بوابة الجزائر الاخبارية : تتزايد التساؤلات والشكوك حول الأدوار التي تلعبها المؤسسات المالية والسيادية الإماراتية تحت يافطة “الدعم الاقتصادي” للبلدان النامية، حيث يُكشف متأخرًا أن التمويلات السخية لم تكن سوى هندسة ديون معقدة وعقود مشتقات خطرة تُحاط بالكتمان. وتحت مظلة الاستثمار والشراكة، تثير هذه الممارسات شبهات تتصل بتبعية اقتصادية مُقنّعة تُستخدم كأداة للضغط، ومقايضة السيولة العاجلة بالاستحواذ على الأصول الحيوية والتحكم في القرار السيادي للدول.

في تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، أكد د. محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ببغداد، أن المخاطر المرتبطة بالتمويل والاستثمارات الإماراتية على الدول الأخرى تتجلى في عدة جوانب اقتصادية وسياسية متداخلة؛ حيث يحذر اقتصاديون من أن تدفقات رأس المال الكبيرة في مشروعات البنية التحتية والموانئ والمناطق الحيوية (مثل صفقة رأس الحكمة في مصر أو الاستثمارات في قطاعات العقارات والموانئ الإقليمية) تقود إلى الهيمنة على القرارات الاقتصادية السيادية وجعل الدول المستضيفة رهينة لتوجهات رأس المال الخارجي.
ويتساءل د. الهاشمي عن جدوى العقود والبنود التي تمنح المستثمرين الأجانب أو الصناديق السيادية عوائد ضخمة ومزايا احتكارية على حساب الأسواق المحلية في الدول النامية أو التي تعاني من أزمات مالية في الأصل.
وفي جانب آخر، أشار د. محمود الهاشمي لـ “بوابة الجزائر” إلى ملف التدفقات المالية غير المشروعة، موضحاً أنه رغم خروج دولة الإمارات من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف) مطلع 2024 ورفعها من قائمة الاتحاد الأوروبي للدول مرتفعة المخاطر في سبتمبر 2026، إلا أن البيئة المالية الحرة والمراكز المالية المفتوحة فيها ظلت تاريخياً عرضة لاتهامات تتعلق بمرور أموال غير مشروعة أو تجارة الذهب والملاذات الضريبية مما يؤثر على نزاهة الأسواق المالية في المنطقة.
ويلفت د. الهاشمي إلى أن هذا الوضع هو ما دفع بعض الدول المجاورة (مثل فرض السعودية لإجراءات رقابية إضافية وتنظيمية على التحويلات المالية المتجهة إلى الإمارات منتصف 2026) للحد من المخاطر المرتبطة بتدفقات الأموال أو التباينات المصرفية.
أما الجانب الأخطر، فيرى د. محمود الهاشمي أنه يتمثل في النفوذ السياسي، حيث أدى تدخل أبوظبي عبر أذرعها المالية والاستثمارية وصناديقها بدعم أطراف معينة في صراعات إقليمية (مثل ليبيا، والسودان، واليمن) إلى تأجيج الاستقطاب السياسي أو إطالة أمد النزاعات وإضعاف مؤسسات الدولة المركزية في تلك البلدان.
ويشدد د. الهاشمي على أن الاعتماد المالي المفرط على الدعم أو الاستثمارات الإماراتية يجعل الدول المستفيدة عرضة للابتزاز السياسي أو تغيير الدفة الاقتصادية بشكل مفاجئ بناءً على التحالفات السياسية المتغيرة.
ويبين د. محمود الهاشمي لـ “بوابة الجزائر” أن الأموال الإماراتية تتحرك عبر ذراعين رئيسيين: الصناديق السيادية العملاقة (مثل ADIA وADQ) والشركات شبه الحكومية (مثل موانئ دبي العالمية). وينطوي هذا التوسع في رأيه على عدة مخاطر هيكلية للدول المستضيفة كون الاستثمارات الإماراتية تستهدف قطاعات استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها كالموانئ، المطارات، الاتصالات، والطاقة. وتمنح السيطرة على هذه القطاعات أبوظبي قدرة على الضغط الاقتصادي؛ فعلى سبيل المثال، إدارتها لموانئ حيوية في شرق أفريقيا والبحر الأحمر يمنحها نفوذاً تجارياً يتيح لها توجيه حركة التجارة بما يخدم مصالحها الخاصة أولاً.
ويرى د. محمود الهاشمي في حديثه لـ “بوابة الجزائر” أن الإمارات تستغل الصناديق الاستثمارية في الأزمات المالية وخفض قيمة العملات في بعض دول المنطقة لشراء أصول بأسعار بخسة (Fire Sales)، وهو أمر يحرم ميزانيات تلك الدول من عوائد مستقبلية مستدامة ويحولها إلى جهات تشغيلية لصالح المستثمر الإماراتي.
كما يوضح د. محمود الهاشمي لـ “بوابة الجزائر” أن التقارير الدولية ما تزال تشير إلى أن الطبيعة المرنة للمراكز المالية في دبي وأبوظبي تجعلها بيئة جاذبة للأموال الفارة من الرقابة المحلية في الدول النامية (مثل دول أفريقية وعربية)، مما يسهل تهريب الأموال، التهرب الضريبي، وتجارة الذهب غير المشروعة، وهو ما ينعكس سلباً على الإيرادات الضريبية والاحتياطيات النقدية لتلك الدول.
وفيما يخص النزاعات المسلحة، ينبه د. محمود الهاشمي في تصريحه لـ “بوابة الجزائر” إلى أن الدعم المالي واللوجيستي الإماراتي لبعض الأطراف المسلحة في مناطق النزاع (مثل قوات الدعم السريع في السودان، أو فصائل معينة في ليبيا واليمن) يساهم بشكل مباشر في تفتيت المؤسسات الوطنية، واستمرار الحروب الأهلية، وتعميق الأزمات الإنسانية للدول المعنية.
ويضيف د. محمود الهاشمي لـ “بوابة الجزائر” أن المساعدات المالية المباشرة، والودائع في البنوك المركزية، ووعود الاستثمارات المليارية تُستخدم كـ “جزرة” لدفع الدول إلى اتخاذ مواقف سياسية تتطابق مع الرؤية الإماراتية (مثل ملفات التطبيع، أو اتخاذ مواقف ضد قوى إقليمية أخرى). وفي حال حدوث خلاف سياسي، يبرز خطر سحب هذه الودائع أو تجميد الاستثمارات، مما يهدد الاستقرار النقدي للدول الضعيفة.
ويؤكد د. محمود الهاشمي في حديثه لـ “بوابة الجزائر” أن التدفق المالي الموجه إلى النخب السياسية أو العسكرية أو الإعلامية يؤدي بالدول إلى خلق مراكز قوى موازية للدولة، مما يضعف السيادة الوطنية ويجعل القرار الداخلي رهناً للأجندات الخارجية بدلاً من المصالح الوطنية الإقليمية.
ويختتم د. محمود الهاشمي تصريحه لـ “بوابة الجزائر” بالإشارة إلى أنه رغم صغر مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد نفوسها، إلا أنها باتت تشكل تهديداً كبيراً لسيادة الدول ومكانتها مستغلة الظروف الاقتصادية لهذه البلدان وخاصة العربية والأفريقية


















