، لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن تحويل هذه النافذة إلى مكسب دائم يمر عبر مواصلة التنويع وتقوية الإيرادات غير النفطية.
أما الاحتياطيات الرسمية، فيضعها التقرير عند 46.5 مليار دولار في 2026، مقابل 51 ملياراً في 2025 و68.9 ملياراً في 2024.
لكن الرقم لا يُقرأ منفرداً؛ فالمستوى المتوقع لعام 2026 ما يزال يعادل تغطية تقارب 8.1 أشهر من واردات السلع والخدمات للسنة التالية، وهي وسادة خارجية معتبرة، وإن كان الصندوق يركز على الاتجاه التنازلي باعتباره أحد الملفات التي تتطلب إعادة بناء الهوامش على المدى المتوسط.
وفي السيناريو الأساسي نفسه، يقدّر الصندوق الاحتياطيات عند 41 مليار دولار في 2027 و33.4 ملياراً في 2028، ثم 27.8 ملياراً في 2029 و19.8 ملياراً في 2031، مع انخفاض التغطية إلى 3.3 أشهر في نهاية فترة التوقع.
ومرة أخرى، تمثل هذه الأرقام توقعات مشروطة بافتراضات الصندوق حول أسعار الطاقة والسياسات والعجز والحساب الجاري وليست مساراً محسوماً، وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان تحسن عائدات المحروقات الحالي سيستخدم لإعادة تكوين الأرصدة الخارجية.
وتكتسب توصيات الصندوق المتعلقة بالتنويع هنا معنى أوسع.
فالمجلس رحب بالاستثمارات والجهود الجزائرية في قطاعات جديدة، ودعا إلى تعميق الإصلاحات التي تسمح بتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، وتقليل العراقيل التنظيمية والنشاط غير الرسمي، وتعزيز الحوكمة والشفافية. كما شدد بصورة لافتة على أهمية تعميق الروابط التجارية والطاقوية بين الجزائر وأوروبا وإفريقيا.

وتعطي هذه الإشارة بعداً استراتيجياً لمسار التنويع، لأن الجزائر لا تتحرك داخل سوق داخلية فقط، بل في موقع جغرافي يسمح لها بالجمع بين الطاقة والأسواق الأوروبية والعمق الإفريقي، ما يفتح مجالاً أمام الصناعة والتعدين والزراعة والطاقة المتجددة والهيدروجين واللوجستيك والتجارة الإقليمية.
وعليه، فإن قراءة تقرير صندوق النقد لعام 2026 من زاوية العجز وحده تفقد جزءاً كبيراً من الصورة.
فالوثيقة تسجل نمواً حقيقياً قوياً، ونشاطاً غير نفطي عند 4%، وديناً خارجياً لا يتجاوز 1% من الناتج، وبنوكاً يصفها المجلس بأنها سائلة ومربحة وذات رسملة جيدة، وجهود تنويع حظيت بترحيب رسمي من مجلس إدارة الصندوق، إلى جانب الخروج السريع من قائمة المتابعة المعززة لمجموعة العمل المالي.
وفي الجهة المقابلة، يضع الصندوق أمام الجزائر معادلة واضحة للمرحلة المقبلة: استخدام سنوات العائدات الطاقوية المرتفعة لبناء هوامش مالية جديدة، وتقليص احتياجات تمويل الميزانية، والحفاظ على الاحتياطيات، مع تسريع انتقال النمو من الاعتماد على الإنفاق والمحروقات إلى استثمارات أكثر إنتاجية وقاعدة تصدير أكثر تنوعاً.
ولهذا يمكن اعتبار 2026 سنة مفصلية في قراءة الصندوق للاقتصاد الجزائري.
فالمؤسسة الدولية لا ترى اقتصاداً في حالة انكماش أو أزمة نمو؛ بل تتوقع استمرار توسع الناتج بـ3.8%، وتستخدم صراحة وصف «النمو القوي»، بينما تركز تحذيراتها على كيفية حماية هذا النمو من ضغوط العجز والتمويل النقدي وتراجع الهوامش الخارجية.
وبذلك، يصبح الرهان الاقتصادي الجزائري خلال المرحلة المقبلة أكبر من مجرد الحفاظ على معدل نمو قريب من 4%. التحدي هو تحويل الزخم الاستثماري والتنويع المتسارع وانخفاض المديونية الخارجية إلى قاعدة نمو أكثر استقلالاً عن دورة المحروقات، وفي الوقت نفسه استغلال التحسن المتوقع في عائدات الطاقة لإعادة بناء الاحتياطيات وضبط المالية العامة.
وإذا نجح هذا التوازن، فإن الأرقام التي يضعها صندوق النقد اليوم كعناصر قوة — نمو غير نفطي مرتفع، مديونية خارجية شديدة الانخفاض، قطاع مصرفي مستقر، وتوسع في الاستثمار والتنويع — يمكن أن تتحول من مؤشرات ظرفية إلى ركائز أكثر استدامة للاقتصاد الجزائري خلال النصف الثاني من العقد.























