تعود لجنة 4+4 إلى عقد اجتماعاتها في تونس في مرحلة دقيقة من المسار السياسي الليبي، في ظل استمرار التباينات بين المؤسسات الليبية بشأن تنفيذ الاتفاق والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا تمهيدا للاستحقاقات الانتخابية. ويأتي الاجتماع الجديد في مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة تونس، لمواصلة بحث مواقف الأطراف الليبية من الاتفاق وآليات الدفع نحو تنفيذ مخرجاته، في وقت لا تزال فيه مسألة توحيد مؤسسات الدولة وإزالة مظاهر الانقسام المؤسسي تمثل إحدى أبرز العقبات أمام استكمال المسار السياسي.

ويحظى ملف المؤسسة القضائية بمكانة خاصة في هذه الجولة من المشاورات، على خلفية الخلافات القائمة بين عدد من الهيئات القضائية، والتي وصلت إلى مستوى يثير مخاوف من تعميق الانقسام داخل المؤسسة القضائية نفسها. ومن المنتظر أن تركز النقاشات على سبل الحد من هذه الخلافات وتقريب وجهات النظر بين رئاسات المحكمة العليا والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، بما يسمح بالحفاظ على تماسك المؤسسة القضائية وتفادي انعكاس الخلافات عليها على بقية مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، لا يتضمن جدول أعمال الاجتماع بحث توحيد بقية مؤسسات الدولة التي نص اتفاق لجنة 4+4 على ضرورة توحيدها قبل إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية. كما تفرض مواقف مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة نفسها على جدول المشاورات، خصوصا بعد انتهاء المهلة المحددة للمجلسين في 30 سبتمبر الماضي لإقرار الاتفاق، وهو ما يطرح تساؤلات حول الخطوات المقبلة ومدى قدرة الأطراف الليبية على تجاوز الخلافات القائمة.
بعد انتهاء مهلة 30 سبتمبر الممنوحة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإقرار الاتفاق، ما الخيارات المطروحة أمام لجنة 4+4 والبعثة الأممية لدفع المسار السياسي نحو توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات؟
وفي هذا السياق، صرّح الخبير الدبلوماسي في الأمم المتحدة حمزة بن علاق، لبوابة الجزائر، بأن انتهاء المهلة لا يعني بالضرورة سقوط المسار السياسي، موضحاً أن المهل المحددة في المراحل الانتقالية لا تمثل آجالاً قانونية يترتب عن تجاوزها أثر تلقائي، بقدر ما تعد وسيلة للضغط السياسي ترتبط فعاليتها بمدى استعداد الأطراف المحلية والدولية لإنفاذها.
ويرى بن علاق أن مرور مهلة 30 سبتمبر دون إقرار الاتفاق أدى إلى إضعاف إحدى أدوات الضغط وإلى تراجع تدريجي في رصيد الثقة بالوساطة، مشيراً إلى أن أحد أبرز أسباب التعثر يتمثل في تردد المجلسين في تبني ترتيبات قد تحد من نفوذهما أو تعيد رسم أدوارهما، فضلاً عن تمسك كل طرف باختصاصه في إقرار الترتيبات الانتقالية.
الملف القضائي في صدارة الأولويات
ويحتل ملف المؤسسة القضائية موقعاً متقدماً في اجتماع تونس، في ظل الخلافات بين رئاسات المحكمة العليا والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، وهي خلافات يخشى أن تتطور إلى انقسام داخل المؤسسة القضائية ذاتها.
ويؤكد حمزة بن علاق أن خطورة المسألة تتجاوز التنافس حول المناصب، نظراً للدور المركزي للقضاء في الفصل في الطعون الانتخابية ومنح النتائج سندها القانوني. وبالتالي فإن أي انقسام في هرم المؤسسة القضائية قد يؤدي إلى تضارب الأحكام وتنازع الاختصاصات، ويؤثر مباشرة في ثقة الليبيين في أي عملية انتخابية مقبلة.
وبحسب الخبير الدبلوماسي، فإن الحفاظ على وحدة القضاء واستقلاله ونزاهته يمثل ركناً أساسياً من أركان سيادة القانون، ولذلك فإن معالجة الانقسامات القضائية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملفاً ثانوياً، وإنما كشرط أساسي لإنجاح أي انتخابات مستقبلية.
وماذا عن توحيد السلطة التنفيذية؟
وفي مقابل التركيز على الملف القضائي، يبرز تساؤل بشأن مصير بقية مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطة التنفيذية، خصوصاً أن الاتفاق ينص على ضرورة توحيد المؤسسات قبل إجراء الانتخابات، في حين لا يتصدر هذا الملف جدول أعمال الاجتماع الحالي.
ويحذر بن علاق من أن تتحول سياسة التدرج في معالجة الملفات، رغم أهميتها في بناء الثقة والبدء بالقضايا التي يمكن تحقيق توافق بشأنها، إلى وسيلة لتأجيل الملفات الأساسية.
ويرى أن نجاح هذه المقاربة يتطلب ربط كل خطوة جزئية بخطوة لاحقة واضحة وملزمة، حتى لا يؤدي الحل المرحلي في نهاية المطاف إلى تكريس حالة الانقسام بدلاً من إنهائها.
تمديد المهلة وحده لا يكفي
وحول إمكانية منح الأطراف الليبية مهلة إضافية، يرى الخبير الدبلوماسي في الأمم المتحدة حمزة بن علاق أن التمديد وحده لن يكون كافياً لكسر الجمود، بل قد يمنح الأطراف المعرقلة مزيداً من الوقت إذا لم تصاحبه آليات واضحة.
ويشدد على أن أي تمديد جديد ينبغي أن يرتبط بجدول زمني محدد، ومراحل واضحة ومؤشرات يمكن قياسها، إلى جانب تحديد التبعات السياسية المترتبة على تعطيل التنفيذ، وإلا تحول التمديد إلى مجرد ترحيل للأزمة.
وفي حال تعذر الوصول إلى توافق داخل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، يرى بن علاق أنه يمكن توسيع دائرة القبول السياسي والمجتمعي بالاتفاق لتشمل الأحزاب والبلديات والنخب القانونية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني والمكونات الاجتماعية والأمنية.
غير أن هذا المسار، وفق تقديره، يبقى عاملاً مساعداً ولا يمكنه أن يكون بديلاً كاملاً عن الإقرار الرسمي، باعتبار أن أي اتفاق انتقالي يحتاج في نهاية المطاف إلى سند مؤسسي وقانوني يحميه من الطعون والنزاعات.
الدور الأممي.. أدوات موجودة ولكنها ليست مطلقة
أما بشأن قدرة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على دفع الأطراف نحو الحل، فيوضح بن علاق أن البعثة الأممية تمتلك أدوات الوساطة، فضلاً عن الإحاطات أمام مجلس الأمن وإمكانية تصعيد الضغوط السياسية على الجهات المعرقلة.
إلا أن فعالية هذه الأدوات تبقى، بحسبه، مرتبطة بمدى وجود موقف دولي موحد، وهو أمر تزداد صعوبته في الحالة الليبية بسبب تقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
كما أن استمرار الانقسام الليبي لا تقتصر تداعياته على الداخل، بالنظر إلى ارتباط ليبيا بملفات إقليمية شديدة الحساسية، من بينها الطاقة والهجرة وأمن الحدود، وهو ما يجعل الوصول إلى حل يحافظ على وحدة مؤسسات الدولة مصلحة تتجاوز الأطراف الليبية نفسها.
ما السيناريو الأقرب لما بعد 30 سبتمبر؟
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يرجح الخبير الدبلوماسي حمزة بن علاق اعتماد مقاربة مركبة بدلاً من التعويل على حل واحد، تقوم على تمديد مشروط بجدول زمني واضح، والتدرج في معالجة الملفات بدءاً بالمؤسسة القضائية، وتوسيع قاعدة القبول المجتمعي والسياسي، بالتوازي مع ضغط دولي متدرج يرفع كلفة استمرار التعطيل.
أما استمرار الانسداد، فقد يدفع – وفق هذه القراءة – إلى البحث عن ترتيبات مؤقتة لإدارة الفراغ، من بينها تفاهمات تتعلق بالإنفاق العام والترتيبات الأمنية، غير أن خطورة مثل هذه الحلول تكمن في أنها قد تنجح في إدارة الأزمة دون حل جذورها، بما يجعل الترتيبات المؤقتة مرشحة للاستمرار لفترة أطول.
ويلفت بن علاق إلى أن التحدي الحقيقي في ليبيا لم يعد يقتصر على إدارة الأزمة، وإنما يتمثل في الانتقال إلى تفكيك أسبابها، مؤكداً أن الانتخابات لن تحقق الغاية المرجوة منها ما لم تُجر في ظل مؤسسات موحدة، وقضاء متماسك، وسلطة تنفيذية واضحة المرجعية.












































