بوابة الجزائر الاخبارية : أكد أستاذ العلوم السياسية و العلاقات الدولية ، محمد الصالح جمال، في تصريح لـ« بوابة الجزائر»، أن الجزائر لا تنظر إلى إصلاح مجلس الأمن باعتباره مجرد تعديل تقني في عدد المقاعد، وإنما باعتباره استجابة لأزمة أعمق يشهدها النظام الدولي.
وأوضح أن العالم تغير بشكل كبير منذ إنشاء الأمم المتحدة، في ظل تحولات في موازين القوى، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتنامي الدور الإفريقي، إلى جانب تعدد الأزمات التي لم تعد محصورة في منطقة واحدة. وفي المقابل، ما تزال بنية مجلس الأمن تعكس إلى حد كبير توازنات مرحلة تاريخية مختلفة.
وأضاف أن المشكلة تظهر عندما يعجز المجلس عن التحرك الفعال أمام أزمات كبرى، أو عندما يصبح اتخاذ القرار مرتبطًا بمواقف القوى الخمس دائمة العضوية، مؤكدًا أن المسألة عندها «لا تعود مرتبطة بأزمة في مجلس الأمن فقط، وإنما تبدأ في التأثير على الثقة في النظام الدولي ككل».
ويرى محدثنا أن الجزائر، من خلال دعوتها إلى إصلاح عميق لمجلس الأمن، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل المؤسسات الدولية قادرة فعلًا على مواكبة هذا التغيير، أم أنها ستبقى أسيرة لتوازنات تأسست قبل أكثر من سبعة عقود؟
ومن هنا، يضيف المتحدث، تكمن أهمية الموقف الجزائري في أنه يربط بين إصلاح مجلس الأمن وإعادة الاعتبار للعمل متعدد الأطراف، وسيادة القانون الدولي، وتمثيل مختلف مناطق العالم بشكل أكثر عدالة.
وأشار إلى أن الجزائر تتحدث من موقع إفريقي واضح، «لأن إفريقيا لا يمكن أن تبقى القارة الأكثر تأثرًا بقرارات مجلس الأمن مع تمثيل محدود في بنيته الدائمة»، مؤكدًا أن المطلب الجزائري في جوهره هو الدفاع عن مجلس أمن أكثر تمثيلًا وأكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الحقيقية في العالم.
إصلاح أعمق من مجرد زيادة عدد الأعضاء
وشدد المتحدث ذاته على أن الإصلاح العميق، بالنسبة إلى الجزائر، لا يعني ببساطة إضافة دولتين أو ثلاث دول إلى مجلس الأمن ثم القول إن المشكلة انتهت، معتبرًا أن المسألة أعمق من ذلك بكثير.
وأوضح أن أول عناصر الإصلاح يتعلق بالتمثيل، حيث تؤكد الجزائر، في إطار الموقف الإفريقي المشترك، ضرورة تصحيح الخلل التاريخي في تمثيل القارة الإفريقية داخل مجلس الأمن، بما يتماشى مع الموقف الإفريقي المعروف بتوافق إيزوليني وإعلان سرت.
وقال إن الجزائر ترى أن إفريقيا «يجب أن تكون حاضرة في الفئتين الدائمة وغير الدائمة، وليس أن تكون مجرد طرف يتأثر بالقرارات دون أن يكون له حضور يتناسب مع مكانته وعدد دوله ومساهمته في أجندة السلم والأمن الدوليين».
لكن الإصلاح، حسب المتحدث، لا يتوقف عند مسألة التمثيل، بل يشمل أيضًا طريقة عمل المجلس، ومنحه أولوية أكبر للقضايا الإنسانية، وتعزيز حركيته وقدرته على الاستجابة للأزمات.
وفي هذا السياق، يرى جمال أن خصوصية الموقف الجزائري تكمن في أن الجزائر لا تدعو إلى إصلاح المؤسسات الدولية لمجرد تغيير تركيبتها، وإنما من أجل جعلها «أكثر شرعية وتمثيلًا وفعالية».
ويضيف: «بمعنى آخر، الجزائر تريد أن يكون مجلس الأمن مرآة للعالم الذي نعيش فيه اليوم، وليس صورة للعالم الذي كان قائمًا عند تأسيس الأمم المتحدة».
حق النقض جزء أساسي من معادلة الإصلاح
واعتبر المتحدث ذاته أن اختزال أزمة مجلس الأمن في مسألة عدد الأعضاء «سيكون تبسيطًا للمشكلة»، موضحًا أن التركيبة الحالية تمثل جزءًا من الأزمة، لأن العالم تغير وموازين القوى تغيرت، بينما بقيت البنية الأساسية للمجلس مرتبطة إلى حد كبير بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
غير أنه أشار إلى مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي آلية اتخاذ القرار، وعلى رأسها حق النقض.
وأوضح أنه «قد يكون لديك مجلس يضم عددًا أكبر من الدول، لكن إذا بقيت القدرة على تعطيل قرار جماعي مرتبطة بعدد محدود من القوى، فإن جزءًا أساسيًا من المشكلة سيظل قائمًا».
ويرى أن هذا ما يجعل النقاش الذي تطرحه الجزائر أكثر عمقًا، موضحًا أن «القضية ليست فقط من يجلس حول الطاولة، وإنما أيضًا كيف يتم اتخاذ القرار، وهل يستطيع مجلس الأمن أن يتحرك عندما تكون هناك أزمة تهدد السلم والأمن الدوليين».
ثلاثة مستويات مترابطة في الرؤية الجزائرية
وفي السياق ذاته، أكد أهمية دور الأمم المتحدة والعمل متعدد الأطراف، مشيرًا إلى أن وزير الخارجية الجزائري سبق أن أشار إلى مرحلة التصعيد الدولي واتساع النزاعات وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، وربط ذلك بالحاجة إلى إصلاح الأمم المتحدة.
وأوضح أن الرؤية الجزائرية تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة، تتمثل في تعزيز الحضور الإفريقي، وتحقيق تمثيل أكثر عدالة، واعتماد آلية قرار أكثر فاعلية، إلى جانب تعزيز قدرة مجلس الأمن على تنفيذ مسؤوليته في حفظ السلم والأمن الدوليين.
وأكد أن هذه العناصر تجعل الأزمة الحالية «أزمة بنيوية وليست مجرد أزمة مقاعد»، مشيرًا إلى أن معالجة جانب واحد من دون معالجة الجوانب الأخرى لن تكون كافية لمعالجة الإشكالات التي يعاني منها المجلس.
الجزائر تراهن على بناء توافق أوسع
وشدد على ضرورة التعامل مع مسألة إصلاح مجلس الأمن بواقعية، موضحًا أنه «لا توجد دولة واحدة تستطيع بمفردها أن تفرض إعادة هيكلة مجلس الأمن»، بالنظر إلى أن إصلاح تركيبته يتطلب مسارًا أمميا معقدًا وتوافقات واسعة، فضلًا عن الإجراءات القانونية المرتبطة بتعديل ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن ذلك، حسب المتحدث، لا يعني أن الدول المطالبة بالإصلاح لا تتحرك، مشيرا إن الجزائر تتحرك ضمن فضاء إفريقي وعربي ودولي، وتعمل على بناء توافق أوسع حول فكرة أن تركيبة مجلس الأمن الحالية لم تعد تعكس واقع المجتمع الدولي.
وأضاف أن موضوع إصلاح مجلس الأمن أصبح مسارًا رسميًا داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تتواصل المفاوضات الحكومية الدولية بشأن توسيع العضوية والتمثيل العادل وغيرها من مسائل إصلاح المجلس.
ويرى محدثنا أن أهمية التحرك الجزائري لا تكمن في امتلاك أداة ضغط واحدة قادرة على تغيير المجلس على المدى القريب، وإنما في «القدرة على بناء موقف جماعي وتحويل الإصلاح من مطلب تقدمه مجموعة من الدول إلى قضية مرتبطة بشرعية النظام الدولي نفسه».
وأشار إلى أن الجزائر تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا يسمح لها بالمساهمة في هذا النقاش، خصوصا من خلال موقعها الإفريقي وتمسكها بالعمل متعدد الأطراف، وبالحلول السياسية، واحترام القانون الدولي وسيادة الدول.
وختم محمد الصالح جمال بالقول إن «الرسالة الجزائرية واضحة: العالم تغير، وإذا لم تتغير المؤسسات الدولية بما يتناسب مع هذا التحول فإن الفجوة بين النظام الدولي والواقع الدولي ستتسع أكثر فأكثر»، مؤكدًا أن هذا هو جوهر الدعوة الجزائرية إلى إصلاح عميق لمجلس الأمن.















