الأحد, 18 أكتوبر 2026 • 18:21 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
تواصل فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في دورته الثالثة في العاصمة الليبية ​بورصة الجزائر والتمويل الأخضر..قراءة في أبعاد النظام رقم 26-01 وآفقه الدولية الجزائر تتجه نحو التمويل الأخضر: السندات المستدامة تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار هذا ما سيتناوله إجتماع مجلس الوزراء الجزائري اليوم! تسريب شهادة طبية لوزيرة مغربية ..مرض نفسي أم تزوير للإفلات من ملف فساد! النفط الجزائري يتصدر خامات “أوبك” وسط أزمة الإمدادات العالمية “رأس العافية”.. الخطوط الجوية الجزائرية تتسلم سادس طائرة من طراز “إيرباص A330neo”! 60 ألف حافلة وشاحنة سنويا.. مصنع ضخم بباتنة يدخل الإنتاج بداية جانفي 2027 ​”كسر الجليد التاريخي: هل ترسم محادثات دكار ملامح نظام إقليمي جديد في غرب إفريقيا؟” “سوناطراك” و”أوكسيدنتال بتروليوم” : هل تفتح التكنولوجيا الأمريكية آفاقًا جديدة لزيادة إنتاج النفط الجزائري؟
شارك المقال

247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 22 مشاهدة
247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

بوابة الجزائر الإخبارية: 247 متراً مكعباً فقط من الموارد المائية العذبة الداخلية المتجددة للفرد سنوياً؛ رقم يختصر جانباً كبيراً من التحدي الذي سيحدد شكل الزراعة الجزائرية خلال السنوات المقبلة. ففي بلد يتوسع في استصلاح الأراضي ويرفع رهاناته على الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية والزراعة الصحراوية، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بعدد الهكتارات الجديدة وحده، وإنما بكمية الغذاء والقيمة المضافة التي يمكن إنتاجها من كل متر مكعب من الماء ومن كل هكتار من التربة، وهي بالضبط المعادلة التي يضعها تقرير جديد لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في قلب التحول نحو الزراعة الخضراء.

247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

وتظهر أحدث بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة «أكواستات» التابعة للفاو أن نصيب الفرد في الجزائر من الموارد المائية الداخلية المتجددة بلغ 247 متراً مكعباً في 2022، وهي أحدث سنة متاحة في السلسلة المنشورة.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر بعدما وضعت منظمة الأغذية والزراعة سبع أولويات مترابطة للانتقال من السياسات الخضراء المكتوبة إلى التنفيذ الفعلي، في تقريرها التجميعي الجديد Green Agriculture: A Stocktaking، الذي أطلقته خلال الحوار الإقليمي الذي احتضنته بودابست يومي 14 و15 سبتمبر 2026 وجمع مسؤولين وخبراء من أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأدنى وشمال إفريقيا.

غير أن القراءة الجزائرية لهذا التقرير لا ينبغي أن تبدأ من البعد البيئي وحده. المسألة في جوهرها اقتصادية؛ لأن ندرة المياه وتراجع خصوبة التربة وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة وتزايد المخاطر المناخية كلها عوامل تدخل مباشرة في تكلفة إنتاج القمح والبطاطا والخضر والأعلاف والمحاصيل الصناعية، وبالتالي في فاتورة الغذاء وفي قدرة الاستثمار الزراعي على الاستمرار.

ومن هنا، فإن التحول نحو الزراعة الخضراء بالنسبة إلى الجزائر لا يعني تقليص الإنتاج أو الحد من برامج الاستصلاح، بل يمكن أن يعني العكس تماماً: إنتاجاً أكبر بموارد أقل، ورفع مردودية الاستثمار الزراعي، وإطالة عمر الأراضي والمياه المستخدمة، والانتقال تدريجياً من التوسع الأفقي وحده إلى التوسع القائم على التكنولوجيا والإنتاجية.

وتؤكد «الفاو» أن التحدي الذي تواجهه الدول اليوم لم يعد نقص الطموح أو غياب الخطط، وإنما الفجوة بين الالتزامات والتنفيذ. ولهذا يخلص التقرير، بعد تجميع نتائج خمسة تقييمات إقليمية شملت إفريقيا، وآسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، والشرق الأدنى وشمال إفريقيا، إلى أن السياسات الزراعية لا يمكن أن تستمر في العمل داخل قطاعات منفصلة. فالزراعة والماء والبيئة والمناخ والتمويل والأسواق والتنمية الريفية أصبحت أجزاء من معادلة واحدة.

وهذه الخلاصة تلتقي مباشرة مع طبيعة التحول الجاري في القطاع الزراعي الجزائري.

فالجزائر لا تواجه مشكلة نقص الأراضي القابلة للتطوير فقط، بل معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بمكان وجود الماء، وكلفة نقله وضخه، ونوعية التربة، والمسافة بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، ووجود التخزين والتبريد والصناعة التحويلية، ثم قدرة المحاصيل المزروعة على تحقيق قيمة اقتصادية تتناسب مع كمية الموارد المستعملة.

وبذلك، قد يصبح المتر المكعب من الماء مؤشراً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الهكتار.

فالهكتار الذي ينتج محصولاً كبيراً لكنه يستهلك كميات ضخمة من المياه الجوفية قد يبدو ناجحاً في حساب الموسم الزراعي، لكنه يصبح أقل جدوى عندما تُحتسب كلفة استنزاف المخزون المائي والطاقة المستخدمة في الضخ وتدهور التربة على مدى سنوات. وفي المقابل، يمكن لتقنيات الري الدقيقة واختيار الأصناف الملائمة والمراقبة الرقمية لرطوبة التربة أن ترفع القيمة المنتجة من الحجم نفسه من المياه.

وهذا تحديداً ما يفسر تركيز «الفاو» على الشرق الأدنى وشمال إفريقيا بوصفهما من أكثر المناطق تعرضاً لندرة المياه. ويعتبر التقرير أن الإنتاجية المائية والإصلاح المالي والتنظيمي وحماية التربة يجب أن تكون في مركز التحول الزراعي في المنطقة، في حين شدد المدير العام المساعد للفاو والممثل الإقليمي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا عبد الحكيم الواعر على أن الإدارة المستدامة للمياه وصحة التربة والتنوع البيولوجي ومرونة المجتمعات الريفية تمثل عناصر أساسية في هذا المسار.

وتمنح هذه المقاربة الجزائر فرصة لإعادة تقييم نجاح البرامج الزراعية بمعايير أوسع.

فالتوسع الكبير في الزراعة الصحراوية، الذي أصبح أحد محاور سياسة الأمن الغذائي، يمكن أن ينتقل تدريجياً من منطق «مساحة مستصلحة وإنتاج محقق» إلى نموذج أكثر دقة يحتسب المردود لكل هكتار، والمردود لكل متر مكعب، وكلفة الطاقة، ونسبة الملوحة، وعمر الطبقات الجوفية، والقيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

وهذا لا ينتقص من أهمية التوسع الصحراوي؛ بل على العكس، يمكن أن يمنحه قاعدة أكثر صلابة واستمرارية. فالجزائر تملك مساحات واسعة وإشعاعاً شمسياً مرتفعاً وتجربة متراكمة في استصلاح مناطق جديدة، وإذا جرى الجمع بين هذه المزايا والري الذكي والطاقة الشمسية واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئات الجافة، فإن الصحراء يمكن أن تتحول من مجرد احتياطي للأراضي إلى مختبر واسع للزراعة عالية الكفاءة في المناخات القاحلة.

كما يبرز مسار آخر بدأت الجزائر بالفعل في تطويره: إعادة إدخال المياه المستعملة المعالجة إلى الدورة الاقتصادية.

ففي 15 أوت 2026، وُضعت ببلدية رأس الماء في ولاية سيدي بلعباس اللبنة الأولى لمحيط سقي فلاحي على مساحة 100 هكتار يعتمد بالكامل على المياه الخارجة من محطة معالجة المياه المستعملة في البلدية. وأكد وزير الري لوناس بوزقزة خلال إطلاق المشروع أهمية تنويع مصادر المياه وتثمين الموارد غير التقليدية وتوسيع استخدام المياه المعالجة في النشاط الزراعي.

وقد يبدو مشروع بمساحة 100 هكتار محدوداً عند مقارنته بالبرامج الكبرى للاستصلاح، لكن قيمته الاقتصادية تكمن في النموذج الذي يختبره.

فكل متر مكعب من المياه المعالجة يُعاد توجيهه إلى الزراعة يمثل مورداً إضافياً لا يُسحب من سد ولا من طبقة جوفية. وكل توسع مدروس في هذا النوع من المشاريع يمكن أن يحرر جزءاً من المياه التقليدية لاستخدامات أخرى، ويوفر للقطاع الزراعي مورداً أكثر انتظاماً، خصوصاً حول المدن والمناطق التي تمتلك محطات معالجة.

وهذا هو الاقتصاد الدائري بأحد أكثر تطبيقاته وضوحاً: المورد لا ينتهي بعد استخدامه الأول، بل يدخل دورة إنتاج ثانية.

لكن الانتقال من عشرات أو مئات الهكتارات إلى نموذج واسع يتطلب أكثر من محطة معالجة. فهو يحتاج إلى شبكات نقل منفصلة، ومراقبة مستمرة لنوعية المياه، وتحاليل للتربة، وتصنيف المحاصيل التي يمكن ريها، واستثمارات في التخزين والضخ، إضافة إلى إطار اقتصادي يجعل استخدام المياه المعالجة جذاباً للمستثمر والفلاح مقارنة بالمصادر التقليدية.

وتضع «الفاو» الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد ضمن أولوياتها السبع، إلى جانب مواءمة السياسات والتخطيط والتمويل، وتقوية المؤسسات والحوكمة، وتحسين البيانات والأنظمة الرقمية والمتابعة، وتوسيع التكنولوجيا والابتكار بصورة شاملة، وإدماج العدالة والمشاركة، وتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي.

وعند إسقاط هذه الأولويات على الجزائر، يظهر أن التحول المطلوب يتجاوز وزارة واحدة أو برنامجاً قطاعياً واحداً.

فقرار إنشاء محيط زراعي جديد يرتبط بالماء، والماء يرتبط بالطاقة المستخدمة في الضخ، والطاقة تؤثر في تكلفة الإنتاج، بينما تحدد الطرق وغرف التبريد والأسواق والصناعة التحويلية مقدار ما يصل من ذلك الإنتاج إلى المستهلك ومقدار القيمة الاقتصادية التي تضيع بين الحقل والسوق.

ولهذا تحذر «الفاو» من بقاء الاهتمام مركزاً على الإنتاج والموارد الطبيعية مقابل تقدم أبطأ في سلاسل التوريد الخضراء والاستهلاك المستدام وتقليل الفاقد والنفايات الغذائية. وتقول المنظمة إن المكاسب التي تتحقق داخل المزرعة لا يمكن الحفاظ عليها إذا بقيت الحلقة اللاحقة للإنتاج ضعيفة.

وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الجزائر.

فطن من المحاصيل يُفقد خلال التخزين أو النقل ليس مجرد طن من الغذاء الضائع؛ إنه أيضاً مياه ضائعة وطاقة وأسمدة وعمل وتمويل ومساحة زراعية استُهلكت دون تحقيق قيمتها النهائية.

ومن ثم، يمكن أن يصبح الاستثمار في غرف التبريد والمخازن والمنصات اللوجستية والصناعة الغذائية جزءاً من سياسة الحفاظ على المياه نفسها، لأن تخفيض الفاقد يعني إنتاج الكمية الصافية نفسها بموارد أقل.

وهنا يتحول مفهوم الزراعة الخضراء من ملف بيئي إلى سياسة لرفع الكفاءة الاقتصادية للقطاع الزراعي بالكامل.

كما أن التحول الرقمي قد يكون واحداً من أكبر مصادر الزيادة المقبلة في الإنتاجية الزراعية الجزائرية. فالأقمار الصناعية وأجهزة قياس رطوبة التربة ومحطات الطقس المحلية والطائرات المسيرة وأنظمة الري المتصلة رقمياً تسمح بتحديد موعد السقي وكميته بدقة أكبر، ومراقبة تطور المحاصيل، والكشف المبكر عن الأمراض والإجهاد المائي.

وفي المناطق الصحراوية الواسعة، تصبح هذه التقنيات أكثر أهمية، لأن الإدارة التقليدية للمساحات الكبيرة تكلف وقتاً ويداً عاملة ومياهاً أكثر، بينما يسمح الاستشعار عن بعد بمراقبة آلاف الهكتارات بصورة متواصلة.

لكن القيمة الحقيقية للرقمنة لا تأتي من امتلاك الأجهزة وحدها، وإنما من البيانات التي تنتجها وربطها بقرارات الاستثمار والسياسة الزراعية.

فعندما تعرف السلطات كمية المياه المستهلكة في كل محيط، ونوعية التربة، والمحاصيل المزروعة، والمردودية، ومستوى الملوحة وتطور الطبقات الجوفية، يصبح من الممكن توجيه الاستصلاح إلى المناطق والمحاصيل الأكثر جدوى، بدلاً من بناء القرارات على المساحة والإنتاج الإجمالي فقط.

وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل التي يحملها التقرير للجزائر: الانتقال من سياسة تعتمد أساساً على المدخلات إلى سياسة تعتمد أكثر على المعرفة.

وتنسجم هذه الفكرة مع المسار الذي تطرحه «الفاو» ضمن إصلاحاتها لعام 2026، والقائم على الانتقال من معالجة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود، ومن نظم غذائية كثيفة المدخلات إلى نظم أكثر اعتماداً على المعرفة، ومن السياسات المنعزلة إلى التنسيق، ومن الالتزامات العالمية إلى التنفيذ المحلي.

أما الحلقة التي يمكن أن تحدد سرعة التحول فهي التمويل.

فالزراعة الخضراء أكثر كفاءة على المدى الطويل، لكنها تحتاج في بدايتها إلى استثمارات: شبكات ري حديثة، مجسات، معدات رقمية، طاقة شمسية، معالجة مياه، تحسين التربة، غرف تبريد ومنشآت تحويل.

ومن هنا يمكن للقطاع المالي الجزائري أن يصبح شريكاً مباشراً في التحول إذا تطورت منتجات مصرفية تمنح شروطاً أفضل للمشروع الذي يخفض استهلاك المياه أو يستخدم الطاقة المتجددة أو يعيد تدوير المخلفات أو يعتمد تقنيات زراعية دقيقة.

وعندها يمكن أن ينتقل التمويل الزراعي من السؤال التقليدي: كم هكتاراً سيستصلح المشروع؟ إلى أسئلة أكثر تطوراً: كم ينتج؟ كم يستهلك من الماء؟ ما نسبة الفاقد؟ وما قدرته على الاستمرار عشرين أو ثلاثين عاماً؟

كما يمكن لآليات التأمين الزراعي المرتبطة بالمناخ أن تخفف جزءاً من المخاطر الجديدة التي تواجه المنتجين، خصوصاً مع زيادة تواتر موجات الحر والجفاف والتقلبات الجوية.

ولا تقدم «الفاو» وصفة واحدة جاهزة للجزائر أو لغيرها. بل تؤكد صراحة أن التحول لا يملك مساراً موحداً، وأن السياسات يجب أن تنطلق من الواقع المحلي، وهو ما يمنح الجزائر مساحة كبيرة لبناء نموذجها الخاص انطلاقاً من خصائصها الصحراوية والمتوسطية ومواردها المائية غير التقليدية وإمكاناتها الطاقوية.

وهذه قد تكون إحدى نقاط القوة الجزائرية في السنوات المقبلة.

فالدول التي تملك وفرة مائية تستطيع زيادة الإنتاج عبر توسيع الري بسهولة نسبية، بينما تدفع ندرة الموارد الجزائر إلى البحث مبكراً عن حلول أكثر تقدماً في التحلية ومعالجة المياه والري المحسوب والزراعة الصحراوية والطاقة الشمسية. وإذا تحولت هذه الضرورة إلى قاعدة تكنولوجية وصناعية، فقد تنتج عنها خبرة قابلة للتعميم في أسواق أخرى تعاني الظروف المناخية نفسها، خصوصاً في إفريقيا والساحل والشرق الأوسط.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى رقم 247 متراً مكعباً للفرد باعتباره مؤشراً على القيد فقط.

إنه أيضاً رقم يحدد طبيعة النموذج الزراعي الذي تحتاجه الجزائر: نموذج لا يقيس القوة بكثرة المياه المستعملة، بل بما يستطيع استخراجه من قيمة اقتصادية من كل وحدة منها.

وهنا تلتقي الأولويات السبع للفاو مع التحولات التي بدأت تظهر داخل الجزائر: المياه المعالجة، الزراعة الصحراوية، الرقمنة، استصلاح الأراضي، تطوير التخزين والتحويل، والبحث عن مردودية أعلى للمحاصيل الاستراتيجية.

التحدي الحقيقي سيكون في ربط هذه المشاريع ضمن منظومة واحدة.

فإذا نجحت الجزائر في جعل قرار الاستثمار الزراعي مرتبطاً منذ البداية بمصدر المياه وحالة التربة والطاقة والرقمنة والتخزين والتحويل والسوق، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تنتقل فيها السياسة الزراعية من سباق على توسيع المساحات إلى سباق أكثر أهمية: رفع الإنتاجية والقيمة المضافة مع خفض استهلاك الموارد.

وبذلك، فإن تقرير «الفاو» لا يضع أمام الجزائر سبعة التزامات جديدة بقدر ما يقدم إطاراً دولياً لمسار بدأت أجزاء منه بالفعل داخل البلاد.

والفرصة الأكبر تكمن في تحويل هذه الأجزاء المتفرقة إلى سياسة متكاملة تجعل المياه غير التقليدية والري الذكي والتربة السليمة والرقمنة والتمويل الأخضر والصناعة الغذائية حلقات في مشروع اقتصادي واحد.

عندها لن يقاس نجاح الزراعة الجزائرية فقط بعدد ملايين الأطنان أو الهكتارات الجديدة، بل بمؤشر أكثر حسماً لاستدامة الأمن الغذائي: كم قيمة زراعية تستطيع الجزائر إنتاجها من كل متر مكعب من الماء، وكم عاماً تستطيع الأرض مواصلة الإنتاج بالكفاءة نفسها.

وهذه هي المعادلة التي قد تحدد ليس فقط مستقبل الزراعة الخضراء، بل قدرة الجزائر على بناء أمن غذائي أكبر وأكثر استقلالاً وأقل تعرضاً لندرة الموارد وتقلبات المناخ خلال العقود المقبلة.

#الجزائر#الزراعة
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

بوابة الجزائر الإخبارية: من رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى ملفات الساحل وليبيا والسودان وغزة وإصلاح مجلس الأمن، فتحت الجزائر في نيويورك خلال الساعات الأولى من الأسبوع رفيع المستوى شبكة متوازية من المشاورات جمعت أحمد عطاف بخمسة مسؤولين في مؤسسات دولية وإقليمية وثلاثة ممثلين لدول إفريقية، في تحرك يكشف اتساع المساحة التي تتحرك فيها الدبلوماسية الجزائرية بين الأمن والتنمية والعمل الإنساني وإعادة تشكيل الحوكمة متعددة الأطراف.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

ويأتي هذا النشاط مع دخول الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مرحلتها الأعلى سياسياً، بعدما افتتحت رسمياً في 8 سبتمبر 2026 برئاسة وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، فيما يبدأ النقاش العام في 22 سبتمبر ويستمر حتى 26 منه، قبل استئنافه في 28 سبتمبر.

وحسب ما ورد في البيانات الرسمية الجزائرية والأممية والإفريقية، فإن قيمة التحرك لا تكمن فقط في عدد اللقاءات، بل في طبيعة الأطراف التي استهدفتها المشاورات. فوزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، انتقل بين رئاسة الجمعية العامة، ورئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبرنامج الأغذية العالمي، والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالتوازي مع مباحثات مع مسؤولين من ليبيا وأوغندا وسيراليون. وتظهر هذه التركيبة أن الجزائر اختارت العمل في أكثر من دائرة مؤسسية في الوقت نفسه، بدلاً من حصر مشاركتها في اللقاءات الثنائية التقليدية.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

ويكتسب المسار الأممي ثقلاً مضاعفاً هذه السنة لأن الجزائر لا تدخل الجمعية العامة كطرف مشارك فقط، بل تتولى أيضاً، عبر سفيرها ومندوبها الدائم عمار بن جامع، رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة للدورة 2027، بعد انتخابه بالإجماع في يوليو الماضي. وتمثل «إيكوسوك» أحد الأجهزة الرئيسية الستة للأمم المتحدة والمسؤول عن التنسيق الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، بما يمنح الجزائر خلال هذه المرحلة موقعاً مؤسسياً مباشراً داخل أحد أهم أذرع أجندة 2030.

ولهذا حمل لقاء عطاف مع رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن دلالة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فبحسب البيان الصادر عن مكتب رئيس الجمعية العامة عقب اجتماعهما في 20 سبتمبر، هنأ خليل الرحمن الجزائر على تولي رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وبحث الطرفان التطورات الإقليمية والدولية وأهمية الحوار والدبلوماسية والعمل الجماعي في الدفع نحو التسويات السلمية. ويعطي هذا التقاطع بين رئاسة الجزائر لـ«إيكوسوك» وعلاقتها المباشرة برئاسة الجمعية العامة مساحة أوسع لربط القضايا السياسية بملفات التنمية والتمويل والتعاون جنوب–جنوب.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

كما تفتح رئاسة «إيكوسوك» أمام الجزائر مجالاً لتوسيع حضور ملفات الدول النامية داخل النقاش الاقتصادي العالمي، خصوصاً أن الأولويات التي أعلنها عمار بن جامع عند توليه المجلس تشمل تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وخفض الفوارق، وتمويل التنمية، ومعالجة قضايا الديون والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع جانب مهم من أجندة دول الجنوب خلال الدورة الحالية للجمعية العامة.

وفي المسار الإفريقي، برز لقاء عطاف برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف باعتباره الأكثر اتساعاً من حيث الجغرافيا السياسية للأزمات المطروحة. ووفق المعطيات التي نقلت عن الجانب الجزائري، شملت المحادثات الساحل وليبيا والصحراء الغربية والسودان وجنوب السودان، إلى جانب التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما شدد الجانب الجزائري على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات وتفعيل الآليات الإفريقية، ضمن مقاربة تقوم على تعزيز الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية.

وفي مقابل ذلك، صدر عن مفوضية الاتحاد الإفريقي نفسها تقدير واضح للدور الجزائري، إذ قال بيان رسمي للاتحاد إن محمود علي يوسف أشاد بـ«الدور المهم» للجزائر في تعزيز السلم والأمن، بما في ذلك من خلال مجلس السلم والأمن الإفريقي، بينما أطلع عطاف رئيس المفوضية على نتائج النسخة العاشرة من «شهر العفو في إفريقيا» التي احتضنتها الجزائر وركزت على نزع السلاح والحد من الانتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة والألغام ومخلفات الحروب.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وتمنح هذه الإشارة الصادرة عن المؤسسة الإفريقية نفسها ثقلاً أكبر للتحرك الجزائري لأنها تضعه داخل منظومة العمل القاري، لا خارجه. كما تعكس استمرار الجزائر في الدفع نحو ربط الأمن بالتنمية ونزع السلاح والعمل الوقائي، وهي مقاربة تكتسب أهمية متزايدة في الساحل مع تداخل التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وامتدت الدائرة الإفريقية إلى سيراليون، حيث التقى عطاف نظيره محمد رحمان سواراي وناقشا العلاقات الثنائية والتنسيق حول الملفات الإقليمية والدولية. وتوقفت المحادثات خصوصاً عند التجربة التي جمعت الجزائر وسيراليون داخل مجلس الأمن في إطار الدول الإفريقية الثلاث «A3»، فضلاً عن ملف إصلاح المجلس، في وقت تضطلع فيه سيراليون بدور بارز داخل لجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي المكلفة بالدفاع عن الموقف الإفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن الجزائر أنهت عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن بعد تجربة كثيفة ضمن «A3+»، لكنها تواصل العمل عبر المؤسسات الإفريقية والأممية الأخرى على الملفات نفسها، ما يسمح باستمرار جزء من الرصيد التفاوضي الذي تراكم خلال عضويتها في المجلس، خصوصاً في القضايا المتعلقة بتمثيل إفريقيا داخل مؤسسات القرار الدولي.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وفي اللقاء مع المسؤول الأوغندي، برز مسار مختلف يجمع التعاون الثنائي بقضايا التنمية والتحضير لاجتماعات حركة عدم الانحياز. وتناول النقاش، وفق البيان الجزائري، أهداف التنمية المستدامة في إفريقيا وأهمية مواصلة التشاور بشأن الاجتماع الوزاري للحركة المقرر في كامبالا قبل نهاية 2026، بما يوسع التنسيق الجزائري خارج أطر الاتحاد الإفريقي نحو فضاء أوسع يضم عدداً كبيراً من دول الجنوب.

أما المحادثات مع المكلف بتسيير وزارة الخارجية والتعاون الدولي الليبية الطاهر الباعور، فقد مزجت بين الملف السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني والتنموي. وأكدت وزارة الخارجية الليبية أن اللقاء بحث تطوير الشراكة في هذه المجالات، إلى جانب تداعيات تطورات الساحل على أمن المنطقة وضرورة تنسيق المواقف داخل الأطر متعددة الأطراف، ولا سيما الإفريقية.

ويعيد هذا اللقاء تأكيد موقع الملف الليبي داخل الحسابات الجزائرية، ليس فقط بوصفه أزمة حدودية وأمنية، بل باعتباره أيضاً ملفاً مرتبطاً بالتنمية والتجارة واستقرار فضاء الساحل وشمال إفريقيا. ومن هذه الزاوية، فإن ربط التعاون الاقتصادي والأمني بالمسار السياسي الليبي يعكس اتجاهاً أوسع نحو التعامل مع الأزمات الإقليمية باعتبارها ملفات مترابطة وليست منفصلة.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وفي المسار الإنساني، حمل لقاء عطاف برئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريك إيغر بعداً نوعياً لأنه انتقل من الملفات الكلاسيكية للقانون الدولي الإنساني إلى قضايا حديثة تتصل بتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتطبيق قواعد الحرب في البيئات البحرية. كما تناول التحضير للمؤتمر الدولي رفيع المستوى حول «صون الإنسانية في الحرب» المقرر عقده في الأردن في 7 ديسمبر 2026.

وتشارك الجزائر في هذا المسار من موقع أكثر تقدماً من مجرد الانضمام إلى المبادرة، إذ تتولى إلى جانب سلوفينيا وسيراليون وكوستاريكا الرئاسة المشتركة لمسار العمل الخاص بحماية المنشآت المدنية. وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أشادت سابقاً بقيادة هذه الدول للمسار، في وقت باتت فيه حماية المياه والكهرباء والمستشفيات والمنشآت الأساسية من أبرز تحديات النزاعات الحديثة.

أما لقاء عطاف بالمدير التنفيذي بالنيابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، فنقل التحرك إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في المنظومة الإنسانية الدولية: الأمن الغذائي في مناطق النزاع. وأكدت المصادر الجزائرية أن المحادثات تناولت التعاون بين الجزائر والبرنامج ودعم الفئات الهشة في إفريقيا والشرق الأوسط، مع تركيز خاص على تحديات إيصال المساعدات إلى غزة مع اقتراب الشتاء، وعلى استمرار الاستجابة الإنسانية لفائدة اللاجئين الصحراويين.

ويعطي هذا اللقاء بعداً عملياً للسياسة الإنسانية، لأن برنامج الأغذية العالمي يتحرك في مساحة ترتبط بالتمويل وسلاسل الإمداد والقدرة على الوصول إلى السكان بقدر ارتباطها بالمواقف الدبلوماسية. كما يسمح للجزائر بإبقاء الملف الإنساني للصحراء الغربية وغزة داخل دائرة المؤسسات التشغيلية التابعة للأمم المتحدة، وليس فقط في البيانات السياسية.

وفي الدائرة العربية، استهل عطاف نشاطه في نيويورك بلقاء الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، حيث تناولت المباحثات الملفات العربية والإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب آليات العمل العربي المشترك. وتأتي هذه المشاورات بالتوازي مع التحرك الجزائري داخل الأمم المتحدة، ما يعكس محاولة الربط بين التنسيق العربي والمنصات الأممية خلال أسبوع يشهد كثافة غير مسبوقة في اللقاءات متعددة الأطراف.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وبجمع هذه المسارات، لا تبدو اللقاءات الثمانية مجرد برنامج جانبي موازٍ للجمعية العامة، بل شبكة عمل تمتد من رئاسة أعلى هيئة تمثيلية في الأمم المتحدة إلى رئاسة المفوضية الإفريقية والمنظومة الإنسانية والغذائية، ثم إلى دول إفريقية فاعلة في إصلاح مجلس الأمن وحركة عدم الانحياز والملف الليبي.

كما تكشف بنية التحرك عن محاولة الجزائر الحفاظ على اتصال مباشر بين ثلاثة ملفات عادة ما تعالج بصورة منفصلة: الأمن، والتنمية، والتمثيل الدولي. فالساحل وليبيا والسودان تتصل بالأمن، بينما «إيكوسوك» وأهداف التنمية المستدامة ترتبط بالاقتصاد والتمويل، في حين يتصل ملف مجلس الأمن بمدى حضور إفريقيا والدول النامية داخل مراكز القرار.

وتزداد دلالة هذا الربط مع تزامن رئاسة الجزائر للمجلس الاقتصادي والاجتماعي مع استمرار حضورها داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي ومسارات القانون الدولي الإنساني، وهي مواقع تمنح الدبلوماسية الجزائرية أدوات عمل مختلفة داخل مؤسسات متعددة، وإن كانت القدرة على تحويل هذا الحضور إلى نتائج ستظل مرتبطة بما ستنتجه المفاوضات والقرارات والبرامج اللاحقة.

وعليه، فإن أهم ما تكشفه الساعات الأولى من نشاط أحمد عطاف في نيويورك ليس الرقم «8» في حد ذاته، بل اتساع الخريطة التي شملتها المشاورات: من فلسطين إلى الساحل، ومن ليبيا إلى السودان، ومن إصلاح مجلس الأمن إلى أجندة 2030، ومن حماية المنشآت المدنية إلى الأمن الغذائي.

وبذلك تدخل الجزائر الدورة الـ81 للجمعية العامة وهي تتحرك في أكثر من منصة مؤسسية في الوقت نفسه، مستفيدة من رئاسة «إيكوسوك» ومن شبكات التنسيق الإفريقية والعربية والإنسانية، في وقت يشهد فيه النظام متعدد الأطراف نقاشاً متصاعداً حول الإصلاح والتمثيل والتنمية وقدرة المؤسسات الدولية على التعامل مع الأزمات المتزامنة.

#الأمم المتحدة#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

عرقاب في النيجر.. الجزائر تدفع بعجلة كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء

عرقاب في النيجر.. الجزائر تدفع بعجلة كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء

بوابة الجزائر الإخبارية : حل وزير الدولة، وزير المحروقات، الجزائري محمد عرقاب، الاثنين، بمطار ديوري حماني الدولي بالعاصمة نيامي، في مستهل زيارة عمل إلى جمهورية النيجر، بتكليف من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون،حسبما أوردته وزارة المحروقات الجزائرية.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2102054752146034855?s=46

وكان في استقبال وزير الدولة، لدى وصوله، وزير البترول لجمهورية النيجر، حمادو تيني (Hamadou Tinni)، وذلك بحضور سفير الجزائر لدى جمهورية النيجر.

ويرافق وزير الدولة، خلال هذه الزيارة، الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك، نور الدين داودي، ونائب الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك المكلف بنشاط التكرير والبتروكيمياء، سليمان سليماني، والمدير العام لشركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج البترولي (SIPEX)، شريف بوعرعارة، إلى جانب عدد من إطارات القطاع.

وتندرج هذه الزيارة في إطار متابعة وتقييم مدى تقدم مشاريع واتفاقات التعاون الثنائي بين الجزائر والنيجر في مجال المحروقات، لاسيما مشروع البحث والاستكشاف على مستوى رقعة كفرا، وآفاق تطوير الرقع النفطية الجديدة، وفي مقدمتها رقعة بيلما (Bilma)، إلى جانب متابعة التعاون في مجال التكرير والبتروكيمياء، وخاصة أشغال الصيانة الكبرى لمصفاة زندر، والتعاون في مجال التسويق المشترك للنفط النيجري.
كما ستشكل الزيارة مناسبة لمتابعة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، لاسيما التحضيرات المتعلقة بإطلاق حملة المسح الطوبوغرافي لمسار الأنبوب على الأراضي النيجرية، بما يسمح بدفع مختلف مراحل تجسيد هذا المشروع الاستراتيجي.

#عرقاب،الجزائر،النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

بوابة الجزائر الإخبارية: 4.3 تريليون دولار سنوياً هي الفجوة التي ما تزال تفصل الاقتصادات النامية عن الاستثمارات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في وقت تزداد فيه كلفة الاقتراض وتتسع احتياجات التكيف المناخي وتتحول الطاقة إلى أحد أكثر عناصر الاقتصاد العالمي حساسية. وسط هذه المعادلة، تبدأ الجزائر أسبوعاً دبلوماسياً مكثفاً في نيويورك، حيث تضع رزنامة الدورة الـ81 للجمعية العامة أمامها ملفات تتقاطع مباشرة مع مصالحها الاقتصادية: التمويل، الانتقال الطاقوي، الحق في التنمية، التكنولوجيا وأمن الإمدادات.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

ويمثل وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، الجزائر في الأسبوع رفيع المستوى بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بعد وصوله إلى نيويورك يوم الأحد 20 سبتمبر، فيما تنطلق المناقشة العامة الثلاثاء 22 سبتمبر وتستمر إلى 26 سبتمبر، قبل استئنافها في 28 سبتمبر. وافتتحت الدورة العادية الـ81 رسمياً في 8 سبتمبر وتستمر إلى 7 سبتمبر 2027، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع».

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وحسب البرنامج الرسمي للأمم المتحدة والوثائق الاقتصادية المصاحبة للدورة، فإن أهمية المشاركة الجزائرية لا تقاس هذه المرة فقط بالكلمة التي ستلقى في الجمعية العامة أو بالمواقف من الأزمات الدولية، بل أيضاً بتزامن الأسبوع مع نقاشات تعيد فتح بعض أكثر الملفات تأثيراً في اقتصادات الدول النامية: من يدفع كلفة الانتقال الطاقوي؟ كيف تموّل البلدان استثمارات التكيف؟ وبأي شروط تحصل على رؤوس الأموال والتكنولوجيا؟ وكيف يمكن إصلاح منظومة مالية دولية باتت كلفة الاقتراض داخلها جزءاً من فجوة التنمية نفسها؟

وقد بدأ عطاف تحركاته قبل افتتاح المناقشة العامة، فيما يسجل مكتب رئيس الجمعية العامة لقاءً عقد في نيويورك يوم 20 سبتمبر بين وزير الخارجية الجزائري ورئيس الدورة الـ81 خليل الرحمن، كما استهل عطاف نشاطاته بلقاء مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، وفق البيان الجزائري المنشور في اليوم نفسه.

وهذه الحركة المبكرة مهمة من منظور الدبلوماسية الاقتصادية، لأن أسبوع الجمعية العامة يجمع في مساحة زمنية واحدة الحكومات والمؤسسات الدولية ووزراء الخارجية والاقتصاد والطاقة، ويتيح للدول تحويل الملفات متعددة الأطراف إلى مشاورات ثنائية وشراكات ومفاوضات تمتد إلى ما بعد قاعات الأمم المتحدة.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

المشهد الاقتصادي الذي تحتضنه نيويورك هذا العام أكثر تعقيداً من السنوات السابقة. فبيانات الأمم المتحدة تشير إلى فجوة تمويل سنوية تتجاوز أربعة تريليونات دولار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بينما أظهر تقرير للأونكتاد في 2026 أن التدفقات المالية الخارجية التي استقبلتها البلدان النامية بلغت قرابة 1.5 تريليون دولار في 2024، لكنها بقيت عاجزة عن سد فجوة استثمار تقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنوياً.

وتتضاعف الضغوط مع ارتفاع تكلفة الدين. فقد خلصت الأونكتاد إلى أن ارتفاع مدفوعات الفائدة قلّص الحيز المالي المتاح للتنمية في 99 دولة نامية تضم نحو 5.5 مليارات نسمة بين 2018 و2024، بما يعني أن جزءاً متزايداً من الموارد التي كان يمكن تخصيصها للبنية التحتية والطاقة والمياه والصحة والاستثمار أصبح يذهب لخدمة الدين.

وهنا يصبح «الحق في التنمية» الذي سيعود إلى الواجهة في نيويورك قضية مالية بقدر ما هو مبدأ قانوني وسياسي.

الطاقة والتمويل.. أين تتقاطع المصالح الجزائرية؟

يحمل الأربعاء 23 سبتمبر كثافة اقتصادية خاصة، إذ تعقد الجمعية العامة اجتماعاً رفيع المستوى بمناسبة مرور أربعين عاماً على اعتماد إعلان الحق في التنمية، بينما يعقد الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم ذاته حدثاً رفيع المستوى حول العمل المناخي والانتقال العادل. ويركز المسار المناخي رسمياً على تسريع انتقال «عادل ومنظم» نحو الطاقة المتجددة، وتوسيع التمويل والاستثمارات الميسرة للدول النامية، ودعم التكيف والقدرة على الصمود.

بالنسبة إلى الجزائر، يضع هذا التقاطع موضوع الطاقة في سياق أوسع من النقاش التقليدي حول خفض الانبعاثات. فالاقتصاد الجزائري منتج ومصدر للمحروقات، وفي الوقت نفسه يملك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين، ولذلك فإن شكل الانتقال الدولي وسرعته وشروط تمويله ونقل التكنولوجيا المرتبط به كلها مسائل ذات أثر مباشر في الاستثمارات وفي مستقبل الصادرات وفي بنية الاقتصاد خلال العقود المقبلة.

ولا يعني «الانتقال العادل» بالنسبة إلى الدول النامية التخلي الفوري عن مصادر الطاقة الحالية، وفق مفهوم الاجتماع الأممي، بل يرتبط بكيفية إدارة التحول مع تأمين التمويل والاستثمار ومراعاة اختلاف القدرات التنموية بين الاقتصادات. ومن هنا تكتسب المناقشات أهمية خاصة للدول المنتجة التي تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على أمن الإمدادات وتوسيع الاستثمارات منخفضة الكربون.

كما أن الأزمة المناخية باتت تحمل فاتورة مالية يصعب فصلها عن سياسات التنمية. ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات التكيف في البلدان النامية بما يتراوح بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، في حين لم تتجاوز التدفقات الدولية العامة المخصصة للتكيف نحو 26 مليار دولار في 2023. أي أن الاحتياجات الحالية والمستقبلية تعادل ما بين 12 و14 ضعف التمويل المتاح وفق أحدث تقديرات البرنامج.

هذه الأرقام تمنح النقاش بعداً مباشراً بالنسبة إلى الجزائر وإفريقيا عموماً. فالتكيف لا يعني الإنفاق البيئي المجرد، وإنما تمويل شبكات المياه، وتحلية مياه البحر، والزراعة المقاومة للجفاف، والحماية من الحرائق والتصحر، والبنية التحتية القادرة على تحمل الظواهر المناخية، إلى جانب تحديث شبكات الكهرباء والطاقة.

كما أن شكل التمويل لا يقل أهمية عن حجمه. فإذا جاءت التدفقات المناخية في معظمها على هيئة ديون مرتفعة الكلفة، فإن الدول النامية قد تجد نفسها تمول التحول المناخي على حساب الاستثمار والتنمية، وهو ما يفسر تصاعد النقاش الدولي حول المنح والتمويل الميسر وإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وخفض علاوات المخاطر.

وفي الحالة الجزائرية، يفتح ذلك مجالاً اقتصادياً أوسع للدبلوماسية الطاقوية. فموقع الجزائر بين إفريقيا وأوروبا يسمح لها بربط نقاشين يجريان غالباً بصورة منفصلة: حاجة أوروبا إلى أمن الطاقة وتنويع الإمدادات من جهة، وحاجة إفريقيا إلى الكهرباء والبنية التحتية ورأس المال والتكنولوجيا من جهة أخرى.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وهذه المعادلة يمكن أن تجعل مشروعات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والربط الكهربائي والممرات العابرة للصحراء جزءاً من خطاب اقتصادي واحد يقوم على أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن تمويل التنمية في جنوب المتوسط وإفريقيا.

لكن القيمة العملية لهذه الورقة ستبقى مرتبطة بما ينتج فعلياً عن اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف. فالجمعية العامة لا توقع تلقائياً عقود الطاقة أو الاستثمار، لكنها توفر منصة سياسية نادرة يجتمع خلالها عدد كبير من أصحاب القرار، ما يسمح بفتح مسارات تفاوضية قد تتحول لاحقاً إلى استثمارات أو ترتيبات تمويل أو تعاون تكنولوجي.

وهنا يمكن قراءة اللقاءات التي يجريها عطاف على هامش الدورة باعتبارها مكوناً مكملاً للمشاركة الرسمية، وليس نشاطاً بروتوكولياً منفصلاً عنها. وفي 21 سبتمبر، أفادت وكالة الأنباء الليبية بأن عطاف والقائم بأعمال وزارة الخارجية الليبية الطاهر الباعور بحثا، إلى جانب القضايا السياسية والأمنية، آفاق تطوير التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين.

كما كان مقرراً أن يلتقي عطاف في نيويورك وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابيتريتيس، وفق البرنامج الذي أعلنته أثينا ليوم 21 سبتمبر، بالتزامن مع حضور وزير البيئة والطاقة اليوناني إلى نيويورك بأجندة تشمل الطاقة والمناخ والتحضير لمؤتمر COP31. ولا تعني هذه البرمجة بحد ذاتها وجود مفاوضات طاقوية جزائرية-يونانية معلنة، لكنها توضح كيف تتحول نيويورك خلال هذا الأسبوع إلى مساحة تتقاطع فيها الدبلوماسية السياسية مع ملفات الطاقة والاقتصاد.

الحق في التنمية يعود بأرقام أكثر إلحاحاً

يأتي اجتماع 23 سبتمبر بعد أربعين عاماً من اعتماد الجمعية العامة إعلان الحق في التنمية في 4 ديسمبر 1986، الذي ربط التنمية بمشاركة الأفراد والشعوب في العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستفادة العادلة من نتائجها. وتقول الأمم المتحدة إن اجتماع الذكرى الأربعين يستهدف إعادة تأكيد هذا الحق إطاراً لمعالجة التحديات المعاصرة وتعزيز السياسات الوطنية والتعاون الدولي.

لكن الفرق بين 1986 و2026 أن الجدل اليوم أصبح أكثر ارتباطاً بالمال والتكنولوجيا والأسواق.

فالدول النامية تواجه اقتصاداً دولياً أصبحت فيه تكلفة رأس المال عاملاً حاسماً في تحديد القدرة على إنشاء مصنع أو محطة كهرباء أو شبكة مياه أو بنية رقمية. وفي الوقت الذي تستطيع فيه بعض الاقتصادات المتقدمة الاقتراض بكلفة أقل، تدفع العديد من الدول النامية علاوات مخاطر أعلى، وهو ما يرفع تكلفة المشروعات ويؤخر الاستثمار حتى عندما تكون الجدوى الاقتصادية موجودة.

وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن نحو ثلاثة مليارات شخص يعيشون في دول تنفق حكوماتها على فوائد الدين أكثر مما تنفقه على الصحة والتعليم مجتمعين، وهو رقم يختصر جانباً من المعضلة التي سيعود ملف التنمية إلى طرحها في نيويورك.

بالنسبة إلى الجزائر، يمنح هذا النقاش مساحة لربط أولوياتها الوطنية بقضايا أوسع تتشاركها مع الدول الإفريقية والنامية: تمويل البنية التحتية، توسيع التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، الأمن الغذائي، الطاقة، الاقتصاد الرقمي وتحسين شروط الوصول إلى رؤوس الأموال.

وتزداد أهمية ذلك مع كون إفريقيا تحتاج إلى تمويل ضخم لمشروعات الربط الكهربائي والنقل والمياه والممرات التجارية، بينما تحد الديون وتكلفة الاقتراض من قدرة عدد من اقتصادات القارة على تنفيذها. ولهذا فإن إصلاح الهيكل المالي الدولي لم يعد نقاشاً مؤسسياً مجرداً، بل بات مرتبطاً مباشرة بسرعة تنفيذ المشاريع ومقدار النمو وفرص العمل.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وفي المقابل، تمتلك الجزائر بعض الخصائص التي تسمح لها بتقديم نفسها ضمن هذه المناقشات ليس فقط كمتلق محتمل للتمويل، وإنما كشريك في مشروعات إقليمية: فهي منتج للطاقة، ولها واجهة متوسطية وامتداد إفريقي، وتوجد على مسارات مشروعات للربط الطاقوي والطرقي والتجاري نحو الجنوب والشمال.

وبالتالي فإن إحدى القضايا الاقتصادية التي يمكن أن تبرز خلال الدبلوماسية الجزائرية في السنوات المقبلة تتمثل في تحويل هذه الجغرافيا إلى أصول اقتصادية مترابطة: الغاز نحو أوروبا، الطاقة والكهرباء والهيدروجين مستقبلاً، الممرات التجارية نحو الساحل وغرب إفريقيا، وربط ذلك بالاستثمار الصناعي واللوجستي داخل الجزائر.

ويأتي هذا كله بينما تدخل التكنولوجيا بدورها قلب النقاش الأممي. فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد الملفات البارزة في أسبوع الجمعية العامة، وسط نقاش دولي حول الحوكمة والمخاطر والوصول العادل إلى التكنولوجيا، وهي مسألة تحمل للدول النامية آثاراً اقتصادية تتجاوز تنظيم التطبيقات إلى البنية التحتية الرقمية والحوسبة والبيانات وتكوين الكفاءات.

وهذا يضع مفهوم «الحق في التنمية» أمام اختبار جديد: فبعدما كان النقاش يدور تاريخياً حول الموارد والأسواق ورأس المال، أصبح الوصول إلى التكنولوجيا والحوسبة والقدرات الرقمية جزءاً متزايد الأهمية من الفجوة التنموية نفسها.

لذلك، تبدو الدورة الـ81 بالنسبة إلى الجزائر مساحة تتداخل فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد: الدفاع عن المواقف داخل النظام متعدد الأطراف، توسيع شبكة العلاقات الثنائية، ومحاولة تحويل ملفات التمويل والطاقة والمناخ والتكنولوجيا إلى فرص اقتصادية ملموسة.

ولا يمكن قياس نتيجة أسبوع نيويورك بعدد الاجتماعات وحده، بل بما يمكن أن يتحول منها لاحقاً إلى استثمار وتمويل وتعاون تقني واتفاقات اقتصادية.

فالجزائر تدخل هذه الاجتماعات في وقت يعاد فيه تشكيل أسواق الطاقة، ويتسع فيه عجز تمويل التنمية، وتبحث الدول عن سلاسل توريد أكثر أمناً ومصادر جديدة للطاقة والمعادن والتكنولوجيا. وفي مثل هذه البيئة، تزداد قيمة الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتحرك بالتوازي مع السياسة الخارجية، بحيث تصبح اللقاءات الدولية وسيلة لفتح الأسواق وجذب رأس المال وتمويل البنية التحتية وتثبيت الشراكات.

ومن هذه الزاوية، فإن الرقم الأكثر دلالة في أسبوع الجمعية العامة قد لا يكون عدد القادة الحاضرين ولا عدد الاجتماعات المبرمجة، بل 4.3 تريليون دولار: فجوة تمويل تكشف حجم المنافسة التي ستخوضها الدول النامية على رأس المال خلال السنوات المقبلة، وتجعل التمويل والطاقة والتكنولوجيا في صميم النقاش حول من يستطيع فعلاً تحويل «الحق في التنمية» من إعلان أممي عمره أربعون عاماً إلى قدرة اقتصادية قابلة للقياس.

#الأمم المتحدة#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

بوابة الجزائر الإخبارية: 35 مليار متر مكعب من الغاز صدّرتها الجزائر إلى الاتحاد الأوروبي خلال 2025، لتكرّس موقعها ضمن أكبر ثلاثة موردين للسوق الأوروبية، لكن القيمة الحقيقية لهذا الرقم تتجه إلى الارتفاع في 2026 مع اجتماع ثلاثة تحولات في وقت واحد: مخزونات أوروبية لا تتجاوز 69%، أسعار غاز مرتفعة بنحو 150% في عام، ومسار أوروبي ملزم لإغلاق آخر منافذ الغاز الروسي. هذه التحولات لا تمنح الجزائر مجرد فرصة لبيع الغاز بسعر أعلى، بل تفتح أمامها مجالاً أوسع لتحويل الطاقة إلى رافعة تفاوض واستثمار ونفوذ اقتصادي طويل الأجل في الضفة الشمالية للمتوسط.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

وحسب ما رصدته تادامسا نيوز في بيانات السوق الأوروبية وتحركات شركات الطاقة والمؤسسات الأوروبية، فإن ما يجري حالياً يتجاوز دورة موسمية مرتبطة بقرب الشتاء. أوروبا نفسها تعيد بناء منظومة إمداداتها بعد سنوات من فك الارتباط التدريجي مع روسيا، وفي اللحظة التي تسعى فيها إلى تأمين بدائل دائمة، تدخل موسم التدفئة بهامش تخزين أضعف بكثير من المعتاد، فيما أعادت الحرب واضطرابات الملاحة البحرية تذكير المستوردين بأن الغاز المسال، مهما بلغت مرونته، يظل مرتبطاً بمخاطر المضائق والناقلات والتأمين وأسعار الشحن.

وتظهر بيانات Gas Infrastructure Europe أن منشآت الاتحاد الأوروبي كانت ممتلئة بنسبة 69.06% فقط في 18 سبتمبر، بما يعادل نحو 781.5 تيراواط/ساعة من الغاز، بينما هبط مستوى ألمانيا إلى 56.12% وهولندا إلى 54.1%. وهذه ليست فجوة هامشية، لأن السوق الأوروبية اعتادت في مثل هذا الوقت من السنة الدخول إلى الخريف بمخزونات أكثر امتلاء، فيما يضع المستوى الحالي القارة أمام حاجة أكبر إلى استمرار الاستيراد حتى خلال موسم السحب الشتوي.

المشكلة لا تتعلق بالكمية وحدها. سعر الغاز الأوروبي ارتفع بنحو 150% خلال عام، وفق رويترز، ليدور حول 81 يورو للميغاواط/ساعة، وهو ما يعيد الطاقة مرة أخرى إلى صدارة المخاطر التي تواجه التضخم والصناعة والمالية العامة الأوروبية. وكل أسبوع يمر من دون إعادة بناء هامش مريح داخل المخزونات يزيد حساسية الأسعار لأي موجة برد أو عطل في منشأة إنتاج أو اضطراب جديد في حركة الغاز المسال.

هذه البيئة هي التي تمنح الجزائر أهمية أكبر من مجرد كونها بلداً منتجاً قريباً من أوروبا. فالمفوضية الأوروبية تصنف الجزائر ثالث أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وتقول صراحة إن أوروبا تعتمد على الغاز الجزائري في أمن إمداداتها، مقابل اعتماد الجزائر على السوق الأوروبية لضمان الطلب، وهي صيغة تعكس درجة من الاعتماد المتبادل يصعب اختزالها في عقود شراء وبيع تقليدية.

كما أن هذا الوزن يأتي في توقيت مفصلي. الاتحاد الأوروبي خفّض الغاز الروسي من 152 مليار متر مكعب في 2021 إلى نحو 36 ملياراً في 2025، وتراجعت حصة روسيا من وارداته من 45% إلى 12%. وفي فبراير 2026 دخلت قواعد REPowerEU الجديدة حيز التنفيذ، واضعة مساراً قانونياً لإنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بنهاية 2026، ثم وقف الغاز الروسي عبر الأنابيب في موعد أقصاه 30 نوفمبر 2027.

وهذا يعني أن السوق التي تتحرك الجزائر داخلها اليوم ليست السوق نفسها التي كانت قائمة قبل أربع أو خمس سنوات. أوروبا لا تبحث فقط عن شحنة لسد فجوة عابرة، بل تعيد توزيع عشرات المليارات من الأمتار المكعبة التي كانت تأتي تاريخياً من الشرق، وتعيد بالتوازي ترتيب مفهومها للأمن الطاقوي حول التنويع، وقصر سلاسل الإمداد، ومرونة البنية التحتية وتقليل التعرض لممرات جغرافية حساسة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تتحول الجغرافيا الجزائرية إلى أصل اقتصادي.

فالغاز المتجه إلى إيطاليا وإسبانيا عبر الأنابيب لا يواجه سلسلة النقل البحرية الطويلة نفسها التي تتحملها الشحنات القادمة من الخليج أو الولايات المتحدة، ولا يحتاج إلى البحث عن ناقلة متاحة أو المرور بالوتيرة نفسها عبر سوق الشحن الفورية. أما ميدغاز، فيربط بني صاف مباشرة بألميريا بطاقة تبلغ 10.16 مليارات متر مكعب سنوياً عبر 210 كيلومترات من الأنابيب تحت البحر، وتقدمه الشركة المشغلة باعتباره أحد أقصر المسارات وأكثرها مباشرة لتزويد جنوب أوروبا.

وفي ظرف طبيعي قد تُقرأ هذه الميزة باعتبارها فارقاً في الكلفة فقط. أما في سوق يواجه اضطراباً في الملاحة وشحاً في بعض شحنات الغاز المسال وقفزة في التأمين، فإنها تتحول إلى علاوة أمان لها قيمة اقتصادية وسياسية.

ويزداد هذا البعد وضوحاً مع التطورات الأخيرة في سوق الغاز الطبيعي المسال. فقد أدت الأسعار المرتفعة واضطراب الإمدادات الخليجية إلى إحجام مشترين آسيويين عن السوق الفورية، وتتجه واردات آسيا في سبتمبر إلى أدنى مستوى لهذا الشهر منذ ثماني سنوات، بينما تستقطب أوروبا جزءاً أكبر من الشحنات المتاحة لتعويض ضعف مخزونها. هذه المنافسة بين أوروبا وآسيا تعني أن أمن الإمداد لن يحدد فقط بمن يملك الغاز، وإنما أيضاً بمن يستطيع نقله بصورة مستقرة وبكلفة يمكن تحملها.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

من عقود الغاز إلى دبلوماسية المصالح

من هنا يبدأ الرهان الأهم بالنسبة إلى الجزائر. فالفرصة ليست في مضاعفة سعر الشحنة الواحدة، وإنما في استخدام اللحظة الحالية لتثبيت عقود أطول، وتسريع استثمارات الإنتاج، ورفع طاقة المنشآت القائمة، وربط أمن الطلب الأوروبي بخطط تطوير المنبع الجزائري.

وهذه العملية بدأت عملياً قبل أزمة التخزين الحالية. ففي جويلية 2025، وقعت سوناطراك و«إيني» بروتوكولاً لتوسيع التعاون يشمل زيادة إنتاج الغاز وتمديد عقود التصدير إلى إيطاليا، وقالت الشركة الإيطالية إن المشاريع المرتبطة بالاتفاقات الجديدة يمكن أن تضيف ما يصل إلى 5.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً بحلول 2028، باستثمارات إجمالية تفوق 8 مليارات دولار.

الأهمية الاقتصادية لهذا الرقم تتجاوز حجمه المجرد. فأوروبا تتجه إلى التخلص من مورد كبير، بينما تبحث الجزائر عن رفع الإنتاج القابل للتصدير. وإذا وصل جزء معتبر من هذه الكميات الجديدة في اللحظة التي يكتمل فيها خروج الغاز الروسي من السوق الأوروبية، فإن التوقيت نفسه يمكن أن يمنح الجزائر قدرة تفاوضية أكبر بشأن مدة العقود وأسعارها والاستثمار في الحقول والبنية التحتية.

وقد أصبح هذا البعد معلناً في العلاقات مع بروكسل أيضاً. ففي فبراير الماضي، انتقل مفوض الطاقة الأوروبي إلى الجزائر في زيارة خصصت صراحة لتعزيز الشراكة وتنويع الإمدادات بالتزامن مع التخلص التدريجي من الغاز الروسي، وشملت المحادثات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والربط الطاقوي. وتصف المفوضية الشراكة الطاقوية الجزائرية الأوروبية بأنها مكوّن «دائم وهيكلي» في العلاقات بين الطرفين.

وبلغة المصالح، فإن الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية تملك هنا مجالاً أوسع من مجرد الدفاع عن موقع سوناطراك في سوق الغاز.

فكل متر مكعب إضافي تطلبه أوروبا يمكن أن يتحول إلى مفاوضات حول استثمار جديد في حقل، أو تطوير شبكة نقل، أو عقد طويل الأجل، أو تمويل منشأة، أو تعاون تكنولوجي، أو مشروع طاقة متجددة. وبهذا تنتقل الطاقة من خانة الصادرات الجارية إلى خانة بناء العلاقات الاقتصادية طويلة الأمد.

كما أن المفوضية الأوروبية نفسها تضع الجزائر في صميم تصورها لإنشاء محور غازي متوسطي، وتشير إلى الإمكانات الجزائرية الكبيرة في الغاز التقليدي وغير التقليدي، معتبرة أن منطقة المتوسط يمكن أن تصبح مصدراً ومساراً رئيسياً إضافياً لإمداد الاتحاد الأوروبي.

لكن الاستفادة من هذه النافذة ليست مضمونة تلقائياً.

فالقيمة الاستراتيجية للغاز الجزائري ستتحدد في السنوات المقبلة بقدرة القطاع على إنتاج كميات إضافية وليس فقط بيع الكميات نفسها بأسعار أعلى. كما ستتوقف على التحكم في الاستهلاك المحلي، والمحافظة على الحقول الناضجة، وإدخال اكتشافات جديدة إلى الإنتاج، وتقليص الحرق والانبعاثات، ورفع جاهزية منشآت التسييل والضغط والنقل.

وهذه المعادلة مهمة لأن الطلب الأوروبي نفسه لن يبقى ثابتاً إلى الأبد. أوروبا تحتاج الغاز الآن، لكنها تدفع بالتوازي نحو الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والهيدروجين. ولذلك فإن أفضل استراتيجية للجزائر ليست بناء علاقتها بالقارة على فرضية أن استهلاك الغاز سيواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية، وإنما استثمار السنوات التي يبقى فيها الغاز ضرورياً لتمويل وتأسيس الجيل التالي من الشراكة الطاقوية.

ولهذا يكتسب ممر الهيدروجين الجنوبي SoutH2 Corridor ثقلاً يتجاوز الخطاب البيئي. المشروع يستهدف ربط شمال إفريقيا بإيطاليا والنمسا وألمانيا، ويحظى بدعم سياسي من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا. وتصفه المفوضية الأوروبية بأنه استثمار بنية تحتية يخدم «مصلحة استراتيجية متبادلة» بين أوروبا وشمال إفريقيا، فيما بدأت دراسات الجدوى ومشاريع أولية في الجزائر وتونس.

إذا تقدم المشروع وفق المخطط، فإن العلاقة الطاقوية بين الجزائر وأوروبا يمكن أن تمر بثلاث طبقات متكاملة: غاز طبيعي يؤمن المرحلة الحالية، استثمارات إنتاج تحفظ مكانة الجزائر خلال مرحلة التخلص الأوروبي من الغاز الروسي، ثم هيدروجين وربط كهربائي يمددان العلاقة إلى ما بعد ذروة الطلب على الوقود الأحفوري.

وهذه هي النقطة التي تجعل الأزمة الحالية أكبر من شتاء مرتفع الأسعار.

فما تملكه الجزائر فعلياً هو فرصة لتحويل اعتماد أوروبي آني على الغاز إلى اعتماد اقتصادي متبادل أكثر تعقيداً، حيث تحتاج أوروبا إلى المورد والبنية التحتية والموقع، بينما تحتاج الجزائر إلى السوق والاستثمار والتكنولوجيا وضمانات الطلب على المدى المتوسط.

كما أن هذا التموقع يمنح الجزائر هامشاً أوسع في التفاوض مع أكثر من شريك أوروبي في آن واحد. إيطاليا تسعى إلى ترسيخ نفسها مركز عبور للطاقة القادمة من الجنوب، وإسبانيا مرتبطة فعلياً بميدغاز، فيما تبحث ألمانيا والنمسا عن مصادر مستقبلية للهيدروجين. وبدلاً من النظر إلى هذه المسارات كل واحد على حدة، يمكن للدبلوماسية الطاقوية الجزائرية أن تجمعها داخل تصور واحد يجعل البلاد منصة إمداد جنوبية متعددة المنتجات والأسواق.

وتزداد قوة هذا الطرح عندما تؤخذ الكلفة الاقتصادية لأزمة الغاز على أوروبا في الحسبان.

فبحث نشره بنك إيطاليا في جوان 2026، استناداً إلى بيانات منطقة اليورو بين 1996 و2025، خلص إلى أن صدمات النفط تنتقل سريعاً إلى تضخم الطاقة لكنها تتراجع نسبياً بسرعة، بينما تكون صدمات الغاز أبطأ في الظهور وأكثر استمراراً، وتمتد بدرجة أكبر إلى الأسعار غير الطاقوية.

كما أظهر تحليل للبنك المركزي الأوروبي نُشر في 21 سبتمبر أن انتقال أسعار الغاز بالجملة إلى فواتير المستهلكين أصبح أسرع مقارنة بأزمة 2021-2022، وهو ما يعني أن اضطراب الغاز يمكن أن يصل إلى الأسر والشركات في زمن أقصر مما كان عليه سابقاً.

وبذلك تصبح موثوقية المورد ذات قيمة تتجاوز أمن التدفئة. فهي تمس التضخم، وهوامش الشركات الصناعية، والقدرة الشرائية، وأسعار الفائدة، وحتى قدرة الحكومات على تجنب برامج دعم مكلفة.

وهذا بالتحديد هو المجال الذي تستطيع الجزائر أن تجعل فيه الاستقرار جزءاً من سعرها التفاوضي: ليس فقط سعر الغاز في السوق، بل قيمة أن يأتي هذا الغاز من مورد قريب، عبر منشآت قائمة، وفي إطار علاقات تعاقدية مستقرة.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

النفط يعطي درساً مختلفاً

على الضفة الأخرى من أسواق الطاقة، تقدم أسعار النفط في 21 سبتمبر رسالة أكثر حذراً.

فخام برنت هبط إلى نحو 101.75 دولار للبرميل، بانخفاض يقارب 2%، وسجل أدنى مستوى في 11 يوماً، بينما تراجع عقد غرب تكساس القريب إلى 98.34 دولار، رغم أن المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط لم تختف. السبب هو أن السوق بدأت ترى قدرة أكبر على إبقاء البراميل السعودية متدفقة، بالتزامن مع آمال في تحرك دبلوماسي خلال اجتماعات الأمم المتحدة.

وتظهر بيانات الأقمار الاصطناعية أن تدفقات النفط السعودية عبر مضيق هرمز ارتفعت إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً خلال الأيام الستة السابقة، بعد مستويات أقل بكثير في أوت، ما ساعد على سحب جزء من علاوة الخوف التي كانت مضافة إلى الأسعار.

وفي الوقت نفسه، توسعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى قرب سلطنة عمان، لتبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً في سبتمبر مقابل 1.4 مليون برميل في أوت، وهي آلية سمحت باستمرار الإمدادات لكنها رفعت كلفة التجارة بصورة حادة؛ إذ تجاوزت تكلفة نقل الخام الخليجي إلى آسيا 30 دولاراً للبرميل في بعض المسارات.

بالنسبة إلى الجزائر، لا يقلل ذلك من أهمية بقاء النفط فوق 100 دولار بالنسبة إلى مداخيل التصدير والجباية البترولية، لكنه يوضح الفارق بين مكسب سعري ظرفي وتحول استراتيجي في السوق.

علاوة النفط يمكن أن تتراجع في جلسات قليلة إذا عاد المزيد من البراميل إلى السوق أو تقدم المسار الدبلوماسي. أما حاجة أوروبا إلى إعادة تشكيل مصادر الغاز بعد روسيا فهي عملية تمتد لسنوات، وترتبط بعقود وبنية تحتية واستثمارات لا تتغير بالسرعة نفسها.

ولهذا يبدو الرهان الجزائري الأكثر قيمة اليوم في مكان آخر: ليس في حساب كم دولاراً يمكن أن يضيفه برنت إلى الإيرادات هذا الشهر، بل في تحديد كم مليار متر مكعب إضافي تستطيع الجزائر وضعه في السوق الأوروبية بين 2027 و2030، وبأي عقود، وبأي استثمارات مرافقة، وما الذي يمكن أن تحصل عليه اقتصادياً مقابل تثبيت نفسها مورداً طويل الأجل.

وبهذه القراءة، يتحول انخفاض المخزونات الأوروبية إلى أكثر من خبر عن شتاء صعب.

إنه يأتي في لحظة تاريخية تعيد فيها أوروبا اختيار مورديها ومساراتها وبنيتها الطاقوية لعقود مقبلة. والجزائر موجودة بالفعل داخل هذه الخريطة؛ تصدر 35 مليار متر مكعب إلى الاتحاد الأوروبي، ترتبط مباشرة بأسواقه عبر الأنابيب، وتملك منشآت للغاز المسال، وتوسع استثمارات المنبع، كما أصبحت جزءاً من المشاريع الأوروبية المستقبلية للهيدروجين.

التحدي الآن هو الانتقال من الاستفادة من السوق إلى صناعة موقع داخل السوق.

فإذا استُخدمت سنوات الأسعار المرتفعة لزيادة الإنتاج وتحديث البنية التحتية وتوسيع العقود وربط الغاز باستثمارات الهيدروجين والكهرباء والطاقات المتجددة، يمكن للجزائر أن تدخل المرحلة التالية من علاقتها بأوروبا ليس بوصفها مورداً تلجأ إليه القارة عند الأزمات، بل باعتبارها أحد الأضلاع الدائمة في معادلة أمنها الطاقوي.

وعندها لن تكون القيمة الكبرى لأزمة الـ69% في ارتفاع سعر الغاز هذا الشتاء، وإنما في أنها جاءت في اللحظة نفسها التي تبحث فيها أوروبا عن هندسة جديدة للطاقة بعد روسيا؛ وهي نافذة قد تكون أهم للجزائر من أي قفزة مؤقتة في أسعار النفط.

#أوروبا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

لماذا لا ترتفع أسعار الوقود في الجزائر مع كل أزمة عالمية؟ خبير طاقوي يوضح

لماذا لا ترتفع أسعار الوقود في الجزائر مع كل أزمة عالمية؟ خبير طاقوي يوضح

بوابة الجزائر الإخبارية: أوضح الخبير الطاقوي أحمد طرطار، في تصريح لـ«بوابة الجزائر»، أن أزمة الوقود التي تشهدها فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية، وحتى الولايات المتحدة، ترتبط بآليات اقتصاد السوق، القائمة أساسا على توازن العرض والطلب وانعكاساته المباشرة على الأسعار.

https://twitter.com/algatedz/status/2101079952716157352

وأوضح طرطار أن اقتصاد السوق يقوم على آلية العرض مقابل الطلب، فكلما ارتفع الطلب وتراجع العرض، ارتفعت الأسعار، في حين يؤدي ارتفاع العرض مقابل انخفاض الطلب إلى تراجعها.

وأضاف أن هذه الآلية، التي توصف أحيانا بـ«اليد الخفية»، يفترض أن تحقق توازنا تلقائيا بين العرض والطلب والأسعار.

وأشار الخبير إلى أن هذا النموذج لا ينطبق بالشكل نفسه على الجزائر، باعتبار أن اقتصاد السوق غير مطبق فيها بكل تفاصيله، خاصة فيما يتعلق بالمنتوجات ذات الاستهلاك الواسع، موضحا أن هذه المنتجات تكون مدعمة من طرف الدولة، كما أن أسعارها مقننة ومحددة من قبلها، لا سيما أسعار الوقود التي تحدد أساسا من خلال قانون المالية من فترة إلى أخرى.

وأضاف أن أي زيادة في أسعار المشتقات النفطية تكون مرتبطة بتوازنات كبرى يأخذها قانون المالية بعين الاعتبار، بما يسمح بالمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين، إلى جانب معطيات أخرى.

https://twitter.com/algatedz/status/2101979074184757249

وفي هذا السياق، أكد طرطار أنه لا يمكن إسقاط أزمة الوقود التي تشهدها الدول الأوروبية والولايات المتحدة على الجزائر، موضحا أن الجزائر تعتمد في هذا المجال على منطق الاقتصاد الموجه، حيث إن أسعار الوقود ومشتقاته مقننة من خلال تسعير واضح ومحدد عبر مختلف أنحاء الوطن، وبالتالي لا تكون هناك زيادات تلقائية مرتبطة بالأزمات التي يمر بها الاقتصاد الدولي من حين إلى آخر.

https://twitter.com/algatedz/status/2101712366488469590

أما في أوروبا، يضيف الخبير، فإن المشتقات النفطية مرتبطة أساسا بأسواق البترول والغاز، وبالتالي فإن أي أزمة عالمية في النفط والغاز أو اضطراب في الإمدادات ينعكس بشكل مباشر على المستهلك النهائي لهذه المنتجات والمشتقات.

وأوضح أن عدم استقرار الوضع الجيوسياسي الدولي، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وما ترتب عنها من توقف الإمدادات الروسية من الغاز والنفط باتجاه أوروبا جراء العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، فضلا عن توقف إمدادات الغاز والبترول في منطقة الشرق الأوسط والخليج نتيجة توقف المرور عبر مضيق هرمز، انعكس على مستويات الإمدادات العالمية.

وأشار طرطار إلى أن هذه التطورات أدت إلى توقف جزء مهم من الإمدادات، خاصة في مجال النفط والغاز والمحروقات، وهو ما يؤثر تلقائيا على مخزونات المحروقات وإنتاج المشتقات البترولية المختلفة.

وأكد طرطار، في المقابل، أن الوضع في الجزائر وبلدان أخرى يختلف، لأن اقتصاد السوق غير مطبق بكل حذافيره، كما أن آليات التوافق بين العرض والطلب لا تكون متاحة بالنسبة لبعض المنتجات ذات الاستهلاك الواسع.

وختم الخبير الطاقوي بالتأكيد على أن هذه المنتجات تخضع للتقنين القانوني وتحديد الأسعار، من خلال التدخل المباشر للدولة في تحديد أسعارها وتنظيمها.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

بوابة الجزائر الإخبارية: ترأس الرئيس الجزائري القائد الأعلى للقوات المسلحة, وزير الدفاع الوطني, عبد المجيد تبون, اليوم الأحد, اجتماعا لمجلس الوزراء, تناول مراجعة القانون الأساسي لمستخدمي الحماية المدنية ونظامهم التعويضي وكذا تدعيم السلك بالهياكل والوسائل المادية والبشرية اللازمة لأداء مهامهم, الربط الرقمي بين هيئات ومؤسسات الدولة, بالإضافة إلى حصيلة حملة الحصاد والدرس لموسم 2025-2026.

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

 وحسب بيان للمجلس، فإنه وفي بداية الاجتماع, عرض الوزير الأول نشاط الحكومة للأسبوعين الماضيين, ليسدي بعدها الرئيس الجزائري مجموعة من الأوامر والتعليمات والتوجيهات.

و ثمن الرئيس تبون الوتيرة السريعة التي سارت عليها إجراءات تعويض ضحايا الحرائق خاصة بولاية جيجل, باعتبارها الأكثر تضررا, شاكرا ومشجعا أعضاء 
الحكومة ككل على جهودهم وخاصة الذين كانوا معنيين بشكل مباشر بهذه العملية.
    
حيث أمر الحكومة باستكمال آخر ما تبقى من عمليات التعويض, إن وجدت, وفي أسرع وقت ممكن.
 

كما جدد الرئيس تبون تمنياته بأن يكون هذا التعاضد الشعبي والحكومي قد خفف شيئا من وطأة المصاب الجلل الذي مس مواطنينا في بعض ولايات وطننا المفدى 
وأشر بقوة على أن دولتهم وقفت وستقف دوما إلى جانبهم.

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

  وبخصوص مناسك الحج لهذا العام, وبعد اقتراح من وزير الشؤون الدينية والأوقاف, قرر الرئيس تبون دعم تكاليف الحج وتثبيتها عند 82 مليون سنتيم لكل حجاجنا الميامين بعد ارتفاعها هذا الموسم بحوالي سبعة ملايين سنتيم.
    
بخصوص الربط الرقمي بين هيئات ومؤسسات الدولة، أمر الرئيس تبون بإعداد مرسوم رئاسي يعنى بمخطط الربط الرقمي الآمن ومهام الهيئات والمؤسسات القطاعية يشمل فيه التمثيل, القطاعات ذات الصلة, تحت إشراف 
السيدة المحافظة السامية للرقمنة.
   

 كما أمر بأن يشمل الربط أيضا ما بين الولايات من أجل تسجيل المعطيات المحلية بشكل أكثر سلاسة, مع حماية قصوى لبيانات المواطنين.

 و بخصوص مراجعة القانون الأساسي لمستخدمي الحماية المدنية ونظامهم التعويضي، جدد الرئيس الجزائري شكره لأفراد هذا السلك, الذين تفانوا في أداء مهامهم, معتبرا أنه آن الأوان لإعادة النظر في قانونهم الأساسي, تماشيا مع التغيرات المناخية التي طرأت على العالم والأخطار الكبرى التي أصبح يواجهها أفراد الحماية المدنية.

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

 وفي هذا الصدد، أمر الرئيس الجزائري برفع شامل للأجور في سلك الحماية المدنية من خلال مراجعة النقاط الاستدلالية للرواتب، وإعادة النظر في سلم الرتب بما يتلاءم مع اختصاص السلك وتصنيفات مهام الأفراد الإداريين والميدانيين، أن يراعي القانون الأساسي تثمين التعويضات الخاصة بالأفراد العاملين ميدانيا وعائلاتهم.
 

كما شدد على أن يكون تكوين أفراد الحماية المدنية مستمرا طيلة المسار المهني لإبقاء العناصر في نجاعة عالية ميدانيا وتمام الجاهزية, بما يمكن من تفادي خسارة 
الأرواح خلال التدخلات.
 

 وكذا أمر بالمراجعة التقنية والتكنولوجية لوسائل ومعدات العمل الميداني, باقتناء أجهزة متطورة مع وضع مخطط لتجديدها، واستحداث نقاط وشبه مراكز للمراقبة, بالتعاون مع وزارة الفلاحة, في المناطق ذات الكثافة الغابية.
  

 كما أمر بتعزيز أسطول طائرات الإطفاء تدريجيا, حسب توفرها في السوق الدولية، ومأسسة التطوع الموسمي في الحماية المدنية, مع وضع نظام عال لحماية المتطوعين.

قرارات استثنائية لاجتماع مجلس الوزراء الجزائري!

أما بخصوص حملة الحصاد والدرس 2025 و 2026، فقد أمر الرئيس تبون وزير القطاع بضرورة إعداد نشرية شهرية وتكليف الولاة بالمراقبة الدقيقة لتحديد نسب وكميات الإنتاج لمختلف أنواع الحبوب, خاصة القمح اللين والقمح الصلب.
 

 وكذا الرقمنة الفورية لنظام دفع المحاصيل الزراعية للوكالات الجهوية للديوان الجزائري للحبوب، والعمل بشكل وثيق مع الديوان الوطني للإحصاء.


 كما أمر بإعادة النظر في دور الديوان الجزائري للحبوب والمعاهد المتخصصة في قطاع الفلاحة لتحسين أدائها وتحديثها، ومحاربة كل أشكال الانحرافات في قطاع الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري.
 

 كما أمر بالتحضير لقانون توجيهي للفلاحة أكثر نجاعة, يتضمن آليات لتخصيص المساحات المزروعة للمنتجات السنوية حسب الحاجة, بهدف تقليص الاستيراد والتوجه أكثر  فأكثر نحو الاكتفاء الذاتي في القطاع.

 ووجه تعليمات بإطلاق برنامج مسح وطني لتحليل التربة, بالتنسيق مع المخابر, لتحديد وتصنيف طبيعة الأراضي الفلاحية في كل المناطق المزروعة.
   

 كما أمر بالتوجه نحو استخدام المياه المستعملة في السقي, محاربة لذهنية الاعتماد الكلي على التساقط, مع ضرورة حرث الأرض وتهيئتها في كل الظروف, علما أن قطاع 
الري يستهدف بلوغ استرجاع نسبة 60 بالمائة من المياه المستعملة.
    

#الجزائر#مجلس الوزراء
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

شريان اقتصادي متدفق.. تحويلات الجالية الجزائرية في الخارج تقارب 1.8 مليار دولار

شريان اقتصادي متدفق.. تحويلات الجالية الجزائرية في الخارج تقارب 1.8 مليار دولار

بوابة الجزائر الإخبارية : في تأكيد جديد على قوة الروابط التي تجمع أبناء الجزائر في المهجر بوطنهم الأم، كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) أن التحويلات المالية للجالية الجزائرية بالخارج شكلت رافداً اقتصادياً بالغ الأهمية خلال سنة 2025، حيث بلغت قيمتها نحو 1.79 مليار دولار.

هذه الأرقام التي أوردها تقرير الصندوق الصادر في 14 سبتمبر تحت عنوان «Sending Money Home 2026»، لا تعكس مجرد تدفقات مالية جافة، بل تترجم التزاماً راسخاً من الكفاءات والعمال الجزائريين بالخارج في دعم أسرهم والمساهمة في الدورة الاقتصادية الوطنية، مما بوأ الجزائر مكانة استراتيجية ضمن قائمة أكبر الدول الإفريقية المتلقية لهذه التدفقات، باحتلالها المركز الحادي عشر قارياً.

استقرار مالي يعزز المناعة الاقتصادية

وما يعطي للأرقام الجزائرية دلالة أعمق هو طابع “الاستقرار” الذي يميزها. فبمقارنة تدفقات 2025 (1.79 مليار دولار) مع أرقام البنك الدولي لسنة 2024 (1.80 مليار دولار)، يتضح أن وتيرة التحويلات المالية نحو الجزائر تحافظ على صلابتها رغم التقلبات الاقتصادية العالمية.

هذا الاستقرار يحول هذه الأموال من مجرد تحويلات ظرفية إلى مصدر تمويل خارجي مستدام وموثوق، يعزز من احتياطيات النقد الأجنبي ويدعم القدرة الشرائية للأسر.

من الاستهلاك إلى الاستثمار وبناء الثروة

ويحمل تقرير “إيفاد” مؤشراً إيجابياً للغاية يتقاطع مع الرؤية الاقتصادية الجديدة للجزائر؛ فالتحويلات المالية لم تعد تقتصر على تلبية الاحتياجات المعيشية اليومية للأسر، بل تحولت إلى أداة فعالة للادخار، ومواجهة الصدمات، وتمويل الاستثمارات المصغرة، لا سيما في النظم الغذائية والزراعة الريفية. هذا التحول يعني أن أموال المغتربين الجزائريين تساهم بشكل مباشر في خلق القيمة المضافة وتنشيط الاقتصاد المحلي.

في السياق الإفريقي والعالمي.. قوة صاعدة

على المستوى القاري، تأتي الجزائر في موقع تنافسي متقدم خلف غانا (2.42 مليار دولار) ومتقدمة على كوت ديفوار (1.77 مليار دولار)، في قارة بلغت إجمالي تحويلات مهاجريها 124.2 مليار دولار بنسبة نمو قياسية بلغت 86% مقارنة بعام 2016. ورغم استئثار دول مثل مصر ونيجيريا والمغرب بالحصص الأكبر، إلا أن الحجم المعتبر للتحويلات نحو الجزائر يعكس الثقل الديمغرافي والاقتصادي لجاليتها.


عالمياً، تبرز أهمية هذه التحويلات بشكل صارخ، إذ بلغت 728.6 مليار دولار في 2025، متجاوزة بذلك حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبأربعة أضعاف حجم المساعدات الإنمائية الرسمية. وفي هذا السياق، يعتبر الرقم الذي تسجله الجزائر إنجازاً يعكس قوة “الاقتصاد الاغترابي”.

الرقمنة.. أفق جديد لمضاعفة الأرقام

ومع التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده قطاع التحويلات عالمياً حيث تبدأ أكثر من نصف العمليات عبر قنوات رقمية—تلوح أمام الجزائر فرصة ذهبية فإن مواصلة تحديث المنظومة المصرفية الوطنية وتسهيل القنوات الرقمية المالية من شأنه أن يضاعف من حجم هذه التدفقات مستقبلاً كما يستقطب المزيد من مدخرات الجالية التي تفضل القنوات الرسمية السريعة والآمنة.

في المحصلة، يثبت مبلغ 1.79 مليار دولار أن الجالية الجزائرية بالخارج ليست مجرد أرقام ديمغرافية، بل هي شريك استراتيجي، وخط دفاع اقتصادي واجتماعي أول، وجسر ممتد يغذي شرايين التنمية في البلاد بلا انقطاع.

#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

الجزائر وألمانيا تفتحان ملف صناعة الهيدروجين.. تقنيات أوروبية وممر بطول 3300 كيلومتر نحو قلب القارة

الجزائر وألمانيا تفتحان ملف صناعة الهيدروجين.. تقنيات أوروبية وممر بطول 3300 كيلومتر نحو قلب القارة

بوابة الجزائر الإخبارية: أكثر من 3300 كيلومتر من البنية العابرة للحدود، وقدرة استيراد تتجاوز أربعة ملايين طن من الهيدروجين سنويًا، تضع الجزائر أمام فرصة صناعية تتجاوز تصدير الطاقة إلى المشاركة في بناء سلسلة تمتد من معالجة المياه والتحليل الكهربائي إلى التخزين والأنابيب والسوق الأوروبية. وفي هذا السياق، تحتضن الجزائر العاصمة، الاثنين 21 سبتمبر 2026، لقاء أعمال جزائريًا–ألمانيًا لتحديد الشركاء والحلول التقنية القادرة على نقل مشاريع الهيدروجين الأخضر من مرحلة التصورات إلى دراسات قابلة للتنفيذ.

وتنظم الغرفة الجزائرية–الألمانية للتجارة والصناعة الاجتماع ضمن بعثة أعمال تزور الجزائر وتونس بين 21 و25 سبتمبر، في إطار مبادرة التصدير الألمانية في مجال الطاقة، بمشاركة شركات متخصصة ومؤسسات قطاعية وممثلين عن وزارات البلدين ومنظمات مهنية.

ولا يتعلق اللقاء بالترويج لتقنية منفردة، بل بتجميع حلقات المنظومة الصناعية داخل برنامج واحد، بدءًا من إنتاج الكهرباء المتجددة ومعالجة المياه، مرورًا بالتحليل الكهربائي والضغط والتخزين، وصولًا إلى تأهيل الأنابيب والتصديق على المنتج ونقله نحو المستهلك.

ومن المقرر أن يقدم المشاركون عروضًا حول قطاع الطاقة والطاقات المتجددة في الجزائر، إلى جانب مداخلات للوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ» والمؤسسات المشاركة، ومائدة مستديرة بشأن التعاون الثنائي، ثم اجتماعات مباشرة بين الشركات لبحث الاحتياجات والمشاريع المحتملة.

ولا يتضمن الإعلان عقودًا موقعة أو قيمة استثمارات أو قدرات إنتاجية متفقًا عليها. لذلك يظل الاجتماع محطة لاستكشاف السوق وتحديد الشركاء وبناء المقترحات، على أن يرتبط الانتقال إلى الاستثمار بدراسات الجدوى والتمويل والعقود ومنافذ التسويق.

الجزائر وألمانيا تفتحان ملف صناعة الهيدروجين.. تقنيات أوروبية وممر بطول 3300 كيلومتر نحو قلب القارة

من تصدير الغاز إلى بناء سلسلة الهيدروجين

تكمن القيمة الاقتصادية للقاء في أنه يضع الشركات الجزائرية في اتصال مباشر مع مزودي التكنولوجيا خلال مرحلة تصميم المشاريع، بدل استدعائهم بعد تحديد كل الخيارات الفنية والمالية مسبقًا.

وتغطي عروض الوفد الألماني تقنيات التحليل الكهربائي، ومعالجة المياه وتحليتها، وأنظمة الضغط والتخزين، والمضخات والمعدات الصناعية، والهندسة والتصديق ودراسات الجدوى، إضافة إلى الحلول المتعلقة بإعادة تأهيل شبكات الأنابيب القائمة.

ويعكس هذا التنوع طبيعة صناعة الهيدروجين نفسها؛ إذ لا يكفي إنشاء محطة كهرباء شمسية أو شراء محلل كهربائي لبدء الإنتاج. فالمشروع يحتاج إلى مورد مائي معالج، وكهرباء متجددة مستقرة، ووحدات فصل وضغط، ومنشآت تخزين، وشهادات تثبت منشأ المنتج وانبعاثاته، فضلًا عن بنية تنقله إلى المستهلك بتكلفة تنافسية.

ويمنح ذلك الجزائر فرصة لبناء نشاط صناعي أوسع من بيع الهيدروجين الخام، عبر توطين خدمات الهندسة والتركيب والتشغيل والصيانة، وتكوين الكفاءات، وإشراك المؤسسات الوطنية في تصنيع بعض المعدات والمكونات.

لكن تحقيق هذه القيمة ليس تلقائيًا؛ إذ سيتوقف على طبيعة الشراكات التي قد تنشأ، ونسب الإدماج المحلي، وشروط نقل التكنولوجيا، ومشاركة الشركات الجزائرية في التنفيذ، بدل اقتصار دورها على شراء المعدات المستوردة.

وكانت الغرفة الجزائرية–الألمانية قد عرضت، في 20 أوت 2026، دليلًا للاستثمار في الهيدروجين الأخضر وتطبيقات تحويل الكهرباء إلى منتجات طاقوية في الجزائر، شمل الفرص المتاحة والإطار التنظيمي والجبائي والحوافز الموجهة للمستثمرين.

ويأتي لقاء سبتمبر بوصفه امتدادًا عمليًا لهذا المسار، من خلال نقل المعلومات الواردة في الدليل إلى طاولة التفاوض المباشر بين المؤسسات الجزائرية وموردي التكنولوجيا ومطوري المشاريع.

ممر أوروبي يبدأ من شمال إفريقيا

يتصدر ممر الهيدروجين الجنوبي «SoutH2 Corridor» الخلفية الاستراتيجية للمباحثات، بوصفه مشروعًا يستهدف نقل الهيدروجين من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا إلى ألمانيا.

ويبلغ طول الممر المخطط نحو 3300 كيلومتر، مع قدرة استيراد تتجاوز أربعة ملايين طن سنويًا، وفق البيانات الرسمية للمبادرة. ويُرتقب أن يعتمد أكثر من 65% من مساره على إعادة استخدام بنية تحتية قائمة، مع استهداف بدء التشغيل في مطلع ثلاثينيات القرن الحالي.

وتتولى تطوير المبادرة شركات «Snam» الإيطالية و«TAG» و«Gas Connect Austria» النمساويتان و«bayernets» الألمانية، ما يمنح المشروع امتدادًا مباشرًا إلى الشبكات والأسواق الصناعية الأوروبية.

ولا تمثل الكميات المعلنة حصة مضمونة للجزائر، كما لا تعني وجود عقد لتصدير أربعة ملايين طن من الإنتاج الجزائري. فالرقم يخص القدرة الإجمالية المستهدفة للممر، بينما ستتحدد مساهمة كل بلد لاحقًا وفق المشاريع المنجزة والأسعار والعقود والقدرة على إثبات مطابقة المنتج للمعايير الأوروبية.

غير أن موقع الجزائر ومواردها الشمسية وشبكة أنابيبها القائمة وعلاقاتها الطاقوية مع إيطاليا وألمانيا تمنحها قاعدة تنافسية للدخول في هذه السلسلة، إذا نجحت في تحويل الإمكانات الطبيعية إلى إنتاج صناعي قابل للتصدير.

كما يمكن لإعادة استعمال أجزاء من شبكات الغاز القائمة أن تقلل حجم الإنشاءات الجديدة وتسرع الربط بالسوق الأوروبية. إلا أن نقل الهيدروجين يختلف تقنيًا عن نقل الغاز الطبيعي، ما يفرض تقييم الأنابيب والضواغط والصمامات ومتطلبات السلامة ومقاومة المواد.

ويفسر ذلك حضور شركات الهندسة وفحص الشبكات وإعادة التأهيل ضمن البعثة الألمانية، لأن الاستفادة من البنية القائمة تظل مشروطة بإثبات صلاحيتها، وليست نتيجة محسومة قبل إنجاز الدراسات.

المياه والتخزين في قلب الجدوى الاقتصادية

يضع إدراج تقنيات معالجة المياه وتحليتها ضمن البرنامج أحد أكثر مكونات الهيدروجين حساسية على طاولة النقاش. فالتحليل الكهربائي يحتاج إلى مياه ذات مواصفات محددة، ما يفرض ربط وحدات الإنتاج بمنشآت المعالجة أو التحلية وفق موقع المشروع وطاقته.

ولا يمثل استهلاك المياه وحده التحدي؛ إذ تشمل الحسابات كلفة التحلية والنقل والمعالجة والطاقة، ومدى قدرة المشروع على العمل من دون الضغط على الموارد الموجهة للسكان والفلاحة.

وتملك الجزائر خبرة متزايدة في تحلية مياه البحر، ما يتيح بحث التكامل بين محطات التحلية والطاقة المتجددة ووحدات الهيدروجين، خصوصًا في المشاريع الساحلية أو القريبة من شبكات النقل.

أما تخزين الطاقة، فيفتح محورًا صناعيًا موازيًا لا يقتصر على التصدير. فإنتاج الكهرباء الشمسية والريحية متغير بطبيعته، بينما تحتاج المصانع ووحدات التحليل الكهربائي إلى تشغيل منتظم. وتسمح تقنيات التخزين بإدارة الفارق بين أوقات الإنتاج والاستهلاك، وتحسين استغلال المنشآت وخفض التوقفات.

وتختلف الحلول الممكنة وفق حجم المشروع واستخدامه، من البطاريات إلى التخزين الحراري أو تحويل الكهرباء إلى هيدروجين ومشتقات أخرى. لذلك لا توجد تقنية واحدة مناسبة لجميع الحالات، وتبقى الدراسات الاقتصادية والفنية ضرورية لاختيار الحل الأقل كلفة والأكثر ملاءمة.

ويمنح لقاء الجزائر المؤسسات فرصة لتقييم هذه الحلول ضمن منظومة متكاملة، بدل شراء كل مكون بصورة منفصلة، لأن الجدوى النهائية تتحدد بتكلفة الكيلوغرام المنتج كاملًا من الكهرباء والمياه إلى التخزين والنقل والتصديق.

الشراكة تُقاس بالمشاريع لا بالإعلانات

يحمل الاجتماع دلالة واضحة على اهتمام الشركات الألمانية بالسوق الجزائرية وموقعها داخل خريطة الهيدروجين الأوروبية المقبلة، لكنه يظل خطوة تحضيرية لا إعلانًا عن استثمارات منجزة.

وستُقاس نتيجته بعدد دراسات الجدوى التي ستنطلق، والشراكات التي ستُبرم، والمشاريع التي ستؤمّن التمويل وعقود الشراء، ونسبة القيمة الصناعية التي ستبقى داخل الجزائر.

وبالنسبة إلى الجزائر، لا يقتصر الرهان على تأمين منفذ جديد لتصدير الطاقة، بل يمتد إلى استثمار التحول الأوروبي لبناء صناعة وطنية، وتطوير الخبرة الهندسية، وخلق وظائف تقنية، وإدماج المؤسسات المحلية في سلسلة تجهيزات الهيدروجين وتخزين الطاقة.

أما ألمانيا، فتبحث عن مصادر منخفضة الانبعاثات لتزويد صناعاتها مستقبلًا، وعن موردين قادرين على الارتباط بالممر الجنوبي ضمن عقود طويلة الأجل. وتوفر الجزائر قربًا جغرافيًا وموارد متجددة وبنية غازية قائمة، لكنها مطالبة بتحويل هذه المزايا إلى مشاريع تنافسية تحترم معايير السوق الأوروبية.

ومن ثم، يمثل لقاء 21 سبتمبر اختبارًا لقدرة الطرفين على الانتقال من إعلان الاهتمام إلى تحديد مواقع الإنتاج والتقنيات والتمويل ومسؤوليات الشركاء. فالنجاح لن يقاس بعدد العروض المقدمة، بل بتحولها إلى استثمارات تنقل المعرفة وتخلق قيمة محلية وتمنح الجزائر موقعًا صناعيًا داخل ممر الهيدروجين الأوروبي

#ألمانيا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

الغاز الجزائري يعيد رسم أمن الطاقة الإيطالي.. أزمة «إديسون» تثبت استشراف الجزائر لمخاطر الإمدادات

الغاز الجزائري يعيد رسم أمن الطاقة الإيطالي.. أزمة «إديسون» تثبت استشراف الجزائر لمخاطر الإمدادات

بوابة الجزائر الإخبارية: 6.4 مليارات متر مكعب من الغاز القطري سنويًا، تعادل نحو 10% من استهلاك إيطاليا، تحولت من نقطة قوة داخل محفظة «إديسون» إلى مصدر اضطراب أربك نتائجها وعقّد بيع حصة منها، بعدما عطلت الحرب وإغلاق مضيق هرمز وصول شحنات قطر للطاقة. وفي المقابل، برزت قيمة الخيار الذي بنته الجزائر وإيطاليا قبل سنوات، والمتمثل في إمدادات مستقرة عبر الأنابيب وعقود طويلة الأجل وبنية مباشرة لا تمر عبر المضائق ولا تتوقف على الناقلات ومحطات إعادة التغويز.

وكشفت رويترز، نقلًا عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن مجموعة الكهرباء الفرنسية «EDF» تدرس منح المستثمرين المحتملين حقوقًا مالية تفضيلية لتسهيل بيع حصة أقلية في «إديسون» الإيطالية، بعد أن أضعفت اضطرابات الغاز القطري جدوى الخيارات التقليدية، وفي مقدمتها طرح الشركة في البورصة أو بيع أسهم عادية.

وتعتزم المجموعة الفرنسية الاحتفاظ بحصة الأغلبية، مع توجيه عائدات التخارج الجزئي إلى تمويل مفاعلات نووية جديدة وصيانة أسطولها الفرنسي. غير أن جذب المستثمرين أصبح يتطلب هندسة مالية أكثر حماية لهم، بعدما انتقلت مخاطر الإمداد من حسابات التشغيل إلى تقييم الشركة نفسها.

وتمنح الصيغة قيد الدراسة للمشترين، المرجح أن يكونوا صناديق استثمار كبرى، أولوية تعاقدية في توزيع التدفقات النقدية وفق عائد مستهدف، قبل بقية المساهمين. ولا تضمن هذه الآلية تحقيق الأرباح، لكنها تعيد ترتيب توزيع العائد لتقليل تعرض المستثمر الجديد لتقلب النتائج.

وهكذا دفعت أزمة الإمدادات «EDF» إلى محاولة تعويض المخاطر التشغيلية بامتيازات مالية. فحين يصبح وصول الغاز غير مؤكد، لا تتراجع الكميات المتاحة للشركة فقط، بل يرتفع هامش المخاطر الذي يطلبه المستثمر وتنخفض جاذبية السهم وترتفع كلفة إتمام الصفقة.

من مضيق هرمز إلى تقييم «إديسون»

بدأت قطر للطاقة إلغاء شحنات متجهة إلى «إديسون» منذ أفريل 2026، على خلفية الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق المعلومات التي أوردتها رويترز. ويربط الطرفين عقد طويل الأجل بحجم 6.4 مليارات متر مكعب سنويًا، وهو ما يوضح درجة انكشاف الشركة على مورد يعبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

ولا يعني هذا الرقم أن «إديسون» فقدت كامل الكمية منذ أفريل، بل يمثل الحجم السنوي للعقد الذي تعرضت شحناته للاضطراب. أما النقص الفعلي، فيتحدد وفق عدد الشحنات الملغاة والكميات البديلة التي استطاعت الشركة تأمينها خلال الفترة.

وانتقل الضغط سريعًا من التموين إلى النتائج المالية. ففي ماي، أفادت رويترز بتأجيل عملية بيع الحصة، قبل أن تخفض «إديسون» في جويلية توقعات أرباحها السنوية للمرة الثانية خلال 2026، متأثرة باضطراب الغاز وضعف الإنتاج الكهرومائي.

أما نطاق التقييم المتداول بين سبعة وعشرة مليارات يورو، فيعود إلى تقديرات ظهرت خلال العام الماضي، ولا يمثل سعرًا نهائيًا أو تقييمًا محدثًا بعد اضطراب الشحنات القطرية.

وتنتظر «EDF» نهاية سبتمبر لإعادة تقييم الوضع، مع احتمال توقيع اتفاق بنهاية 2026 أو مطلع 2027 إذا تقرر إطلاق عملية البيع خلال الشهر الجاري. ولم تؤكد المجموعة اعتماد هيكل الأسهم التفضيلية، فيما اكتفت بالإحالة إلى تصريحات مديرها المالي بشأن مواصلة التحضير وانتظار وضوح آفاق نشاط «إديسون». رويترز

وتكشف الأزمة أن أمن الطاقة لم يعد عاملًا خارجيًا يُدرج في هوامش خطط الشركات، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في تقييم الأصول وتحديد العائد المطلوب وشروط دخول المستثمرين. فالعقد الكبير لا يضمن الاستقرار إذا ارتبط بمسار بحري يمكن تعطيله عند أول تصعيد إقليمي.

الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية سبقت الأزمة

في الجهة المقابلة، تكشف أزمة «إديسون» القيمة الاستراتيجية للرؤية التي بنت بها الجزائر علاقاتها الطاقوية مع إيطاليا. فبدل الاكتفاء ببيع شحنات فورية عند ارتفاع الأسعار، اعتمدت الجزائر على عقود طويلة الأجل، وربط مباشر عبر «ترانسميد»، وشراكة مؤسساتية بين «سوناطراك» و«إيني» تشمل الإنتاج والنقل والاستثمار.

هذه الهندسة لم تظهر بعد تعطل الغاز القطري، بل سبقت الأزمة بسنوات. ففي 11 أفريل 2022، وقعت «سوناطراك» و«إيني» اتفاقًا لتسريع تطوير حقول الغاز ورفع الإمدادات الموجهة إلى إيطاليا تدريجيًا بما يصل إلى تسعة مليارات متر مكعب سنويًا خلال 2023–2024، بالاستفادة من قدرات النقل المتاحة.

ولا يمثل رقم تسعة مليارات متر مكعب احتياطيًا إضافيًا جاهزًا تلقائيًا في 2026، وإنما هدفًا للاتفاق الذي وُضع في سياق إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية. إلا أن أهميته تكمن في أنه يعكس نظرة استشرافية جزائرية أدركت مبكرًا أن أمن الإمدادات سيصبح معيارًا يوازي السعر، وأن القرب الجغرافي والبنية البرية سيمنحان الغاز الجزائري قيمة تتجاوز الكمية المصدرة.

وقد زودت الجزائر إيطاليا بنحو 20 مليار متر مكعب خلال 2025، أي قرابة 30% من الاستهلاك الإيطالي، لتصبح أحد أعمدة منظومة التموين وليس مجرد مورد يُستدعى عند الطوارئ.

وفي 25 مارس 2026، زارت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني الجزائر، وأعلنت رغبة بلادها في زيادة وارداتها من الغاز الجزائري بالتزامن مع اضطراب الشحنات القطرية. وربطت روما التوسع المحتمل بتعميق التعاون بين «سوناطراك» و«إيني»، واستكشاف فرص جديدة في الغاز البحري وغير التقليدي، دون الكشف عن كميات أو آجال تنفيذ محددة. رويترز

ولا تعكس هذه العودة إلى الجزائر تحركًا ظرفيًا فرضته الأزمة فقط، بل نتيجة دبلوماسية طاقوية عملت الجزائر من خلالها على تثبيت نفسها شريكًا موثوقًا، يجمع بين الموارد والبنية التحتية والقرب الجغرافي والقدرة على التفاوض طويل الأجل.

«ترانسميد» يمنح الجزائر تفوقًا جغرافيًا

ينطلق الغاز الجزائري من الحقول الوطنية، ويمر عبر تونس والبحر المتوسط، ثم يدخل الشبكة الإيطالية من صقلية. وهذا المسار لا يحتاج إلى تسييل الغاز وتحميله على الناقلات وعبور الممرات البحرية ثم إعادة تغويزه داخل الموانئ الأوروبية.

وتمنح هذه البنية الجزائر ميزة تشغيلية في فترات اضطراب الملاحة، إذ لا تمر الإمدادات عبر مضيق هرمز ولا ترتبط بتوافر ناقلات الغاز المسال أو ازدحام محطات الاستقبال.

ولا يعني ذلك أن غاز الأنابيب محصن بالكامل من المخاطر، فهو يرتبط بجاهزية الحقول ومحطات الضغط والبنية العابرة للحدود والالتزامات التعاقدية. غير أن عدد حلقاته اللوجستية أقل، ما يخفض تعرضه المباشر لتقلب أجور الشحن وإغلاق المضائق والمنافسة الآسيوية على الناقلات.

وفي حالة الغاز القطري، لم تكن المشكلة في الاحتياطيات أو القدرة الإنتاجية وحدهما، بل في عجز الشحنات عن عبور المسار البحري المعتاد. وهنا يظهر الفارق بين امتلاك الغاز والقدرة على إيصاله؛ فالمورد لا يحقق قيمته الاقتصادية ما لم يمتلك طريقًا آمنًا إلى المستهلك.

وقد بنت الجزائر هذه المعادلة قبل تفجر الأزمة، من خلال الاستثمار في خطوط الربط، وتطوير العلاقات مع «إيني»، وإبقاء قنوات الحوار السياسي والطاقوي مفتوحة مع روما. ومع كل اضطراب يصيب الغاز المسال، ترتفع القيمة الاقتصادية لهذه البنية، حتى من دون توقيع عقد جديد.

الجزائر ليست طرفًا في بيع «إديسون»

لا تتضمن المعطيات المتاحة أي دور لـ«سوناطراك» أو الجزائر في بيع الحصة التي تدرسها «EDF»، كما لم يُعلن عن اتفاق جزائري لتعويض شحنات «إديسون» القطرية تحديدًا.

والرابط بين الملفين يتعلق بسوق الطاقة الإيطالية الأوسع؛ فتعطل مورد يغطي نحو 10% من الاستهلاك يرفع حاجة إيطاليا إلى تنويع مصادرها، ويعزز أهمية الموردين القادرين على تقديم كميات مستقرة عبر مسارات لا تتأثر بمضيق هرمز.

كما لا تستطيع الجزائر زيادة الإمدادات بلا حدود أو على حساب احتياجاتها الداخلية. فكل كمية إضافية ترتبط بمستوى الإنتاج، وبرامج تطوير الحقول، والعقود القائمة، والطلب الوطني، والطاقة الفعلية المتاحة داخل شبكة النقل.

لكن غياب صفقة تعويض مباشرة لا يقلل المكسب الاستراتيجي. فالأزمة رفعت قيمة النموذج الجزائري القائم على القرب والربط المباشر والشراكة طويلة الأمد، وأكدت أن أمن الإمدادات أصبح أصلًا اقتصاديًا يؤثر في قيمة شركات الطاقة وقدرتها على جذب المستثمرين.

أزمة قطر تثبت صحة الرهان الجزائري

تواجه «EDF» اليوم مشكلة لم تبدأ داخل حسابات «إديسون»، بل في ممر بحري يقع على بعد آلاف الكيلومترات. ومع ذلك، انتقلت تداعياته إلى توقعات الأرباح وتوقيت البيع وهيكل الصفقة ونوعية الحقوق التي سيطلبها المستثمرون.

أما الجزائر، فقد بنت علاقتها مع إيطاليا على مسار مختلف؛ غاز يُنتج في الضفة الجنوبية للمتوسط، يعبر شبكة قائمة، ويصل إلى سوق مرتبطة معه بعقود وشراكات استثمارية طويلة.

وتتجسد النظرة الاستشرافية الجزائرية في إدراك أن التحول الطاقوي الأوروبي لا يلغي الغاز فورًا، بل يرفع قيمة المورد القريب والموثوق خلال مرحلة الانتقال. كما تتجسد في الانتقال من علاقة بائع ومشترٍ إلى شراكة تشمل تطوير الإنتاج وخفض الانبعاثات والاستكشاف والتقنيات الجديدة.

وعندما تحركت الجزائر لتعزيز علاقتها بإيطاليا بعد أزمة الغاز الروسي، لم تكن تستجيب فقط لنقص مؤقت، بل كانت تعيد تثبيت موقعها في خريطة أمن الطاقة الأوروبي. واليوم، تمنح أزمة الغاز القطري هذه السياسة دليلًا إضافيًا على صحتها.

فالاضطراب الذي أربك بيع «إديسون» لم يغير ملكية شركة إيطالية فقط، بل كشف الفارق بين مورد بعيد يعتمد على ناقلات ومضيق قابل للإغلاق، وشريك قريب بنى مع روما طريقًا مباشرًا ومؤسسات تعاون قادرة على الاستمرار.

وبذلك تخرج الجزائر من الأزمة من دون أن تكون طرفًا فيها، لكنها تحصد قيمة سنوات من الدبلوماسية الطاقوية والاستثمار في الثقة والبنية التحتية. فكل شحنة تتعطل في هرمز ترفع أهمية «ترانسميد»، وكل مراجعة لتقييم شركة أوروبية بسبب مخاطر الإمداد تؤكد أن الجزائر لم تكن تبيع الغاز فقط، بل بنت موقعًا داخل الأمن الاقتصادي لإيطاليا.

#إيطاليا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
أخبار العالم
شارك المقال

الفرنسيون يخزنون الطعام والماء وكل ماهو “معلب” استعدادا للسيناريو الأسوأ ..ما القصة؟

الفرنسيون يخزنون الطعام والماء وكل ماهو “معلب” استعدادا للسيناريو الأسوأ ..ما القصة؟

بوابة الجزائر الإخبارية : لم يعد المشهد في فرنسا مقتصراً على النقاشات السياسية المعتادة حول طاولات المقاهي، بل تحول إلى واقع ملموس واستنفار داخل المنازل. الآن، يتسابق الفرنسيون لتخزين المياه والأطعمة المعلبة، استجابةً لتحذيرات حكومية تدعو للاستعداد لسيناريو مرعب: اندلاع حرب واسعة النطاق ومدمرة مع روسيا.

الفرنسيون يخزنون الطعام والماء وكل ماهو “معلب” استعدادا للسيناريو الأسوأ ..ما القصة؟

هذه التحذيرات تأتي في إطار خطط طوارئ وطنية تعكس حجم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تعصف بالقارة الأوروبية.

​”الجميع مسؤولون”.. خطة العزلة لثلاثة أيام

تحت شعار “الجميع مسؤولون”، أصدرت الحكومة الفرنسية سابقا; دليلاً إرشادياً يحث كل مواطن على إعداد حقيبة طوارئ تكفي لثلاثة أيام متتالية من الأزمة الشاملة.

القائمة التي وزعتها السلطات دقيقة وتستهدف ضمان البقاء الأساسي : 6 لترات من مياه الشرب لكل شخص، مخزون كافٍ من الطعام المعلب وغير القابل للتلف، أدوية أساسية وإسعافات أولية، راديو يعمل بالبطاريات لتلقي التوجيهات الرسمية عند انقطاع الاتصالات، ومصباح يدوي. كما تضمنت التوصيات توفير ألعاب لوحية وكتب للتسلية للحفاظ على الاستقرار النفسي، خاصة للأطفال وسط فوضى الأزمات،

الفرنسيون يخزنون الطعام والماء وكل ماهو “معلب” استعدادا للسيناريو الأسوأ ..ما القصة؟

​تصريحات عسكرية صادمة وزلزال سياسي

هذه التجهيزات المدنية لم تأتِ من فراغ، بل تزامنت مع زلزال فجرته تصريحات قائد أركان الجيش الفرنسي، فابيان ماندون اين حذر بلهجة حازمة خالية من الدبلوماسية من أن فرنسا ستكون في خطر وجودي إذا لم يتهيأ شعبها لتقبل خسائر اقتصادية فادحة، داعياً إياهم بوضوح إلى “الاستعداد لتحمل خسارة أبنائهم” في حال اندلاع صراع مسلح في أوروبا لردع أي تهديد روسي متوقع بحلول عام 2030.

الفرنسيون يخزنون الطعام والماء وكل ماهو “معلب” استعدادا للسيناريو الأسوأ ..ما القصة؟

​أشعلت هذه التصريحات عاصفة من الانتقادات من كافة أطياف المعارضة، من أقصى اليسار إلى اليمين المتطرف، حيث اتُهمت الحكومة بتهيئة الرأي العام لزج البلاد في محرقة دموية. ورغم تدخل وزيرة الدفاع، كاثرين فوتريان، لتخفيف حدة المشهد والتأكيد على أن الهدف هو بناء “القوة المعنوية الجماعية” والروح الدفاعية الوطنية وليس إرسال الشباب للجبهات، إلا أن الرسالة التحذيرية كانت قد حُفرت في وعي الشارع الفرنسي.

​عين على ساحة المعركة

تستند هذه التحركات إلى التقرير الاستراتيجي الوطني الفرنسي لعام 2025، الذي يضع جداول زمنية مقلقة ومحددة. فالتقرير يرجح احتمالية انخراط باريس في تدخل عسكري عالي الكثافة في أوروبا بين عامي 2027 و2030، مشدداً على أن أي اعتداء روسي على دولة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيُفعل فوراً المادة الخامسة، ليضع القوات الفرنسية بشكل مباشر في قلب المعركة.

#اوروبا#فرنسا
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي