بوابة الجزائر الإخبارية: تتحرك الجزائر لفتح مرحلة جديدة أمام مؤسساتها الطاقوية خارج السوق الوطنية، تقوم على تصدير الخبرة والمنشآت والخدمات بدل الاكتفاء بتبادل الطاقة. فمن محطة كهرباء ضخمة تبحث تونس إنجازها، إلى اتفاق مرتقب مع السنغال، مرورًا بممر للهيدروجين يربط شمال إفريقيا بأوروبا، تتسع دائرة المشاريع التي يمكن أن تمنح «سونلغاز الدولية» والمؤسسات الجزائرية العمومية والخاصة موطئ قدم في أسواق جديدة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتقدم فيه الجزائر في تنفيذ برنامجها المحلي للطاقات المتجددة، بما يوفر للمؤسسات الوطنية قاعدة مشاريع فعلية يمكن الاستناد إليها عند المنافسة خارج البلاد.
وقال مدير الاتصال بوزارة الطاقة والطاقات المتجددة خليل هدنة، في تصريحات للإذاعة الجزائرية يوم 7 أكتوبر، إن القطاع يستهدف دخول السوق الإفريقية بقوة، مع إشراك «سونلغاز الدولية» والمؤسسات المرتبطة بأعمال الهندسة والتجهيز والإنجاز والخدمات.
ولا يتعلق التحرك، وفق المعطيات المعروضة، ببيع الكهرباء فقط، بل بعرض سلسلة أوسع من القدرات التي تراكمت داخل الجزائر في بناء المحطات والشبكات وتشغيل المنشآت وتكوين الموارد البشرية.
وتظهر تونس كأحد أول الاختبارات لهذا المسار. فخلال المباحثات الثنائية التي جرت مطلع أكتوبر، طرحت تونس مشروع إنجاز محطة كهرباء على أراضيها بقدرة تبلغ 1200 ميغاواط، وهو مشروع ما يزال في مرحلة الدراسة ولم تحسم بعد كلفته أو صيغة تمويله أو توزيع الأشغال.
لكن حجمه يفتح، في حال التوصل إلى اتفاق، مجالًا واسعًا أمام المؤسسات الجزائرية في الدراسات والهندسة والتجهيز والإنجاز وربما التشغيل والصيانة.
وتكمن أهمية المشروع في أنه يمكن أن ينقل العلاقة الكهربائية بين الجزائر وتونس من تبادل الطاقة عبر الربط القائم إلى شراكة داخل القدرة الإنتاجية التونسية نفسها.
أي أن المؤسسة الجزائرية لن تكون فقط مورّدًا للكهرباء عند الحاجة، بل يمكن أن تصبح مساهمًا في بناء الأصول التي تنتجها. ويمتد هذا التوجه جنوبًا نحو السنغال، حيث يجري التحضير لاتفاق حكومي في مجالي الطاقة والطاقات المتجددة خلال زيارة وزارية مرتقبة في ديسمبر.
وتشمل مجالات التعاون المطروحة نقل الخبرة، وتكوين المكوّنين، وتطوير البنية التحتية، ومرافقة تنظيم مؤسسات الطاقة.
ويوسع ذلك طبيعة السوق المتاحة أمام المؤسسات الجزائرية؛ فالعائد المحتمل لا يرتبط فقط بعقد لإنجاز منشأة، وإنما يمكن أن يمتد إلى الدراسات والتكوين والمساعدة التقنية والتشغيل والصيانة.
السوق الخارجية تنطلق من برنامج محلي واسع
ولا تحاول الجزائر بناء حضور خارجي من دون قاعدة داخلية. فالبرنامج الوطني للطاقة الشمسية يستهدف الوصول إلى 15 ألف ميغاواط من القدرات بحلول 2035، فيما تبلغ قدرة المرحلة الأولى 3200 ميغاواط.
ويمثل تنفيذ هذه المرحلة ورشة كبيرة لاختبار قدرات الشركات الجزائرية في التصميم والتركيب والربط والصيانة وإدارة المنشآت المتجددة.
وقد دخلت محطتا الغروس ببسكرة وتندلة بالمغير الخدمة بقدرة 200 ميغاواط لكل واحدة، بينما توجد محطة أخرى بقدرة 300 ميغاواط في مرحلة التجارب.
وبذلك أصبح جزء من البرنامج ينتقل فعليًا من مرحلة الإنشاء إلى التشغيل، وهي الخطوة التي تمنح المؤسسات الوطنية خبرة قابلة للتسويق لاحقًا خارج الحدود.
ويزداد هذا الرصيد مع مشروع غارا جبيلات، حيث يجري تطوير محطة بقدرة 200 ميغاواط تتضمن حلولًا للتخزين الذكي للكهرباء.
ويضيف التخزين قطاعًا جديدًا إلى سلسلة القيمة، لأن المحطات الشمسية لا تحتاج فقط إلى الألواح والمحولات وخطوط الربط، بل إلى أنظمة للتحكم وإدارة الأحمال والبطاريات والصيانة الرقمية.
وإذا اتجه القطاع إلى تعميم هذه التكنولوجيا كما أعلن، فإن المؤسسات الجزائرية ستكون أمام سوق محلية تسمح ببناء خبرة تقنية في أحد أكثر مجالات الطاقة المتجددة نموًا.
كما لا يقتصر البرنامج على المنشآت الكبرى. فالمخطط يشمل 2500 وحدة لفائدة السكنات المعزولة والبعيدة عن الشبكة، إضافة إلى مضخات آبار تعمل بالطاقة الشمسية للاستخدام الفلاحي وتجهيزات مخصصة للمؤسسات العمومية.
وهذا التنوع يمنح السوق الجزائرية نطاقًا يبدأ من المحطات بمئات الميغاواط وصولًا إلى الأنظمة الصغيرة اللامركزية، بما يوسع قاعدة المؤسسات القادرة على المشاركة في القطاع.
من إفريقيا إلى سوق الهيدروجين الأوروبية
وفي الوقت الذي تستهدف فيه الجزائر إفريقيا بالمحطات والخدمات والخبرة، تعمل على محور مختلف نحو أوروبا يقوم على إنتاج ونقل الهيدروجين.
ففي أول أكتوبر 2026، وقعت الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا إعلانًا وزاريًا جديدًا بشأن ممر «SoutH2»، في امتداد للمسار السياسي والتقني الذي بدأ باجتماع روما في جانفي 2025.
ويمنح المشروع الجزائر فرصة الانتقال من مورد تقليدي للغاز إلى موقع محتمل داخل سلسلة جديدة للطاقة تمتد من إنتاج الكهرباء المتجددة إلى التحليل الكهربائي ثم نقل الهيدروجين إلى مراكز الاستهلاك الصناعي الأوروبية.
ويبلغ طول شبكة «SoutH2» المخططة نحو 3300 كيلومتر، مع قدرة استيراد مستهدفة تتجاوز أربعة ملايين طن سنويًا من الهيدروجين المتجدد عند اكتمال الممر في مطلع ثلاثينيات القرن الحالي.
ولا تمثل هذه الكمية حصة جزائرية مضمونة أو عقود بيع موقعة، لكنها توضح حجم السوق التي يجري التحضير لها.
كما أن أكثر من 65% من البنية المخطط استخدامها ستعتمد على إعادة تهيئة منشآت وأنابيب موجودة، بما يجعل الخبرة الجزائرية في تشغيل شبكات الغاز والبنية الطاقوية أصلًا يمكن البناء عليه في المرحلة الجديدة.
ويضع هذا التحول أمام المؤسسات الجزائرية سوقًا مختلفة عن سوق الكهرباء الإفريقية.
فالمشروعات المرتبطة بالهيدروجين تحتاج إلى محطات متجددة، ومحطات تحليل كهربائي، ومياه معالجة، وضغط وتخزين وقياس وتحكم، إضافة إلى تكييف خطوط النقل والمنشآت القائمة.
ومن ثم، فإن القيمة الاقتصادية للمشروع بالنسبة إلى الجزائر لا تقتصر على بيع الهيدروجين مستقبلًا، بل تشمل حجم الأعمال الذي يمكن أن يتولد داخل البلاد قبل وصول أي جزيء إلى أوروبا.
من تصدير الطاقة إلى تصدير المنظومة
وهنا يظهر الرابط بين البرنامج الشمسي المحلي والمشاريع الإفريقية و«SoutH2». فالجزائر تبني داخلها قدرات متجددة، وتبحث في إفريقيا عن أسواق لخدمات مؤسساتها، وفي أوروبا عن منفذ لطاقة جديدة ذات قيمة أعلى.
ويعني ذلك أن السياسة الطاقوية تتحرك في ثلاثة اتجاهات متكاملة: توسيع القدرة الإنتاجية داخليًا، فتح أسواق للمؤسسات الوطنية جنوبًا، وبناء مسارات تصدير جديدة شمالًا.
ويعزز مسار التكوين هذا التوجه، خصوصًا أن التعاون المقترح مع السنغال يشمل تكوين المكوّنين، وهو نشاط يسمح للمؤسسات الجزائرية بإضافة الخدمات المعرفية إلى المعدات والمنشآت.
كما يمتد الحضور الجزائري إلى مجالات تقنية أخرى، من بينها الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بعد مشاركة الجزائر في المؤتمر العام السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وانضمامها مع سبع دول إفريقية أخرى إلى اتفاق إنشاء الشبكة الإفريقية لمفاعلات البحث.
ويتركز هذا التعاون على تبادل الخبرات والتكوين والتطبيقات الطبية، بما فيها التشخيص والعلاج المرتبطان بالسرطان، وهو مسار منفصل عن التوسع التجاري في الكهرباء لكنه يعزز حضور الجزائر داخل شبكات التعاون التقني الإفريقي.
وتبقى المشاريع الخارجية في مراحل مختلفة من النضج؛ فمحطة تونس لم تتحول بعد إلى عقد، والاتفاق مع السنغال ينتظر التوقيع، بينما يحتاج «SoutH2» إلى استثمارات وعقود شراء وترتيبات تمويل وإنتاج قبل دخوله التشغيل.
لكن اتجاه السياسة أصبح أكثر وضوحًا: الجزائر تريد أن تنتقل مؤسساتها الطاقوية من تنفيذ المشاريع داخل السوق الوطنية إلى بيع خبرتها خارجها، وأن تتحول من دولة تصدر الطاقة فقط إلى دولة تصدر أيضًا المحطة والشبكة والهندسة والتكوين والخدمة.
وإذا تحولت الفرص الحالية في تونس والسنغال إلى عقود فعلية بالتوازي مع تقدم البرنامج الشمسي ومشاريع الهيدروجين، فإن السوق الخارجية لن تصبح مجرد امتداد لنشاط «سونلغاز الدولية»، بل قناة جديدة أمام سلسلة كاملة من المؤسسات الجزائرية العاملة في التجهيز والإنجاز والصيانة والرقمنة والتكوين.
وهنا تكمن القيمة الاقتصادية الأبعد لهذا التحرك: بناء صناعة طاقوية تستطيع الجزائر أن تبيع منتجاتها وخبراتها وخدماتها بالتوازي مع بيع الكهرباء والغاز والهيدروجين نفسه.















