بوابة الجزائر الإخبارية: يمثل الشروع في تطبيق المناهج الدراسية المعدلة في بوركينا فاسو مع بداية العام الدراسي 2026 محطة مفصلية في مسار إعادة تشكيل الوعي الجمعي والسيادة الثقافية تحت مظلة المجلس العسكري الحاكم. فالخطوة لا تقف عند حدود الإصلاح التربوي التقني، بل تعبر عن قطيعة إيديولوجية وسياسية صريحة مع الإرث الاستعماري الغربي، من خلال إعادة صياغة المفاهيم والتاريخ الوطني عبر منظور “الثورة التقدمية الشعبية”. وبينما تجسد التعديلات الجوهرية—مثل إعادة تعريف “المستكشفين” كـ”جواسيس” ودمج موضوعات كـ”اتحاد دول الساحل” ونهب الموارد—مسعىً حثيثاً لترسيخ السردية السيادية لدى الأجيال الناشئة، فإنها تطرح في الوقت ذاته تحديات ميدانية ترتبط بمدى جاهزية المنظومة التعليمية لاستيعاب هذا التحول الفكري العميق وتطبيقاته داخل الفصول الدراسية.

وفي تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، يقدم الخبير في شؤون الساحل، الأستاذ محمد أكنوش، قراءة تحليليّة مفصّلة تتناول أبعاد هذا التحول الاستراتيجي وكيفية تعامل المنظومة التعليمية مع تحديات الميدان.
أبعاد الصراع الجيوسياسي وترسيخ الشرعية والسيادة الوطنية
يرى الخبير في شؤون الساحل محمد أكنوش أن المناهج الجديدة تُعد انعكاساً مباشراً للمواجهة الجيوسياسية الراهنة في منطقة الساحل الإفريقي؛ حيث تتحول قاعات الدراسة من خلالها إلى جبهة فكرية مكملة للمعارك السياسية والعسكرية في المنطقة. ويفصّل أكنوش في هذا البُعد بالإشارة إلى أن إعادة تعريف “المستكشفين” كـ “جواسيس” يعكس رغبة حاسمة لدى السلطات في تفكيك الرواية التاريخية الغربية — والفرنسية على وجه الخصوص — وإسقاط الهالة الإيجابية التي أُحيطت بها الحقبة الاستعمارية عقوداً طويلة.
ويضيف محمد أكنوش أن هذا التعديل يمتد لشرعنة التحالفات الإقليمية الجديدة؛ إذ يهدف إدراج موضوعات مثل “اتحاد دول الساحل” (AES) ونهب الموارد إلى غرس الفكر التكاملي البديل في عقول الناشئة، وبناء وعي جمعي يدعم المحور الجديد الذي يجمع بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
كما يؤكد أكنوش أن تبني مصطلحات مثل “الثورة التقدمية الشعبية” يسعى لترسيخ الشرعية السياسية للمجلس العسكري الحاكم للداخل، بمنحه شرعية أيديولوجية تتجاوز مفهوم الحكم الانتقالي المؤقت إلى مفهوم “المشروع التحرري المستدام”. إلا أن أكنوش ينبه إلى أن نجاح هذه المناهج في خلق جيل مؤمن بالسيادة الوطنية يظل مرهوناً بمدى تقبل المجتمع لهذه السردية إذا لم تصاحبها نجاحات ملموسة في ملفات الأمن والاقتصاد والرفاه الاجتماعي.
استراتيجيات التعامل مع تحديات التحول الميداني والتربوي
وعلى صعيد التطبيق الميداني، يوضح الخبير محمد أكنوش أن استبدال مفاهيم ترسخت لعقود بمصطلحات ذات شحن أيديولوجي وسياسي مكثف يضع المنظومة التعليمية أمام تحديات لوجستية وتربوية معقدة.
ويطرح أكنوش مجموعة من الآليات العملية لمواجهة هذه التحديات؛ أولها ضرورة إعادة تأهيل وتدريب المعلمين عبر إعداد حقائب تدريبية عاجلة للأساتذة، لا تقتصر على حفظ المصطلحات الجديدة، بل تمتد لفهم أبعادها الفلسفية والسياسية وكيفية نقاشها داخل الفصول الدراسية دون خلق صدام فكري مع الطلاب كما يشدد محمد أكنوش على أهمية التدرج في التطبيق التربوي، داعياً إلى عدم فرض العقوبات المباشرة على الأخطاء المفاهيمية في المراحل الأولى، واعتماد أسلوب “التوجيه البناء” لمساعدة المعلمين والطلاب على الانتقال السلس من القاموس القديم إلى الجديد.
ويضيف أكنوش ضرورة توفير الأدلة والوسائل البيداغوجية الشارحة للمصطلحات المستحدثة — مثل نهب الموارد، الجواسيس، والاستعمار الجديد — لتفادي الاجتهادات الشخصية التي قد تؤدي إلى تباين السردية التاريخية بين منطقة وأخرى.حماية المناهج وضمان استدامتها المعرفيةوفي ختام تحليله، يؤكد الخبير في شؤون الساحل محمد أكنوش على أهمية الفصل الدقيق بين تعزيز الوطنية والأدلجة الفجة داخل المقررات الدراسية.
ويجزم أكنوش بأن ضمان استدامة هذه المناهج واعتراف المنظومات التعليمية الدولية بها يتطلب صياغة المفاهيم السيادية بأسلوب علمي وتاريخي رصين يعتمد على الوثائق والحقائق الموثقة بدلاً من الانجرار وراء الشعارات السياسية المباشرة.
ويخلص محمد أكنوش إلى أن هذا الرصانة العلمية هي الضمانة الوحيدة لحماية الطلاب من التشتت الذهني والتناقض بين واقعهم المعيش والمحتوى الدراسي، مما يضمن تحويل التعليم في بوركينا فاسو إلى أداة حقيقية لبناء الوعي وتأسيس سيادة وطنية مستدامة تتوارثها الأجيال.








