بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
يأتي التصريح الأخير لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ليعيد ضبط عقارب الساعة الدبلوماسية الدولية على توقيت الحقيقة الرافضة للقفز فوق إرادة الشعوب، فحين يعلن مسؤول بهذا الوزن، ومن قلب الإدارة الأمريكية، أنه « لا يوجد في الوقت الراهن أي حل وشيك يمكن الإحساس به أو لمسه »، فإن هذا الإعتراف المباشر لا يمثل مجرد قراءة لواقع سياسي، بل يشكل صفعة مدوية ومباشرة لمنظومة الإحتلال المخزني التي حاولت طوال سنوات تسويق أوهام حسم النزاع وفرض الأمر الواقع.

هذا التقييم الأمريكي الصريح يسقط في بئر العدم كل الدعاية الرخيصة التي حاولت إقناع العالم بأن القضية الصحراوية قد طُويت، ويثبت أن القفز على الشرعية الدولية وحق تقرير المصير ليس سوى حرث في البحر لن ينتج بدائل حقيقية للإستقلال الكامل.

إن جوهر القضية الصحراوية، كما تقر به الحقائق التاريخية والشرعية الدولية، يندرج بوضوح لا غبار عليه تحت بند تصفية الإستعمار، فالأرض صحراوية بقوة التاريخ، وبأصالة الثقافة، وبعقيدة الهوية التي لم تفلح عقود من محاولات الطمس والتهجير في تغيير ملامحها.
إن قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والفتوى القانونية التاريخية لمحكمة العدل الدولية، كلها روافد تصب في مجرى واحد ثابت.. لا سيادة للمغرب على الصحراء الغربية، والسيادة الحصرية والشرعية هي للشعب الصحراوي وحده، الذي يملك كامل الحق في تحديد مصيره عبر إستفتاء حر ونزيه، وهذه في نظرنا، حقيقة دامغة لا يمكن لصفقات الغرف المغلقة أو الإعترافات الشفهية الإلتفاف عليها.

ومن هذا المنطلق، يبرز مقترح ما يُسمى « الحكم الذاتي » كأكبر عملية تدليس سياسي ومسرحية هزلية يروج لها نظامى المخزن التوسعي، فهذا المقترح المشوه ليس حلاً، بل هو قنبلة موقوتة ومفخخة، وصيغة مسمومة تهدف إلى شرعنة الإحتلال العسكري وإلباسه ثوباً قانونياً زائفاً، حيث ينطوي على تدمير ممنهج لمفهوم السيادة والعدالة.
إن المخزن، بطبيعته الإستبدادية القائمة على القمع والنهب المنظم للثروات الصحراوية، يحاول تقديم منحة شكلية وجوفاء يطلق عليها حكماً ذاتياً، بينما هو في حقيقته تكريس للإستعباد السياسي وتثبيت لقوة السلاح وفرض للأمر الواقع بالقوة الغاشمة، وهو مقترح يولد ميتاً لأنه يتجاهل الضحية ويحمي الجلاد، وسينفجر في وجه من صاغه فور الإصطدام بوعي الشعب الصحراوي.
لقد ذاق الشعب الصحراوي على مدار أكثر من نصف قرن كل أنواع الظلم، وواجه ويلات اللجوء، والحصار، والتنكيل في الأراضي المحتلة، دون أن تلين له قناة أو تتراجع عزيمته، فهل يستقيم عهداً وعقلاً، بعد كل هذه التضحيات وقوافل الشهداء، أن يأتوا اليوم ليقبلوا بأنصاف الحلول ويسلموا رقابهم وجغرافيتهم لجلادهم؟

إن المراهنة على تعب هذا الشعب أو على عامل الزمن هي مراهنة خاسرة؛ فالشعوب الحرة لا تبيع سيادتها مقابل وعود وهمية بالحكم الذاتي تحت راية المحتل، وإن رفض هذا المقترح ليس خياراً سياسياً تكتيكياً، بل هو موقف وجودي مبدئي يرفض إستبدال تصفية الإستعمار بالتبعية الدائمة.
ومن هنا، فإن السلم الحقيقي في المنطقة لن يتحقق عبر بوابات الإلتفاف والدجل السياسي، بل عبر الإمتثال الكامل والدقيق لقرارات الشرعية الدولية والإعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كاملة السيادة على ترابها الوطني.
وفي إطار المرجعية القانونية والتاريخية لهذا النزاع، تؤكد الهيئات الأممية بإستمرار على الطبيعة القانونية للقضية بإعتبارها مسألة تصفية إستعمار؛ حيث تشكل قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار التاريخي رقم 1514 بشأن منح الإستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، والقرار رقم 2229، الركيزة الأساسية التي تعترف دون لبس بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والإستقلال.
ويتناغم هذا المسار الدستوري الدولي مع قرارات مجلس الأمن الدولي المتتالية، بدءاً من القرار رقم 658 والقرار رقم 690 الذي أنشأ بموجبه بعثة الأمم المتحدة للإستفتاء في الصحراء الغربية ( المينورسو )، وصولاً إلى القرارات الدورية الحديثة مثل القرار رقم 2703، والتي تؤكد جميعها على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول لدى الطرفين، يضمن ويكفل حق تقرير مصير شعب الصحراء الغربية وفق المبادئ والممارسات المعتمدة في ميثاق الأمم المتحدة.
ويبقى السؤال المطروح للنقاش: هل يمكن تجاوز جوهر القضية وحق تقرير المصير من خلال صيغ سياسية لا تستجيب لما يراه الشعب الصحراوي حقاً أصيلاً له؟ وهل يستطيع أي مقترح، مهما كان شكله، أن يشكل أساساً لسلم دائم إذا لم يعالج جذور النزاع وتطلعات طرفيه؟
وفي الختام، لا بد من توجيه رسالة صدق ومكاشفة إلى العمق، إلى الداخل المغربي وللشعب المغربي؛ إن كلفة هذا الإحتلال المخزني الغاشم لأرض الصحراء الغربية لا يدفع ثمنها قادة النظام في قصورهم، بل أنتم من تؤدون فاتورتها البشرية والمادية الباهظة من قوتكم اليومي ومستقبل أبنائكم.
إن كل درهم يُنفق على تسليح آلة الحرب وشراء الولاءات الدبلوماسية الدولية، يُقتطع مباشرة من كرامتكم، وصحتكم، وتعليمكم، ورفاهيتكم، ليتحول هذا النزاع المفتعل مخزنيا إلى ثقب أسود يبتلع مقدرات الشعب المغربي وتنميته، في مقايضة خاسرة تستبدل التنمية الحقيقية بأوهام التوسع العسكري، وتثبت أن التحرر الصحراوي هو في الحقيقة بوابة لإنقاذ شعوب المنطقة كلها من إستنزاف المخزن وجشعه التوسعي.

















