أمل بوشارب : روائية كاتبة ومترجمة جزائرية – إيطاليا
بوابة الجزائر الإخبارية : لم أتفاجأ خلال ندوتي المبرمجة في الجناح الإيطالي ضمن الصالون الدولي للكتاب بالجزائر 2025، من سؤال طرحه عليّ مدير الجلسة الصديق محمد وليد قرين، في معرض تقديمه لإصداري الأخير “لأنهم من هناك” (2024)، ويتعلق الأمر بقصةتضمّنها الكتاب بعنوان “النضال يرتدي بْرادا“، ذلك لأن المجموعة كانت تتناول العلاقة الاشكالية للانسان في زمن العولمة مع فكرة الانتماء والمقاومة الثقافية في زمن النيوكولونيالية ، فهل كان من الممكن لقصة بطلها فلسطيني أن تغيب عن هكذا نقاش؟

ولأن سياق الندوة يندرج ضمن برنامجٍ مرتبط بالمعهد الثقافي الإيطالي والسفارة الإيطالية بالجزائر، أتى جوابي عن قصةٍ لم يكن لها صلة باللحظة الإيطالية ـ الجزائرية حينها، في جملة واحدة: “هذه القصة مركّبة، وقد تكون من أعقد القصص التي كتبتها، أدعو جميع القراء لاكتشافها”. انتهى الجواب دون أي خوض في الموضوع الفلسطيني، مع امتناني لوليد لإضاءته على قصة هي واحد من أحب القصص إلى قلبي.

هذا الموقف هو لي أنا الموقعة أدناه، أمل بوشارب، التي لم تتردد لحظة واحدة في ترجمة يوميات الفنانة الفلسطينية أمية جحاونشرها من داخل إيطاليا على مجلة DEP الصادرة عن جامعة Ca’ Foscari Venezia (2024) وفيها تحدثَت أمية عن معاناتها من قلب الإبادة في غزة.
وهو موقف أمل نفسها التي لبّت على الفور طلب Il Fatto Quotidiano وهي واحدة من كبريات الصحف الإيطالية، لترجمة رسالة للشاعرة الفلسطينية نعمة حسن وهي تناشد العالم من غزة لوقف الإبادة. وأذكر أنأليكس، أحد محرري الجريدة سألني وقتها: “كيف تريدين أن يظهر اسمك في المقال؟” فأجبته بهدوء وأنا أقضي عطلتيالصيفية في الجزائر: “إسمي لا يهم، المهم أن يصل صوت نعمة”. تصدر الرسالة بتاريخ 12 أوت 2025.

تراسلني كاندرا كاندياني في اليوم نفسه، وهي واحدة من أبرز شاعرات إيطاليا المعاصرات: “أنتِ من ترجم الرسالة” ،لا أعلم كيف عرفَت، على الأرجح من الأسلوب، ولكنني بعد إيميل كاندرا تأكدت أن الشعراء فيهم فعلا شيء من النبوة!
ويراسلني بعدها سيموني سيبيليو وهو أحد أهم المترجمين الإيطاليين المختصين بالشأن الفلسطيني، “لماذا لم تنشري اسمك على الترجمة؟” بدا سيموني منزعجا من المحررين: “هذا إنكار لدور الترجمة في إيصال صوت الشعوب“.
بهدوء أخبرته أنني أنا من لم يبدِ اهتماما بالظهور.والحقيقة أنني كنت أمارس جزائريتي لأننا ببساطة تعلمنا كيف ندعم نضال الشعوب، بصدق دون أي رغبة في الاستئثار بالمشهد. فنحن في الجزائر نعرف كيف نمسك بيد أصدقائنا، وأين نضع أثناء ذلك أقدامنا، وكيف نقف قليلا للوراء، ونتوارى حتى نمنح غيرنا فرصة في الظهور كلما اقتضت اللحظة ذلك.
في الصيف ذاته تراسلني مجلة Fuoco الإيطالية وتطلب مقالا عن الإبادة في غزة.
وFuoco ليست مجلة كغيرها، فهي مجلة سيادية لا تنشر لأي أحد، وأنا الاسم العربي الوحيد الذي استكتبَته على صفحاتها من بين عشرات الأسماء الإيطالية.

صدر مقالي على Fuoco في شهر أكتوبر الفارط عن الإبادة الثقافية، وتناول كل الفظائع التي عرفتها غزة، ومست بنيتها التحتية الثقافية، مقال تحدثتُ فيه عن الاستعمار والاستعمار الجديد، وهل يمكن لأي جزائري وجزائرية أن لا يعبر عن رفضه القاطع للاستعمار ودعمه الثابت لنضال الشعوب المشروع من أجل نيل استقلالها؟

بعدها بأسابيع قليلة، أنزل ضيفة على الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، وهناك في الجناح الإيطالي يقتصر حديثي الثقافي عن بلدين هما الجزائر وإيطاليا، ولو فعلت غير ذلك لكان الأمر تعبيرا عن قصور في فهم اللحظة.
أنا المواطنة الجزائرية ـ الإيطالية البسيطة التي لا ترتبط بأي جهة مؤسساتية من الدولتين وإنما فقط ابنة شعب يعرف أن لكل مقام مقال وأن لكل حادث حديث… فهل من الصعب فعلا أن نفهم أن موقف الجزائر في مجلس الأمن يعكس ببساطة لحظة دبلوماسية تعرب عن موقف الكتلة العربية في الأمم المتحدة، وموقف منظمة التحريرالفلسطينية نفسها، وهو نفسه موقف من وقع على اتفاق شرم الشيخ، وأن الجزائر لو فعلت غير ذلك لخرجت عن الاجماع العالمي وسياق العلاقات الدولية؟

وبالرغم من كوني بعيدة جدا عن مواقع التواصل الاجتماعي فأن يصلني صدى الهرج والمرج الدائر منذ أيام على تصويت الجزائرفي مجلس الأمن فهذا يعني أن الجنون قد بلغ عنان السماء ، ودعوني أخبركم بسر يعرفه الكبير والصغير، وهو أن الحقد على شعبٍ حرّ حارب الاستعمار ودحره لا يزال يعتمل في نفوس خدم الاستعمار القديم والجديد، وهم يحملونه في قلوبهم المريضة أينما حلوا وارتحلوا حتى وهم في أقاليم صديقة. وأما في الجزائر حيث لا نحمل سوى جذوة الحرية في صدورنا، فنحن نعرف كيف نأخذ بيد الشعوب المضطهدة، ونعرف جيدا أين نضع أقدامنا أثناء ذلك، ومتى نقف قليلا للوراء، ومتى نقول لا، ومتى نقول نعم، ومتى نتحدث، ومتى نترك الكلمة لغيرنا، ونحن نعرف أيضا كيف نتقدم بهدوء خطوة للأمام ونصفع على وجهها الأفواه المتطاولة،ثم ندَعها خلفنا، ونعود لممارسة أشغالنا… ودعمنا لنضال الشعوب لنيل حريتها.





















