بوابة الجزائر الإخبارية: قال المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، أيوب عرّفي، إن مطلب التمثيل الإفريقي الدائم والعادل في مجلس الأمن، الذي جددت الجزائر التأكيد عليه في أعلى المحافل الأممية، يتجاوز كونه مطلبًا قاريًا ظرفيًا، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول شرعية بنية النظام الدولي نفسها.
وأوضح عرّفي أن مجلس الأمن، بتركيبته الحالية التي تعود إلى سنة 1945، ما يزال يعكس موازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، في وقت تغيرت فيه خريطة العالم جذريًا منذ ذلك التاريخ، معتبرًا أن استمرار غياب إفريقيا عن العضوية الدائمة يمثل شذوذًا تاريخيًا ومؤسساتيًا لا يمكن تبريره بمنطق سياسي أو قانوني معاصر.
وأكد أن المطلب الإفريقي لا يمكن اعتباره مجرد طموح رمزي، بل يمثل رهانًا حقيقيًا قادرًا على إعادة رسم موازين التمثيل داخل أهم مؤسسة دولية، مشيرًا إلى أن أي تعديل في تركيبة العضوية الدائمة سيفتح الباب أمام مراجعة أعمق لآلية اتخاذ القرار، بما في ذلك حق النقض، الذي وصفه بأنه يبقى الحاجز الأكبر أمام أي إصلاح جوهري.
ويرى عرّفي أن المطلب الإفريقي، وإن بدا في ظاهره مطلبًا تمثيليًا، فإنه في جوهره اختبار حقيقي لمدى استعداد القوى الدائمة الحالية للقبول بتقاسم فعلي للسلطة داخل المنظومة الأممية.
وفي تفسيره لأسباب استمرار بقاء إفريقيا خارج دائرة العضوية الدائمة، رغم وزنها الديمغرافي والجغرافي والسياسي، أرجع عرّفي ذلك بالدرجة الأولى إلى إرث تاريخي يعكس بنية القوة الاستعمارية التي صيغ على أساسها النظام الأممي عند تأسيسه، حين كانت أغلب الدول الإفريقية لا تزال تحت الاحتلال ولم يكن لها صوت في تشكيل المنظومة الدولية.
وأضاف أن هذا الإرث التأسيسي لم يُصحح لاحقًا رغم استقلال القارة، بفعل مقاومة القوى الدائمة لأي توسيع فعلي من شأنه المساس بتوازنات نفوذها داخل المجلس.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى وجود عامل سياسي راهن يتمثل في غياب الإرادة الدولية الجماعية لدى بعض الأطراف الكبرى لإجراء إصلاح حقيقي يمس صميم امتيازاتها، موضحًا أن هذه الأطراف تكتفي غالبًا بخطابات داعمة شكليًا للتمثيل الإفريقي، دون ترجمة ذلك إلى مبادرات فعلية داخل أروقة الأمم المتحدة.
ولفت إلى أن القارة الإفريقية تبقى من أكثر المناطق ارتباطًا بجدول أعمال مجلس الأمن، إذ تشكل غالبية الملفات المدرجة على جدول أعماله ملفات إفريقية، وهو ما يبرز، بحسبه، تناقضًا واضحًا يتمثل في أن القارة التي تُدار أزماتها ونزاعاتها بقرارات المجلس، من عمليات حفظ السلام إلى العقوبات، تبقى غائبة عن طاولة صنع تلك القرارات.
واعتبر عرّفي أن هذا الوضع يكرس منطق «القرار من دون مشاركة»، ويتناقض جوهريًا مع مبادئ العدالة التمثيلية التي يفترض أن تقوم عليها أي مؤسسة أممية ديمقراطية.
وبشأن تداعيات حصول إفريقيا على مقاعد دائمة بصلاحيات كاملة، بما فيها حق النقض، أوضح عرّفي أن ذلك سيحدث تحولًا نوعيًا في طريقة معالجة الملفات الإفريقية داخل مجلس الأمن، إذ لن تعود القرارات المتعلقة بالنزاعات وعمليات حفظ السلام في القارة تُصاغ حصريًا وفق حسابات القوى الكبرى الخارجية، بل ستأخذ بعين الاعتبار الرؤية الإفريقية الذاتية للأزمات، القائمة على مبدأ «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية».
ويرى أن هذا الحضور من شأنه تعزيز فرص إيجاد تسويات أكثر استدامة وأقرب إلى واقع الشعوب المعنية، فضلًا عن إسهامه في إعادة التوازن إلى ملفات أوسع تتجاوز القارة، مثل قضايا نزع السلاح والإصلاح الاقتصادي الدولي والتغير المناخي.
وأوضح أن حضورًا إفريقيًا دائمًا وفاعلًا سيمكن القارة من الدفاع عن مصالح دول الجنوب عمومًا بصوت أقوى وبصلاحيات فعلية، بدل الاكتفاء بدور «المراقب» في قضايا السلم والأمن الدوليين، رغم كونها الطرف الأكثر تأثرًا بها.
وفي هذا السياق، طرح عرّفي الجزائر كمرشح طبيعي ومؤهل لتمثيل القارة الإفريقية في حال إقرار مقعد دائم، مستندًا في ذلك إلى رصيدها الدبلوماسي المتراكم عبر عقود من الانخراط في قضايا السلم والأمن، ودعم حركات التحرر ومسارات تصفية الاستعمار، إلى جانب دورها الراهن في الوساطة والتهدئة في ملفات الساحل وليبيا.
كما أشار إلى حضور الجزائر المتكرر كعضو غير دائم في مجلس الأمن، معتبرًا أنها أثبتت قدرتها على الدفاع عن المواقف الإفريقية الجماعية بثبات ومسؤولية.
وأضاف أن التزام الجزائر بمبادئ السيادة وعدم التدخل وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية يمنحها، في تقديره، مصداقية إضافية كصوت متوازن قادر على الدفاع عن مصالح القارة دون الانحياز لأي محور دولي، بما يؤهلها لتكون من بين الأصوات الإفريقية الأكثر توافقًا عليها لتحمل هذه المسؤولية التاريخية.


















