بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل الجزائر مرحلة أكثر تقدما في إدارة علاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين، مستفيدة من ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، واتساع سباق الاستثمار في البنية التحتية، وتحوّل شمال إفريقيا إلى منطقة عبور ومنافسة بين رؤوس الأموال الكبرى. وبينما تتحرك الشركات الأمريكية عبر قطاع الغاز والاستكشافات الجديدة، توسع الصين حضورها في الصناعة والمشاريع المشتركة والبنية التحتية. وفي المقابل، تحاول الجزائر تحويل هذا التنافس إلى مكاسب إنتاجية داخلية، لا إلى اصطفاف سياسي مع طرف ضد آخر.

ويأتي هذا التحول في سياق دولي يرى أن المنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد تعني بالضرورة صداما صفريا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل فتحت أمام القوى المتوسطة مجالا أوسع للمناورة. وفي الحالة الجزائرية، يبدو هذا المعطى أكثر وضوحا، لأن الجزائر مصنفة ضمن الدول التي تمتلك شراكة استراتيجية شاملة مع الصين، إلى جانب عدد محدود من القوى الإقليمية، كما أنها عضو في بنك التنمية الجديد، فضلا عن امتلاكها خبرة تاريخية في التعامل مع القوى الكبرى دون الارتهان لمحور واحد.
الجزائر بين واشنطن وبكين
وعلى هذا الأساس، لا تتحرك الجزائر من موقع المتلقي السلبي للتنافس الدولي، بل من موقع دولة تسعى إلى استثمار حاجة القوى الكبرى إلى الطاقة والأسواق والمواقع الجغرافية المستقرة. لذلك، فإن العلاقة مع الصين لا تلغي العلاقة مع الولايات المتحدة، كما أن الحضور الأمريكي لا يحد من الشراكة مع بكين. وبالعكس، تعمل الجزائر على تحويل الطرفين إلى مصدرين متوازيين للاستثمار، التكنولوجيا، التمويل، والخبرة.
في المسار الصيني، تكشف الأرقام عن صعود واضح في حجم الحضور الاقتصادي داخل الجزائر. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 12.5 مليار دولار في 2024، فيما تنشط 1.311 شركة صينية في قطاعات اقتصادية مختلفة داخل السوق الجزائرية. والأهم من ذلك، أن الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وافقت، منذ إطلاقها في 2022، على 42 مشروعا صينيا بقيمة 4.5 مليار دولار، بينها 22 استثمارا مباشرا و20 مشروعا بالشراكة مع متعاملين وطنيين. كما شملت الاتفاقيات الموقعة قطاعات الصناعة، الفلاحة، وصناعة السيارات.
كما تعطي هذه المعطيات صورة أوضح عن طبيعة الحضور الصيني. فبكين لم تعد حاضرة فقط من خلال الواردات والصفقات التجارية، بل عبر شركات ومشاريع واستثمارات تسعى إلى التموقع داخل السوق الجزائرية. ومن ثم، يخدم هذا التحول الجزائر من زاويتين أساسيتين: الأولى تقليص العلاقة التجارية التقليدية القائمة على الاستيراد، والثانية دفع الشركاء الأجانب نحو الإنتاج المحلي والشراكة الصناعية، خاصة في القطاعات التي تراهن عليها الجزائر لتوسيع مساهمة الصناعة والفلاحة في النمو.
سباق الكبار نحو الجزائر
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة من بوابة مختلفة. فحسب مكتب الممثل التجاري الأمريكي، بلغ التبادل التجاري السلعي بين الجزائر والولايات المتحدة 3.5 مليار دولار في 2025. وارتفعت الصادرات الأمريكية إلى الجزائر إلى 1.3 مليار دولار، بزيادة 25.2 بالمائة مقارنة بـ2024، بينما بلغت واردات الولايات المتحدة من الجزائر 2.2 مليار دولار. كما وصل حجم تجارة الخدمات بين البلدين إلى 468 مليون دولار في 2024، مع فائض أمريكي في الخدمات قدره 192 مليون دولار.
غير أن الثقل الحقيقي للعلاقة الأمريكية الجزائرية لا يظهر في التجارة وحدها، بل في الطاقة. ففي ماي 2024، وقعت سوناطراك اتفاقا مع إكسون موبيل لدراسة فرص تطوير موارد المحروقات في حوضي أهنات وقورارة. وبهذا الاتفاق، عادت واحدة من أكبر شركات الطاقة الأمريكية إلى قلب النقاش حول الغاز الجزائري، في منطقة جنوبية ينظر إليها المستثمرون باعتبارها خزانا مهما للاستكشافات المستقبلية.
ثم تعمق هذا المسار أكثر مع شيفرون. ففي جانفي 2025، وقعت الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات “ألنفط” اتفاقا مع الشركة الأمريكية للتعاون في الاستكشاف البحري. ويمنح دخول شيفرون إلى هذا المسار الجزائر هامشا تقنيا واستثماريا إضافيا، خصوصا أن الاستكشاف البحري يحتاج إلى خبرة مالية وتكنولوجية عالية، ولا يجذب عادة إلا الشركات القادرة على تحمل مخاطر طويلة الأمد.

الغاز الجزائري يغير الحسابات
وبالموازاة مع ذلك، لم تتراجع الصين في قطاع الطاقة. فقد وقعت سوناطراك وسينوبك عقدا بقيمة 850 مليون دولار في فيفري 2025 لتطوير واستكشاف المحروقات، ثم وقعت سينوبك عقدا آخر لاستكشاف وتطوير كتلة قرن القصة 2 الغازية في حوض قورارة-تيميمون، وهي منطقة تمتد على 36 ألف كيلومتر مربع في جنوب غرب الجزائر. وتضم هذه الكتلة موارد غاز تقليدية واحتمالات مهمة في الغاز غير التقليدي، وهو ما يمنح التعاون الجزائري الصيني بعدا تقنيا يتجاوز الإنتاج الحالي إلى احتياطات المستقبل.
وبذلك، أصبحت الجزائر تدير في قطاع الطاقة منافسة مباشرة بين شركات أمريكية وصينية كبرى. فمن جهة، تتحرك إكسون موبيل وشيفرون عبر الاستكشافات البرية والبحرية، ومن جهة أخرى توسع سينوبك حضورها في الحقول والكتل الغازية. غير أن هذه المنافسة لا تجري خارج شروط الجزائر، بل داخل إطار تحدده الدولة عبر الشراكة مع سوناطراك، واحترام القانون الوطني للمحروقات، وتوجيه الاستثمار نحو رفع الإنتاج وتعزيز الاحتياطات.
كما تمنح خطة الاستثمار الطاقوي الجزائرية لهذه المنافسة حجما أكبر. فالجزائر تستهدف ضخ 60 مليار دولار في قطاع الطاقة خلال خمس سنوات، مع توجيه 80 بالمائة من هذا الغلاف إلى الاستكشاف والإنتاج، والباقي نحو التكرير والبتروكيمياء. وهذا الرقم يفسر سبب عودة الاهتمام الأمريكي والصيني بالجزائر، لأن السوق لا تعرض فقط حقولا قائمة، بل دورة استثمار كاملة تشمل المنبع، التحويل، البتروكيمياء، الغاز، والطاقات المتجددة.
Algeria Bid Round 2026
وفي الاتجاه نفسه، أطلقت الجزائر جولة “Algeria Bid Round 2026” لعرض سبع مناطق استكشاف جديدة في ورقلة، إليزي، تقرت والبيض. وتمتد المرحلة التقنية من جوان إلى أكتوبر 2026، على أن تقدم العروض في 26 نوفمبر، قبل توقيع العقود مع سوناطراك في 31 جانفي 2027. وتأتي هذه الجولة في وقت تحتاج فيه الأسواق الأوروبية إلى مصادر طاقة أكثر استقرارا، وتبحث فيه شركات النفط والغاز الكبرى عن مناطق جديدة ذات بنية قانونية أوضح وقدرة إنتاجية قابلة للتوسع.
أما خارج الطاقة، تعزز المؤشرات الكلية جاذبية الجزائر. فصندوق النقد الدولي يتوقع نمو الاقتصاد الجزائري بنسبة 3.8 بالمائة في 2026، مع تضخم عند 2.9 بالمائة. كما أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الجزائري نما 4.1 بالمائة في النصف الأول من 2025، وأن القطاعات خارج المحروقات توسعت بنسبة 5.4 بالمائة، بينما تراجع التضخم إلى 1.7 بالمائة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة. وتكتسي هذه الأرقام أهمية مباشرة للمستثمرين، لأنها تشير إلى طلب داخلي قائم، واستثمار عمومي نشط، ونمو خارج قطاع النفط والغاز.
وفوق ذلك، تعطي عضوية الجزائر في بنك التنمية الجديد بعدا ماليا إضافيا لهذا التموضع. فالبنك، الذي أنشأته دول بريكس، يوفر قناة تمويل بديلة لمشاريع البنية التحتية والتنمية، ويمنح الجزائر مجالا أوسع لتنويع مصادر التمويل دون التخلي عن علاقاتها مع المؤسسات المالية الغربية. وعمليا، تصبح الجزائر قادرة على التحرك بين قنوات تمويل متعددة، تشمل المؤسسات الغربية، والشراكات الصينية، والاستثمارات العربية، والتمويلات متعددة الأطراف.
موقع استراتيجي للجزائر
في شمال إفريقيا، يضع هذا التموضع الجزائر في خانة مختلفة. فهي لا تعرض فقط سوقا استهلاكية، بل تعرض طاقة، موقعا، احتياطات، بنية تحتية، ومشاريع استثمارية طويلة الأجل. كما أن قربها من أوروبا يمنح الغاز الجزائري قيمة إضافية في حسابات أمن الطاقة، خصوصا بعد الأزمات المتكررة في طرق الشحن والممرات البحرية. وقد ظهر ذلك بوضوح في جوان 2026، عندما انضمت الجزائر إلى الولايات المتحدة وقطر ونيجيريا في رسالة إلى الاتحاد الأوروبي بشأن تنظيمات الميثان، محذرة من أن القواعد المقترحة قد تؤثر على إمدادات النفط والغاز نحو أوروبا.
كما لا تقف الجزائر على هامش المنافسة الأمريكية الصينية، بل تستعملها لتوسيع قاعدة شركائها. فالصين تجلب الشركات والمشاريع الصناعية والبنية التحتية والتمويل طويل المدى، بينما تجلب الولايات المتحدة شركات الطاقة الكبرى والتكنولوجيا والخبرة في الاستكشافات المعقدة. وبين الطرفين، تملك الجزائر الورقة الأهم: الموارد، السوق، الموقع، وشركة وطنية قوية في قطاع الطاقة.
















