بوابة الجزائر الإخبارية: 4.3 تريليون دولار سنوياً هي الفجوة التي ما تزال تفصل الاقتصادات النامية عن الاستثمارات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في وقت تزداد فيه كلفة الاقتراض وتتسع احتياجات التكيف المناخي وتتحول الطاقة إلى أحد أكثر عناصر الاقتصاد العالمي حساسية. وسط هذه المعادلة، تبدأ الجزائر أسبوعاً دبلوماسياً مكثفاً في نيويورك، حيث تضع رزنامة الدورة الـ81 للجمعية العامة أمامها ملفات تتقاطع مباشرة مع مصالحها الاقتصادية: التمويل، الانتقال الطاقوي، الحق في التنمية، التكنولوجيا وأمن الإمدادات.

ويمثل وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، الجزائر في الأسبوع رفيع المستوى بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بعد وصوله إلى نيويورك يوم الأحد 20 سبتمبر، فيما تنطلق المناقشة العامة الثلاثاء 22 سبتمبر وتستمر إلى 26 سبتمبر، قبل استئنافها في 28 سبتمبر. وافتتحت الدورة العادية الـ81 رسمياً في 8 سبتمبر وتستمر إلى 7 سبتمبر 2027، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع».

وحسب البرنامج الرسمي للأمم المتحدة والوثائق الاقتصادية المصاحبة للدورة، فإن أهمية المشاركة الجزائرية لا تقاس هذه المرة فقط بالكلمة التي ستلقى في الجمعية العامة أو بالمواقف من الأزمات الدولية، بل أيضاً بتزامن الأسبوع مع نقاشات تعيد فتح بعض أكثر الملفات تأثيراً في اقتصادات الدول النامية: من يدفع كلفة الانتقال الطاقوي؟ كيف تموّل البلدان استثمارات التكيف؟ وبأي شروط تحصل على رؤوس الأموال والتكنولوجيا؟ وكيف يمكن إصلاح منظومة مالية دولية باتت كلفة الاقتراض داخلها جزءاً من فجوة التنمية نفسها؟
وقد بدأ عطاف تحركاته قبل افتتاح المناقشة العامة، فيما يسجل مكتب رئيس الجمعية العامة لقاءً عقد في نيويورك يوم 20 سبتمبر بين وزير الخارجية الجزائري ورئيس الدورة الـ81 خليل الرحمن، كما استهل عطاف نشاطاته بلقاء مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، وفق البيان الجزائري المنشور في اليوم نفسه.
وهذه الحركة المبكرة مهمة من منظور الدبلوماسية الاقتصادية، لأن أسبوع الجمعية العامة يجمع في مساحة زمنية واحدة الحكومات والمؤسسات الدولية ووزراء الخارجية والاقتصاد والطاقة، ويتيح للدول تحويل الملفات متعددة الأطراف إلى مشاورات ثنائية وشراكات ومفاوضات تمتد إلى ما بعد قاعات الأمم المتحدة.

المشهد الاقتصادي الذي تحتضنه نيويورك هذا العام أكثر تعقيداً من السنوات السابقة. فبيانات الأمم المتحدة تشير إلى فجوة تمويل سنوية تتجاوز أربعة تريليونات دولار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بينما أظهر تقرير للأونكتاد في 2026 أن التدفقات المالية الخارجية التي استقبلتها البلدان النامية بلغت قرابة 1.5 تريليون دولار في 2024، لكنها بقيت عاجزة عن سد فجوة استثمار تقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنوياً.
وتتضاعف الضغوط مع ارتفاع تكلفة الدين. فقد خلصت الأونكتاد إلى أن ارتفاع مدفوعات الفائدة قلّص الحيز المالي المتاح للتنمية في 99 دولة نامية تضم نحو 5.5 مليارات نسمة بين 2018 و2024، بما يعني أن جزءاً متزايداً من الموارد التي كان يمكن تخصيصها للبنية التحتية والطاقة والمياه والصحة والاستثمار أصبح يذهب لخدمة الدين.
وهنا يصبح «الحق في التنمية» الذي سيعود إلى الواجهة في نيويورك قضية مالية بقدر ما هو مبدأ قانوني وسياسي.
الطاقة والتمويل.. أين تتقاطع المصالح الجزائرية؟
يحمل الأربعاء 23 سبتمبر كثافة اقتصادية خاصة، إذ تعقد الجمعية العامة اجتماعاً رفيع المستوى بمناسبة مرور أربعين عاماً على اعتماد إعلان الحق في التنمية، بينما يعقد الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم ذاته حدثاً رفيع المستوى حول العمل المناخي والانتقال العادل. ويركز المسار المناخي رسمياً على تسريع انتقال «عادل ومنظم» نحو الطاقة المتجددة، وتوسيع التمويل والاستثمارات الميسرة للدول النامية، ودعم التكيف والقدرة على الصمود.
بالنسبة إلى الجزائر، يضع هذا التقاطع موضوع الطاقة في سياق أوسع من النقاش التقليدي حول خفض الانبعاثات. فالاقتصاد الجزائري منتج ومصدر للمحروقات، وفي الوقت نفسه يملك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين، ولذلك فإن شكل الانتقال الدولي وسرعته وشروط تمويله ونقل التكنولوجيا المرتبط به كلها مسائل ذات أثر مباشر في الاستثمارات وفي مستقبل الصادرات وفي بنية الاقتصاد خلال العقود المقبلة.
ولا يعني «الانتقال العادل» بالنسبة إلى الدول النامية التخلي الفوري عن مصادر الطاقة الحالية، وفق مفهوم الاجتماع الأممي، بل يرتبط بكيفية إدارة التحول مع تأمين التمويل والاستثمار ومراعاة اختلاف القدرات التنموية بين الاقتصادات. ومن هنا تكتسب المناقشات أهمية خاصة للدول المنتجة التي تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على أمن الإمدادات وتوسيع الاستثمارات منخفضة الكربون.
كما أن الأزمة المناخية باتت تحمل فاتورة مالية يصعب فصلها عن سياسات التنمية. ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات التكيف في البلدان النامية بما يتراوح بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، في حين لم تتجاوز التدفقات الدولية العامة المخصصة للتكيف نحو 26 مليار دولار في 2023. أي أن الاحتياجات الحالية والمستقبلية تعادل ما بين 12 و14 ضعف التمويل المتاح وفق أحدث تقديرات البرنامج.
هذه الأرقام تمنح النقاش بعداً مباشراً بالنسبة إلى الجزائر وإفريقيا عموماً. فالتكيف لا يعني الإنفاق البيئي المجرد، وإنما تمويل شبكات المياه، وتحلية مياه البحر، والزراعة المقاومة للجفاف، والحماية من الحرائق والتصحر، والبنية التحتية القادرة على تحمل الظواهر المناخية، إلى جانب تحديث شبكات الكهرباء والطاقة.
كما أن شكل التمويل لا يقل أهمية عن حجمه. فإذا جاءت التدفقات المناخية في معظمها على هيئة ديون مرتفعة الكلفة، فإن الدول النامية قد تجد نفسها تمول التحول المناخي على حساب الاستثمار والتنمية، وهو ما يفسر تصاعد النقاش الدولي حول المنح والتمويل الميسر وإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وخفض علاوات المخاطر.
وفي الحالة الجزائرية، يفتح ذلك مجالاً اقتصادياً أوسع للدبلوماسية الطاقوية. فموقع الجزائر بين إفريقيا وأوروبا يسمح لها بربط نقاشين يجريان غالباً بصورة منفصلة: حاجة أوروبا إلى أمن الطاقة وتنويع الإمدادات من جهة، وحاجة إفريقيا إلى الكهرباء والبنية التحتية ورأس المال والتكنولوجيا من جهة أخرى.

وهذه المعادلة يمكن أن تجعل مشروعات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والربط الكهربائي والممرات العابرة للصحراء جزءاً من خطاب اقتصادي واحد يقوم على أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن تمويل التنمية في جنوب المتوسط وإفريقيا.
لكن القيمة العملية لهذه الورقة ستبقى مرتبطة بما ينتج فعلياً عن اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف. فالجمعية العامة لا توقع تلقائياً عقود الطاقة أو الاستثمار، لكنها توفر منصة سياسية نادرة يجتمع خلالها عدد كبير من أصحاب القرار، ما يسمح بفتح مسارات تفاوضية قد تتحول لاحقاً إلى استثمارات أو ترتيبات تمويل أو تعاون تكنولوجي.
وهنا يمكن قراءة اللقاءات التي يجريها عطاف على هامش الدورة باعتبارها مكوناً مكملاً للمشاركة الرسمية، وليس نشاطاً بروتوكولياً منفصلاً عنها. وفي 21 سبتمبر، أفادت وكالة الأنباء الليبية بأن عطاف والقائم بأعمال وزارة الخارجية الليبية الطاهر الباعور بحثا، إلى جانب القضايا السياسية والأمنية، آفاق تطوير التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين.
كما كان مقرراً أن يلتقي عطاف في نيويورك وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابيتريتيس، وفق البرنامج الذي أعلنته أثينا ليوم 21 سبتمبر، بالتزامن مع حضور وزير البيئة والطاقة اليوناني إلى نيويورك بأجندة تشمل الطاقة والمناخ والتحضير لمؤتمر COP31. ولا تعني هذه البرمجة بحد ذاتها وجود مفاوضات طاقوية جزائرية-يونانية معلنة، لكنها توضح كيف تتحول نيويورك خلال هذا الأسبوع إلى مساحة تتقاطع فيها الدبلوماسية السياسية مع ملفات الطاقة والاقتصاد.
الحق في التنمية يعود بأرقام أكثر إلحاحاً
يأتي اجتماع 23 سبتمبر بعد أربعين عاماً من اعتماد الجمعية العامة إعلان الحق في التنمية في 4 ديسمبر 1986، الذي ربط التنمية بمشاركة الأفراد والشعوب في العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستفادة العادلة من نتائجها. وتقول الأمم المتحدة إن اجتماع الذكرى الأربعين يستهدف إعادة تأكيد هذا الحق إطاراً لمعالجة التحديات المعاصرة وتعزيز السياسات الوطنية والتعاون الدولي.
لكن الفرق بين 1986 و2026 أن الجدل اليوم أصبح أكثر ارتباطاً بالمال والتكنولوجيا والأسواق.
فالدول النامية تواجه اقتصاداً دولياً أصبحت فيه تكلفة رأس المال عاملاً حاسماً في تحديد القدرة على إنشاء مصنع أو محطة كهرباء أو شبكة مياه أو بنية رقمية. وفي الوقت الذي تستطيع فيه بعض الاقتصادات المتقدمة الاقتراض بكلفة أقل، تدفع العديد من الدول النامية علاوات مخاطر أعلى، وهو ما يرفع تكلفة المشروعات ويؤخر الاستثمار حتى عندما تكون الجدوى الاقتصادية موجودة.
وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن نحو ثلاثة مليارات شخص يعيشون في دول تنفق حكوماتها على فوائد الدين أكثر مما تنفقه على الصحة والتعليم مجتمعين، وهو رقم يختصر جانباً من المعضلة التي سيعود ملف التنمية إلى طرحها في نيويورك.
بالنسبة إلى الجزائر، يمنح هذا النقاش مساحة لربط أولوياتها الوطنية بقضايا أوسع تتشاركها مع الدول الإفريقية والنامية: تمويل البنية التحتية، توسيع التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، الأمن الغذائي، الطاقة، الاقتصاد الرقمي وتحسين شروط الوصول إلى رؤوس الأموال.
وتزداد أهمية ذلك مع كون إفريقيا تحتاج إلى تمويل ضخم لمشروعات الربط الكهربائي والنقل والمياه والممرات التجارية، بينما تحد الديون وتكلفة الاقتراض من قدرة عدد من اقتصادات القارة على تنفيذها. ولهذا فإن إصلاح الهيكل المالي الدولي لم يعد نقاشاً مؤسسياً مجرداً، بل بات مرتبطاً مباشرة بسرعة تنفيذ المشاريع ومقدار النمو وفرص العمل.

وفي المقابل، تمتلك الجزائر بعض الخصائص التي تسمح لها بتقديم نفسها ضمن هذه المناقشات ليس فقط كمتلق محتمل للتمويل، وإنما كشريك في مشروعات إقليمية: فهي منتج للطاقة، ولها واجهة متوسطية وامتداد إفريقي، وتوجد على مسارات مشروعات للربط الطاقوي والطرقي والتجاري نحو الجنوب والشمال.
وبالتالي فإن إحدى القضايا الاقتصادية التي يمكن أن تبرز خلال الدبلوماسية الجزائرية في السنوات المقبلة تتمثل في تحويل هذه الجغرافيا إلى أصول اقتصادية مترابطة: الغاز نحو أوروبا، الطاقة والكهرباء والهيدروجين مستقبلاً، الممرات التجارية نحو الساحل وغرب إفريقيا، وربط ذلك بالاستثمار الصناعي واللوجستي داخل الجزائر.
ويأتي هذا كله بينما تدخل التكنولوجيا بدورها قلب النقاش الأممي. فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد الملفات البارزة في أسبوع الجمعية العامة، وسط نقاش دولي حول الحوكمة والمخاطر والوصول العادل إلى التكنولوجيا، وهي مسألة تحمل للدول النامية آثاراً اقتصادية تتجاوز تنظيم التطبيقات إلى البنية التحتية الرقمية والحوسبة والبيانات وتكوين الكفاءات.
وهذا يضع مفهوم «الحق في التنمية» أمام اختبار جديد: فبعدما كان النقاش يدور تاريخياً حول الموارد والأسواق ورأس المال، أصبح الوصول إلى التكنولوجيا والحوسبة والقدرات الرقمية جزءاً متزايد الأهمية من الفجوة التنموية نفسها.
لذلك، تبدو الدورة الـ81 بالنسبة إلى الجزائر مساحة تتداخل فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد: الدفاع عن المواقف داخل النظام متعدد الأطراف، توسيع شبكة العلاقات الثنائية، ومحاولة تحويل ملفات التمويل والطاقة والمناخ والتكنولوجيا إلى فرص اقتصادية ملموسة.
ولا يمكن قياس نتيجة أسبوع نيويورك بعدد الاجتماعات وحده، بل بما يمكن أن يتحول منها لاحقاً إلى استثمار وتمويل وتعاون تقني واتفاقات اقتصادية.
فالجزائر تدخل هذه الاجتماعات في وقت يعاد فيه تشكيل أسواق الطاقة، ويتسع فيه عجز تمويل التنمية، وتبحث الدول عن سلاسل توريد أكثر أمناً ومصادر جديدة للطاقة والمعادن والتكنولوجيا. وفي مثل هذه البيئة، تزداد قيمة الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتحرك بالتوازي مع السياسة الخارجية، بحيث تصبح اللقاءات الدولية وسيلة لفتح الأسواق وجذب رأس المال وتمويل البنية التحتية وتثبيت الشراكات.
ومن هذه الزاوية، فإن الرقم الأكثر دلالة في أسبوع الجمعية العامة قد لا يكون عدد القادة الحاضرين ولا عدد الاجتماعات المبرمجة، بل 4.3 تريليون دولار: فجوة تمويل تكشف حجم المنافسة التي ستخوضها الدول النامية على رأس المال خلال السنوات المقبلة، وتجعل التمويل والطاقة والتكنولوجيا في صميم النقاش حول من يستطيع فعلاً تحويل «الحق في التنمية» من إعلان أممي عمره أربعون عاماً إلى قدرة اقتصادية قابلة للقياس.


















