بوابة الجزائر الإخبارية: حين يُدفع النقاش نحو ظروف اللجوء ويُترك سبب النزوح خارج المساءلة، تصبح الإغاثة عرضة للاستغلال السياسي. عند هذه النقطة واجهت الجزائر الخطاب المغربي في جنيف، مستندة إلى اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وإلى حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير. وشدد ممثلها الدائم، إدريس لطرش، على أن المساعدة الإنسانية لا تمنح أحدًا سلطة المساومة على مستقبل اللاجئين، وأن تقديم الدروس بشأن الحلول الدائمة لا يمحو المسؤولية عن أصل معاناتهم.
وفي مداخلة ردّ بها على تصريحات الممثل المخزني، أعاد السفير الجزائري النقاش إلى الالتزامات الدولية تجاه اللاجئين، بعد مرور 75 عامًا على اعتماد اتفاقية 1951. وقال مخاطبًا المفوض السامي: «لا شك أن العالم قد تغيّر»، مستدركًا بأن «ما تجسّده الاتفاقية من التزامات وتعهدات يجب أن يظلّ قائمًا».
وربط لطرش التمسك بهذه الالتزامات بالتراجع الحاد في التمويل الإنساني، محذرًا من أن تقلص المساعدات يفرض أعباء إضافية على أشخاص يتحملون أصلًا تبعات النزوح، بما يرقى إلى «شكل من أشكال العقاب المزدوج».

وأكد أن أساس الدعم هو الحق، وليس المنّة، قائلًا: «المساعدة الدولية والحماية الدولية ليستا من قبيل الأعمال الخيرية، بل هما حقّان أساسيان وأصيلان للاجئين، ما دامت الأسباب الجذرية التي هجّرتهم واضطرتهم إلى اللجوء لم تُعالج بعد».
ويضع هذا الموقف استمرارية الحماية في مواجهة أي محاولة لربطها بتنازلات سياسية. فبقاء أسباب اللجوء، وفق المداخلة الجزائرية، يُبقي الالتزامات تجاه اللاجئين قائمة، ولا يسمح بتحويل حاجتهم إلى الإغاثة إلى وسيلة لتقرير مستقبلهم نيابة عنهم.
وانتقل السفير من هذا الأساس إلى خصوصية القضية الصحراوية، مؤكدًا أن الاهتمام المتجدد بمعاناة اللاجئين أمر مرحب به، لكنه حذر من توظيفه لحجب أصل النزاع. وقال إنه «ينبغي ألّا يحجب هذا الاهتمام مسارَ العملية السياسية التي تقع على عاتقها مسؤولية معالجة الأسباب الجذرية لهذا الوضع».
وبذلك، واجه الرد الجزائري محاولة نقل مركز النقاش إلى المخيمات والبلد المضيف، بينما يظل سبب استمرار اللجوء دون معالجة. وشدد لطرش على أن الصحراويين لم ينزحوا بسبب ضائقة اقتصادية أو ظروف مناخية أو حرب أهلية داخلية، بل بسبب وضع سياسي يتصل بإقليمهم ومستقبلهم.
وقال بوضوح: «هم أشخاص نزحوا من إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي يُسمّى الصحراء الغربية. وهم أشخاص يظلّ حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير في صميم محنتهم».
وهذه هي النقطة التي جعلها الممثل الجزائري أساس الرد على الخطاب المغربي: معالجة قضية اللاجئين تستلزم مواجهة الحق السياسي الذي لم يُحسم، بدل اختزالها في إدارة المساعدات أو تحميل البلد الذي استقبلهم مسؤولية استمرار نزوحهم.
وفي هذا السياق، ذكّر لطرش بأن الجزائر تستضيف اللاجئين الصحراويين منذ أكثر من خمسة عقود، وقال إنها الجهة المانحة المالية الرئيسية لدعم تحسين ظروفهم المعيشية. ودعا المجتمع الدولي إلى «الحفاظ على دعمه لهؤلاء الأشخاص الذين أُجبروا على النزوح، وتعزيزه».
كما ردّ على التشكيك في أوضاع المخيمات بمعطيات عن الوجود الدولي فيها، مؤكدًا أن إرادة اللاجئين كانت ولا تزال المبدأ الذي يُحتكم إليه. وقال: «المخيمات مفتوحة وتتميّز بالشفافية»، موضحًا أنها تستضيف بصورة دائمة أكثر من خمس كيانات تابعة للأمم المتحدة وأكثر من عشرين منظمة دولية غير حكومية، إضافة إلى الزيارات المنتظمة للمانحين والمراقبين الدوليين ومختلف الآليات الأممية.
واستند السفير إلى هذه المعطيات للمطالبة بأن يُبنى أي تحرك على الوقائع الميدانية، وعلى احترام إرادة الصحراويين أنفسهم. فالحضور الإنساني الدولي، وفق عرضه، يقترن بمتابعة منتظمة لأوضاع المخيمات، بينما ينبغي أن يبقى اللاجئون أصحاب الاختيار في كل ما يتعلق بمستقبلهم.
ثم وجّه لطرش تحذيرًا صريحًا من استغلال احتياجاتهم في الصراع السياسي، قائلًا: «يجب ألّا تُوظَّف المساعدات الإنسانية لأغراض سياسية، أو أن تُستخدم أداةً للضغط السياسي».
وأضاف: «يجب ألّا تتحول معاناة اللاجئين الصحراويين إلى ورقة للمساومة بغية تسجيل نقاط سياسية أو تحقيق أهداف ضيقة وأنانية».
ويستند هذا الرفض إلى المبادئ الأساسية للعمل الإنساني التي استحضرها السفير في مداخلته، إلى جانب التزامات اتفاقية 1951. وقد فصل بين ضرورة استمرار الإغاثة ومسؤولية التسوية السياسية، محذرًا من الخلط الذي قد يجعل المساعدة بديلًا عن معالجة النزاع، أو أداة لفرض مخرجاته.
وقال إن المطلوب هو «تفادي خطر طمس الفوارق بين الضرورات الإنسانية والحقائق السياسية»، والامتناع عن إثارة لبس يزيد معاناة اللاجئين بدل تقديم الإغاثة التي يستحقونها.
وبلغ الرد الجزائري ذروته عندما تناول محاولة المغرب تقديم دروس بشأن الحلول الدائمة. وقال لطرش: «من المؤسف للغاية، بل والمثير للاستغراب، أن نرى الطرف الذي يتحمل المسؤولية الأساسية والكاملة عن هذا الوضع يحاول إلقاء الدروس على هذه اللجنة الموقرة بشأن الحلول الدائمة».
ووصف هذا السلوك بأنه انتقال «من حالة الإنكار التام إلى التظاهر بامتلاك سلطة أخلاقية نصب نفسه وصيًا عليها»، مضيفًا: «هذا ما نسميه انتهازية في أسوأ صورها».
كما اختتم الممثل الجزائري رده برسالة إلى الجانب المغربي مفادها أن تحويل وجهة النقاش لا يطمس أصل القضية: «المجتمع الدولي ليس بغافل عن الحقائق، ولا يجهل جذور هذا الوضع».
















