بوابة الجزائر الاخبارية : في ظل المشهد الإقليمي والدولي الراهن المتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتعقد التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة العربية والإسلامية، تبرز الشراكة الاستراتيجية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية كضرورة حتمية لا غنى عنها لصياغة ميزان قوى متوازن وقادر على احتواء الأزمات المتشابكة؛ إذ تتعدى العلاقات بين القاهرة والرياض أطر التنسيق الدبلوماسي والتعاون التكتيكي التقليدي لتصعد إلى مستوى التكامل المصيري والرابطة العضوية التي تشكل حجر الزاوية في منظومة الأمن القومي العربي. وتجسد تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذه الرؤية الاستراتيجية الراسخة التي تجعل من الدولتين ركيزة صلبة ومحورية لاستقرار الإقليم، فبتأكيده على أن مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي مساس بأمن المملكة وحرمة حدودها يعد ضرراً مباشراً بالأمن القومي المصري لا يمكن التغاضي عنه، يضع الرئيس السيسي أطراً واضحة ومحددة لتحالف تاريخي يستند إلى وحدة الهدف والمصير المشترك. إن هذا الموقف المبدئي يعكس وعياً استراتيجياً عميقاً بضرورة تحصين عاصمتي الثقل العربي ضد التدخلات الخارجية والتهديدات الإقليمية العابرة للحدود، كما يؤكد أن ثبات هذا المحور وتماسكه يشكل حائط الصد الأساسي والضمانة الفعالة لصيانة استقرار المنطقة برمتها والدفاع عن مقدرات شعوبها في مواجهة مختلف المتغيرات.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد فاروق عميرة، العضو بالجمعية الوطنية لمحاربة التطرف والإرهاب، أن ما تمر به المنطقة العربية من ويلات وتحديات أمنية متصاعدة، لا سيما في المملكة العربية السعودية الشقيقة جراء الاعتداءات والهجمات المستمرة التي تستهدف الأراضي والمدنيين، يستدعي موقفاً مصرياً حاسماً يؤكد على أن أمن الخليج العربي واستقراره هو امتداد مباشر وعضوي للأمن القومي المصري، تحت شعبية الشعار الاستراتيجي والالتزام التاريخي المتمثل في مبدأ “مسافة السكة”.
ويرى الدكتور خالد فاروق عميرة أن هذا الالتزام يتجلى في الدعم المطلق والمستمر للمملكة العربية السعودية، وهو ما انعكس في تأكيد وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي على استعداد القاهرة التام للإستجابة لأي طلب سعودي للحصول على الدعم، بما في ذلك تقديم الدعم العسكري دون أي تحفظ، انسجاماً مع التوجيهات والثوابت الاستراتيجية للقيادة المصرية.

ويضيف خبير محاربة التطرف والإرهاب، الدكتور خالد فاروق عميرة، أن هذا الموقف يستند إلى تأكيد رئاسي ثابت صرح به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات متكررة، ومفاده أن أمن دول الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي لمصر، مع الرفض القاطع لأي اعتداءات أو تهديدات تطال سيادة الأراضي السعودية أو سلامة المواطنين والمدنيين، وهو ما تترجمه الدبلوماسية المصرية عبر اتصالات مكثفة ووثيقة بين وزارة الخارجية المصرية ونظيرتها السعودية، لمتابعة التطورات والتأكيد على الوقوف صفاً واحداً أمام كل ما يمس السلامة الإقليمية للبلدين.
ويختتم الدكتور خالد فاروق عميرة تصريحه بالإشارة إلى أن الرؤية المصرية تركز بشكل أساسي على حماية الملاحة الدولية والتجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتحذير المجتمع الدولي من التداعيات الخطيرة لأي تصعيد إقليمي قد يمس حرية التجارة أو يلحق الضرر بالإقتصاد العالمي، مؤكداً أن الحفاظ على أمن المعابر المائية الحيوية يمثل ركيزة استراتيجية لحماية أمن واستقرار المنطقة برمتها.
شراكة المصير والاستقرار.. كيف تتحول الرؤية المصرية السعودية إلى ردع مؤسسي لحماية الممرات الاستراتيجية؟
وفي ذات السياق، يرى الدكتور عباس فاضل علوان، في تصريح لـ “بوابة الجزائر”، أن التضامن المصري السعودي يجسد بعمق مفهوم الأمن القومي التكاملي الذي ينظر إلى أمن الدولتين بوصفه منظومة استراتيجية مترابطة لا تقبل التجزئة؛ موضحاً أن استقرار منطقة الخليج العربي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن البحر الأحمر وسلامة الملاحة فيهما، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة وإمدادات الطاقة والاقتصاد في البلدين. ويكشف الدكتور عباس فاضل علوان أن هذه الرؤية تكتسب أهمية بالغة في ظل تصاعد التهديدات البحرية والتوترات الإقليمية، لتتجاوز حدود التضامن السياسي التقليدي إلى تنسيق شامل للمصالح والقدرات، مؤكداً أن مواجهة الأزمات تتطلب تبادل المعلومات، وتوحيد المواقف الدبلوماسية، ودعم الحلول السياسية بما يعزز الردع ويحمي السيادة الوطنية دون الانزلاق إلى مواجهات توسع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.

ويشير الدكتور عباس فاضل علوان في حديثه لـ “بوابة الجزائر” إلى أن ترجمة هذه الرؤية الاستراتيجية إلى خطوات عملية تتطلب تفعيل آليات مؤسسية مستدامة، تشمل عقد اجتماعات دورية لمجلسي الأمن القومي ووزارتي الدفاع والخارجية في البلدين، وإنشاء قنوات إنذار مبكر وتبادل فعال للمعلومات لمواجهة التهديدات البحرية والإرهابية؛ مبيناً أنه على المستوى العسكري يمكن تعزيز التدريبات المشتركة والتنسيق البحري لحماية الممرات الاستراتيجية وتطوير قدرات الاستجابة للأزمات ضمن الأطر القانونية الدولية. وفي الجانب السياسي، يؤكد الدكتور عباس فاضل علوان ضرورة توحيد المواقف في المحافل العربية والدولية ودعم التسويات الدبلوماسية وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، مشدداً على أن فاعلية الردع المشترك لا تقاس بالقوة العسكرية وحدها، بل بوضوح الالتزامات، واستمرارية التنسيق، ومعالجة جذور النزاعات، بما يدعم استقرار المنظومة العربية ويحفظ استقلال قرارها الاستراتيجي.










