مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية : لم يعد ما يجري بين الكيان المخزني والكيان الصهيوني مجرد علاقة دبلوماسية عابرة يمكن دفنها تحت عبارات « التعاون » و« السلام » و« المصالح المشتركة »، ففي السادس عشر من شتنبر الجاري، إنتقلت هذه العلاقة خطوة جديدة بإعلان الإتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، بالتوازي مع توسيع التعاون في مجالات الإقتصاد والتكنولوجيا والأمن والإبتكار والماء والفلاحة والطاقة والإتصالات.

الأمر هنا لا يتعلق بعلاقة بين دولتين يمكن التعامل معهما بإعتبارهما صاحبتَي شرعية سياسية مطلقة؛ بل إن موقفي من العصابتين واضح وصريح.. بحيث لا أمنح الشرعية السياسية للمنظومة المخزنية التي أعتبرها منظومة إستبداد وفساد مفروضة على الشعب، كما لا أتعامل مع المشروع الصهيوني بإعتباره مشروعاً طبيعياً أو محايداً في المنطقة، ولذلك فإن ما يسمى « التطبيع » لا أراه مجرد تبادل سفراء وفتح سفارات، وإنما أراه جزءاً من مسار سياسي أوسع يستحق التفكيك والمساءلة والمواجهة الفكرية والسياسية.

فمنذ العام 2020، لم تتوقف العلاقة عند حدود الإتصال الدبلوماسي، بل تطورت تدريجياً نحو مجالات متعددة، وفي الإعلان الأخير جرى الحديث صراحة عن التعاون في الأمن والتكنولوجيا والإبتكار، إلى جانب الإقتصاد والتجارة والماء والزراعة والأمن الغذائي والطاقة والإتصالات… وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة التي لا تريدها المنظومة المخزنية أن تُطرح :
من يقرر؟
من يحدد سقف هذه العلاقة؟
من يضع خطوطها الحمراء؟
ومن يضمن أن التعاون الأمني والتكنولوجي والإقتصادي لن يتحول إلى نفوذ سياسي وإستراتيجي داخل القرار المغربي؟

وهل يستطيع المخزن أن يثبت أن كل هذه الإتفاقيات تخدم مصلحة الشعب المغربي، أم أن الأولوية الحقيقية هي حماية منظومة الحكم ومصالحها وتحالفاتها الخارجية؟
ثم ماذا بقي من معنى السيادة إذا أصبحت قطاعات إستراتيجية من الدولة مرتبطة بشراكات صهيونية متزايدة، بينما يجري التعامل مع الشعب وكأنه مجرد متلقٍّ لما تقرره السلطة؟
إن القضية ليست سفارة إسرائيلية في الرباط، ولا سفارة مغربية في تل أبيب فقط؛ بل القضية هي المسار كله.. إذ كيف إنتقل الأمر من التطبيع إلى التوسع، ومن التمثيل المحدود إلى بناء شبكة متشعبة من المصالح والإتفاقيات والتعاون؟ وكيف يمكن لعلاقة تتسع بهذا الشكل أن تبقى، في الوقت نفسه، مجرد « علاقة دبلوماسية عادية »؟
والأكثر إستفزازاً أن هذا التوسع يحدث في وقت تستمر فيه حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري في غزة، وفي ظل الغضب الشعبي المغربي تجاه السياسات الصهيونية والتطبيع معها، وقد إرتفعت الآلاف من الدعوات المغربية للإحتجاج على تعميق العلاقة ورفض إقامة سفارة إسرائيلية في المغرب.

فأي سيادة هذه التي تتحدث عنها المنظومة المخزنية، بينما تفتح أبوابها بهذا الشكل أمام مشروع صهيوني يعتبر مشروعاً إستعمارياً فاقداً للشرعية؟
وأي إستقلال للقرار الوطني إذا كان المخزن يربط ملفات إستراتيجية متعددة بعلاقات وتحالفات خارجية لا يعرف الشعب تفاصيلها الكاملة؟
وأي كرامة وطنية حين تتحول القضية الفلسطينية، التي يحتل القدس مكانة خاصة في الخطاب الرسمي المغربي، إلى ملف يمكن التعايش معه في الوقت نفسه الذي تتوسع فيه العلاقات مع إسرائيل؟
هنا لا أريد إستعمال لغة دبلوماسية ناعمة، ولا لغة البيانات الرسمية، ولا لغة السياسيين الذين يتركون دائماً باب الهروب مفتوحاً.
أريد طرح السؤال كما هو، عارياً، صادماً، ومستفزاً :
هل زوج السادس إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟
هذا ليس سؤالاً عن الزواج بالمعنى الحرفي، بل عن طبيعة العلاقة السياسية.. هل بلغ مستوى الإرتهان درجة أصبح معها القرار المخزني مرتبطاً بإسرائيل إلى الحد الذي يجعل مصالح تل أبيب جزءاً من حسابات السلطة في الرباط؟

وهنا تأتي الأسئلة الأكثر خطورة :
وهل أصبح المغرب تابعاً لمملكة بنو صهيون بزعامة الملك بنيامين نتنياهو؟
هل تحولت الرباط من عاصمة يفترض أن تصنع قرارها المستقل إلى مساحة نفوذ لمشروع إقليمي تقوده تل أبيب؟
هل أصبح التحالف مع إسرائيل وسيلة لحماية النظام أكثر مما هو خدمة لمصالح الشعب؟
وهل أصبح كرسي الحكم يحتاج إلى الخارج كي يستمر في الداخل؟
هذه ليست أسئلة أطرحها بحثاً عن إجابات دبلوماسية جاهزة، وإنما أطرحها لأن حجم التطور في العلاقة يفرضها، فالبيانات الرسمية تستطيع أن تتحدث عن « السلام » و« الإستقرار » و« الإزدهار »، لكنها لا تستطيع أن تمنع المواطن من السؤال عن الثمن السياسي والإستراتيجي لهذه العلاقة، والإتفاقيات تستطيع أن تُوقّع في نيويورك، لكن السيادة تظل قضية شعب وليست ملكاً خاصاً للسلطة.
ولا حر يقبل أن تتحول السيادة المغربية إلى سلعة في سوق التحالفات، ولا أن يصبح مستقبل المغرب رهيناً بحسابات أي قوة خارجية، ولا أن يُطلب من المغاربة التسليم بعلاقة مرفوضة من أساسها.
إن المغرب، لا يحتاج إلى وصاية المخزن ولا إلى وصاية تل أبيب، ولا إلى حماية عرش عبر تحالفات تُضعف إستقلال القرار الوطني، ولهذا سيظل السؤالان مطروحين فوق الطاولة :
هل زوج السادس إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟
وهل أصبح المغرب تابعاً لمملكة بنو صهيون بزعامة الملك بنيامين نتنياهو؟
وإذا كان جواب المنظومة المخزنية عن السؤالين هو « لا »، فلتكشف للشعب المغربي حدود هذه العلاقة، وتفاصيل إتفاقياتها، وطبيعة التعاون الأمني والتكنولوجي، وحقيقة الإلتزامات التي تُبنى بإسمه.
أما الصمت؛ فلن يكون جواباً.











































