بوابة الجزائر الاخبارية : شهد السوق المالية الجزائرية تحولات متسارعة تعكس توجهاً نحو تعزيز دور بورصة الجزائر في تمويل الاقتصاد الوطني، والانتقال تدريجياً من الاعتماد التقليدي على التمويل البنكي إلى تنويع مصادر التمويل وتعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو المشاريع الاستثمارية المنتجة. وتأتي هذه الديناميكية في سياق الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تسعى من خلالها الجزائر إلى تطوير سوق رؤوس الأموال، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير آليات تمويل جديدة تستجيب لاحتياجات المؤسسات الاقتصادية، لا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة.
وفي هذا الإطار، كشفت لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها «كوسوب»، في تقريرها السنوي لسنة 2025، عن مؤشرات إيجابية تعكس تطور نشاط السوق المالية، أبرزها ارتفاع القيمة السوقية لبورصة الجزائر بأكثر من 42 بالمائة، واعتماد أول صندوق مشترك للتوظيف في رأس المال المخاطر بطاقة استثمارية تبلغ 3 مليارات دينار، إلى جانب إدراج ثلاثة قروض سندية للتداول بقيمة إجمالية قدرها 22 مليار دينار. وهي تطورات تبرز المساعي الرامية إلى توسيع الأدوات المالية وتنويع فرص الاستثمار، وتعزيز قدرة المؤسسات على الوصول إلى مصادر تمويل بديلة ومكملة للقروض البنكية.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على المؤشرات المالية المسجلة، بل تمتد إلى الرهانات المرتبطة بتعميق السوق المالية وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة والمستثمرين، وتحسين مستويات السيولة والشفافية والحوكمة. كما تطرح تحديات تتعلق بمدى قدرة البورصة على استقطاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعمومية، وتحويل المدخرات الوطنية إلى رؤوس أموال موجهة لتمويل النشاط الإنتاجي وخلق الثروة ومناصب الشغل.

ومع استمرار الإصلاحات المعلنة خلال سنة 2026، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة بورصة الجزائر على التحول إلى رافعة فعلية لتمويل الاستثمار وتنويع الاقتصاد الوطني، وحول الآليات المطلوبة لترجمة النمو المسجل في قيمتها السوقية إلى تمويلات ملموسة تستفيد منها المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة والمبتكرة.
وفي هذا السياق، أكد مستشار البنك الدولي السابق، الخبير الاقتصادي عمرو صالح، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، أن التطورات التي تشهدها بورصة الجزائر تعكس بداية تحول مهم في بنية السوق المالية الوطنية، مشيراً إلى أن المؤشرات المسجلة خلال سنة 2025 تمثل نتائج أولية للإصلاحات الرامية إلى تعزيز مكانة البورصة ضمن المنظومة الاقتصادية والمالية، وتوسيع مساهمتها في تعبئة رؤوس الأموال وتمويل المشاريع الاستثمارية.
وأوضح صالح أن ارتفاع القيمة السوقية لبورصة الجزائر بأكثر من 42 بالمائة يمثل مؤشراً إيجابياً على تطور السوق المالية، غير أن الأهمية الاقتصادية لهذا النمو لا ينبغي اختزالها في الأرقام المسجلة وحدها، بل يجب تقييمها من خلال قدرة السوق على استقطاب مؤسسات جديدة، وتعبئة المدخرات الوطنية، وتحويلها إلى موارد مالية موجهة نحو تمويل الأنشطة الإنتاجية وخلق الثروة.
وأشار المتحدث إلى أن نجاح أي سوق مالية لا يقاس فقط بارتفاع القيمة السوقية للأوراق المالية المدرجة، وإنما أيضاً بحجم التمويلات الجديدة التي تستطيع المؤسسات تعبئتها، وعدد الشركات المستفيدة من هذه التمويلات، ومستويات التداول والسيولة التي تضمن استمرارية نشاط السوق وجاذبيتها للمستثمرين.
وفي هذا الإطار، شدد مستشار البنك الدولي السابق على ضرورة التمييز بين ارتفاع القيمة السوقية للبورصة وبين التدفقات المالية الجديدة الموجهة إلى الاقتصاد الحقيقي، موضحاً أن ارتفاع أسعار الأسهم المتداولة في السوق الثانوية لا يعني بالضرورة ضخ استثمارات إضافية في المؤسسات، ما يجعل توسيع الإصدارات الجديدة واستقطاب الشركات من أهم المؤشرات التي ينبغي التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة.
إدراج القروض السندية يعزز تنويع مصادر التمويل
وفي قراءته لإدراج ثلاثة قروض سندية بقيمة إجمالية بلغت 22 مليار دينار، اعتبر عمرو صالح أن هذه الخطوة تكتسي أهمية خاصة في مسار تطوير السوق المالية الجزائرية، باعتبارها تفتح المجال أمام المؤسسات للحصول على موارد مالية إضافية خارج القنوات البنكية التقليدية، وتمنح المستثمرين فرصاً جديدة لتوظيف مدخراتهم في أدوات مالية منظمة.
وأوضح أن تطوير سوق السندات من شأنه أن يسمح للمؤسسات الاقتصادية بتعبئة تمويلات تتناسب مع طبيعة مشاريعها الاستثمارية وآجال تنفيذها، بما يعزز قدرتها على التوسع وتطوير نشاطها الإنتاجي، ويساهم في بناء منظومة تمويل أكثر تنوعاً ومرونة.
وأكد في السياق ذاته أن تطوير البورصة لا يعني الاستغناء عن دور البنوك، وإنما يستهدف إرساء تكامل بين التمويل البنكي والتمويل المباشر عبر الأسواق المالية، بما يتيح للمؤسسات خيارات أوسع للحصول على الموارد الضرورية لتنفيذ مشاريعها.
وأضاف أن هذا التكامل يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على المنظومة المصرفية، وتوجيه جزء من التمويلات نحو المشاريع الاستثمارية طويلة الأجل، إلى جانب تحسين توزيع الموارد المالية داخل الاقتصاد الوطني، بما يدعم جهود التنويع الاقتصادي ويعزز فرص خلق الثروة ومناصب الشغل.
صندوق رأس المال المخاطر.. آلية جديدة لدعم المؤسسات الناشئة
وفيما يتعلق باعتماد أول صندوق مشترك للتوظيف في رأس المال المخاطر بطاقة استثمارية تبلغ 3 مليارات دينار، أبرز الخبير الاقتصادي أن هذه المبادرة تمثل خطوة مهمة نحو تطوير آليات تمويل المؤسسات الجزائرية، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة المبتكرة التي تواجه تحديات في الوصول إلى التمويلات البنكية التقليدية.
وأوضح صالح أن المؤسسات الناشئة غالباً ما تواجه صعوبات تمويلية مرتبطة بمحدودية الضمانات المطلوبة من البنوك، فضلاً عن طبيعة المخاطر التي تميز المشاريع الابتكارية، ما يجعل صناديق رأس المال المخاطر أداة مناسبة لمرافقتها خلال مراحل التأسيس والنمو والتوسع.
وأشار إلى أن أهمية هذا النوع من التمويل تكمن في اعتماده على المساهمة في رأس مال المؤسسة بدلاً من الاقتصار على منح القروض، وهو ما يسمح بتعزيز مواردها الذاتية وتخفيف أعباء الاستدانة، ويوفر لها إمكانيات أكبر لتطوير مشاريعها وتحويل أفكارها الابتكارية إلى أنشطة اقتصادية منتجة.
واعتبر أن تطوير هذه الآليات من شأنه أن يساهم في بناء بيئة مالية أكثر دعماً لريادة الأعمال والابتكار، ويساعد المؤسسات ذات الإمكانات الواعدة على تحقيق النمو والمنافسة، بما ينعكس إيجاباً على تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
إصلاحات تنظيمية لتعزيز ثقة المستثمرين وجاذبية السوق
وفي حديثه عن التحديات التي تواجه تطوير السوق المالية الجزائرية، أكد مستشار البنك الدولي السابق أن تحقيق الأهداف المنشودة يتطلب مواصلة الإصلاحات التنظيمية والمؤسساتية، خاصة ما يتعلق بتبسيط إجراءات إدراج المؤسسات في البورصة، وتخفيض التكاليف المرتبطة بهذه العملية، بما يتناسب مع القدرات المالية والتنظيمية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وشدد على أهمية تطوير خدمات المرافقة والاستشارة المالية لفائدة المؤسسات الراغبة في دخول السوق، إلى جانب تعزيز قواعد الشفافية والإفصاح عن المعلومات المالية، باعتبارها من المرتكزات الأساسية لحماية المستثمرين وترسيخ الثقة في المعاملات المالية.
كما أبرز ضرورة العمل على توسيع قاعدة المستثمرين من خلال تطوير الثقافة المالية لدى الأفراد والمؤسسات، وتشجيع توظيف جزء من المدخرات الوطنية في أدوات استثمارية منظمة، بما يسمح بتعبئة موارد مالية إضافية وتوجيهها نحو تمويل المشاريع الاقتصادية.
وأشار إلى أن تحسين مستويات السيولة يمثل أحد التحديات الأساسية التي ينبغي معالجتها، لأن جاذبية السوق المالية ترتبط بقدرة المستثمرين على شراء الأوراق المالية وبيعها في ظروف مناسبة، وهو ما يستدعي توسيع حجم التداول وتنويع الأدوات والمنتجات المالية المتاحة.
وفي هذا السياق، دعا إلى تشجيع المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة المؤهلة على اللجوء إلى البورصة، وتطوير سوق السندات وصناديق الاستثمار ورأس المال المخاطر، مع ضمان وجود إطار رقابي فعال يعزز سلامة المعاملات ويحمي حقوق المستثمرين.
2026.. رهان الانتقال من المؤشرات الإيجابية إلى التمويل الفعلي للاقتصاد
وبخصوص آفاق تطوير السوق المالية الجزائرية خلال سنة 2026، أكد عمرو صالح أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من مرحلة تسجيل مؤشرات النمو الإيجابية إلى مرحلة توسيع الأثر الاقتصادي الفعلي للبورصة، من خلال زيادة عدد المؤسسات المستفيدة من التمويل، وتعزيز قدرة السوق على استقطاب المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
وأوضح أن نجاح هذه المرحلة يرتبط بمدى قدرة الإصلاحات المالية على توسيع قاعدة الشركات المصدرة للأوراق المالية، وتنويع المنتجات الاستثمارية، وتحسين مستويات السيولة، بما يجعل السوق المالية أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المؤسسات الاقتصادية بمختلف أحجامها.
وأكد أن تطوير تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة يمثل أحد المحاور الأساسية لهذا التحول، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المؤسسات في تنشيط الاستثمار، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص العمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية الوطنية.
وختم مستشار البنك الدولي السابق إلى أن مستقبل بورصة الجزائر يرتبط بقدرتها على بناء علاقة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي، بحيث لا تقتصر وظيفتها على تداول الأوراق المالية، وإنما تتحول تدريجياً إلى قناة فعالة لتعبئة رؤوس الأموال وتمويل الاستثمار المنتج.
واعتبر أن ترسيخ هذا التوجه، بالتوازي مع مواصلة الإصلاحات وتعزيز ثقة المستثمرين وتوسيع قاعدة المؤسسات المدرجة، من شأنه أن يمنح السوق المالية الجزائرية دوراً أكبر في دعم النمو الاقتصادي المستدام، والمساهمة في تنويع مصادر التمويل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.











