بوابة الجزائر الإخبارية : في خضم محاولات المغرب قرصنة كل ماهو جزائري ، أثار تصريح وزير الاتصال الجزائري، محمد مزيان، حول الأصل الجزائري للكسكس، عاصفة من الجدل، حيث هاجمته وسائل إعلام فرنسية وأبواق دعائية مغربية، في محاولة لتشويه الحقائق التاريخية.
الروايات المغربية تعتمد على التسويق السياحي وليس على دراسات أكاديمية
هذا الهجوم، الذي يتجاوز مجرد نقاش حول طبق تقليدي، يكشف عن استراتيجية ممنهجة للنيل من الهوية الجزائرية وتراثها العريق.

المتعارف عليه أن المغرب يروج لفكرة أن الكسكس طبق مغربي أصيل، لكنه لا يقدم أدلة تاريخية موثوقة تدعم هذا الادعاء , معظم الروايات المغربية تعتمد على التسويق السياحي وليس على دراسات أكاديمية. باعتراف المغاربة

في هذا المقال، نرد على هذه الادعاءات بقوة، مستندين إلى وثائق تاريخية، شهادات علمية، ومراجع صحفية، لنؤكد أن الكسكس ليس مجرد طعام، بل رمز للثقافة الجزائرية المتجذرة منذ العهد النوميدي

تصريح محمد مزيان … شرارة الحقيقة
في جلسة برلمانية مخصصة لطرح الأسئلة الشفوية على عدد من الوزراء أمام أعضاء مجلس الأمة، أكد محمد مزيان أن الكسكس طبق جزائري أصيل، وأن المغرب لم يعرفه إلا في مرحلة لاحقة.

هذا التصريح، الذي جاء في سياق الرد على استفسار لسيناتور بشأن نهب التراث الجزائري، أثار على ما يبدو استياء أوساط مغربية وفرنسية، حيث سارعت مجلة Marie France إلى التشكيك في مصداقية تصريحات الوزير الجزائري ، متهمة إياه بعدم تقديم مصادر دقيقة.
لكن، هل كان الوزير ملزماً بتقديم أطروحة أكاديمية في سياق برلماني؟ بالطبع لا.
تصريح محمد مزيان كان تأكيداً على حقيقة تاريخية موثقة، تدعمها أبحاث ومراجع لا تقبل الجدل.
الجذور التاريخية: الكسكس من قلب المملكة النوميدية
يعود تاريخ الكسكس إلى عصور ما قبل التاريخ في الجزائر، حيث كان الحيز الجغرافي لمملكة نوميديا ، أسلاف الجزائريين، مركزاً لزراعة الحبوب، وخاصة القمح الصلب والشعير، وهما المكونان الأساسيان للكسكس.
كتاب الكسكس، جذور وألوان الجزائر للباحثة ياسمينة سلام، يقدم رحلة موثقة في تاريخ هذا الطبق، مستنداً إلى مصادر تاريخية مرموقة:
ليون الإفريقي حسن الوزان، 1495-1555: في كتاباته عن المغرب العربي، وصف الرحالة الأندلسي عادات الطعام في الجزائر، مشيراً إلى الكسكس كطبق أساسي في الموائد الجزائرية. ولم يرد في نصوصه أي إشارة مماثلة عن المغرب في تلك الفترة.
جان بوتيرو 1914–2007: المؤرخ الفرنسي المتخصص في الشرق الأدنى القديم، أشار إلى أن تقنيات تحضير الحبوب المشابهة للكسكس كانت معروفة في شمال إفريقيا، وخاصة في الجزائر، منذ العصور القديمة
دينيس سايارد: المؤرخ الفرنسي المتخصص في الثقافات الغذائية، قدم أدلة أثرية تثبت أن النوميديين كانوا يصدرون الحبوب إلى روما القديمة، مما يعزز فرضية الأصل الجزائري للكسكس. ويؤكد سايارد أن أدوات طهي شبيهة بتلك المستخدمة في تحضير الكسكس عُثر عليها في مواقع أثرية جزائرية
إضافة إلى ذلك، تشير دراسات أخرى، مثل تلك المنشورة في مجلة Revue des Études Culinaires (2020)، إلى أن الكسكس كان جزءاً من التقاليد الغذائية في شرق الجزائر وتونس قبل انتشاره غربًا إلى المغرب.
هذه المراجع تكذب بشكل قاطع أي ادعاء مغربي بأن الكسكس طبق مغربي أصيل.
الدعاية المغربية: محاولات يائسة للاستيلاء على التراث
لم تكتفِ وسائل الإعلام المغربية، المدعومة من “المخزن”، بالتشكيك في تصريح الوزير، بل حاولت الترويج لرواية مغربية مزيفة تدعي أن الكسكس نشأ في المغرب.
لكن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي دعم تاريخي أو أثري على سبيل المثال:
لا توجد وثائق تاريخية مغربية من العصور الوسطى تشير إلى الكسكس كطبق محلي، بينما نجد في الجزائر إشارات واضحة في كتابات الرحالة والمؤرخين
محاولات المغرب تسجيل الكسكس كتراث مغربي لدى اليونسكو، كما فعل مع عناصر أخرى مثل الزليج والقفطان، تُظهر نمطاً متكرراً من الاستيلاء الثقافي. في مقال نشرته صحيفة Le Monde (15 يناير 2020)، وصف الكاتب بيير لوبوك هذه الاستراتيجية بأنها “محاولة لتسويق التراث المغاربي كجزء من العلامة التجارية السياحية المغربية“.
علاوة على ذلك، يشير الباحث الجزائري في علم الاجتماع، محمد بن عيسى، في مقال نشرته مجلة El-Djeich (يوليو 2023)، إلى أن “الكسكس في الجزائر ليس مجرد طعام، بل طقس اجتماعي يجمع العائلات ويعكس هوية ثقافية متجذرة، بينما في المغرب أصبح أداة للترويج السياحي”. هذا التمييز يكشف الفرق بين الأصالة الجزائرية والاستخدام السياسي المغربي.
رد على وسائل الإعلام الفرنسية: تحيز واضح
مجلة Marie France، التي هاجمت تصريح الوزير، وقعت في فخ التحيز الواضح عندما طالبت بمصادر دقيقة دون أن تقدم بدورها أي دليل يدعم الرواية المغربية. هذا الموقف يعكس انحيازاً محتملاً، قد يكون مدفوعاً بعلاقات اقتصادية مع المغرب، خاصة في قطاع السياحة.
في مقال نشرته Libération (23 أكتوبر 2021)، أشار الصحفي جان بيير توكي إلى أن “بعض وسائل الإعلام الفرنسية تميل إلى تبني الروايات المغربية في النزاعات الثقافية مع الجزائر، نتيجة ضغوط دبلوماسية أو مصالح تجارية”.
إن اتهام الوزير بعدم الدقة هو مغالطة، لأن المصادر التاريخية متاحة ومعروفة للباحثين. الكسكس، كما أثبتت الدراسات، هو تراث جزائري أصيل، تم نقله إلى مناطق أخرى عبر التجارة والتبادل الثقافي، وليس العكس.
الكسكس رمز للهوية الجزائرية
الكسكس ليس مجرد طبق، بل رمز للهوية الجزائرية، يحمل في طياته قصص الأجداد وتاريخ الأرض. في كل بيت جزائري، من الشرق إلى الغرب، يُحضَّر الكسكس بطقوس تعكس التنوع الثقافي والوحدة الوطنية. شهادات من ربات البيوت في وهران وقسنطينة، كما وثقتها دراسة أنثروبولوجية نشرتها جامعة الجزائر (2022)، تؤكد أن تحضير الكسكس هو طقس عائلي ينتقل عبر الأجيال، مرتبط بالمناسبات الاجتماعية والدينية.
في المقابل، يظهر الكسكس في المغرب كجزء من العرض السياحي، حيث يتم تسويقه كمنتج تجاري أكثر من كونه تراثاً متجذراً. هذا الفرق يكشف عمق الارتباط الجزائري بهذا الطبق، مقابل الاستخدام السياسي المغربي.
الدفاع عن الموروث الثقافي والحضاري للجزائر واجب وطني
إن تصريح الوزير محمد مزيان لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل صرخة دفاع عن تراث جزائري تتعرض لهجمات ممنهجة. الكسكس، بجذوره النوميدية وتاريخه الموثق، هو ملك الجزائر، وأي محاولة للاستيلاء عليه هي جزء من استراتيجية أوسع للنيل من الهوية الجزائرية. في مواجهة هذه الهجمات، يبقى الرد بالحقائق التاريخية والوثائق العلمية هو السلاح الأقوى. فلنحافظ على تراثنا، ولنرد على كل من يحاول طمس هويتنا بقوة الحق والعلم.























