بوابة الجزائر الإخبارية: بث التلفزيون الجزائري، ليلة الأربعاء، وثائقيا من إنجاز الصحفي محمد معلم، كشف حقائق صادمة حول التفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، وما خلّفته من إشعاعات مدمّرة على البيئة والإنسان، وُصفت بأنها جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم.
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة على هامش أشغال الدورة الـ69 للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، قدّم بدوره تفاصيل عن الإجراءات التي باشرتها الجزائر لمواجهة إرث هذه الجرائم، سواء في الجانب البيئي أو الإنساني، بما يعكس التزام الدولة بحماية سكان المناطق المتضررة ومحيطهم الحيوي.
إشعاعات قاتلة ومواقع ملوثة
الخبير في الكيمياء، فهد عرباوي، أوضح وجود مخطط علمي دقيق لرصد الإشعاعات النووية بمناطق “إن إيكر” بتمنراست وورڨان، حيث أجرت فرنسا تفجيرات سطحية وتجارب باستعمال البلوتونيوم.
وأكد الخبير في ذات السياق، أن الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل مواقع التجارب تعمل على تأمين هذه المناطق، إزالة المواد المشعة المستعملة في الصناعات التقليدية، وتكوين خبراء في قطاعات البيئة والفلاحة لمتابعة الغطاء النباتي والرمال عبر مخابر متنقلة مجهّزة.
وأشار عرباوي إلى أن وزارة الدفاع الوطني ساهمت في تشييد حواجز لعزل منطقة إن إيكر، التي تمتد على مساحة 38 هكتارًا تنتشر فيها الإشعاعات.

أمراض تتوارث عبر الأجيال
من جانبه، كشف بوعلام شرشالي، مدير مركزي بوزارة الصحة، عن قائمة تضم 38 مرضًا مرتبطة بالإشعاعات النووية، بينها أنواع مختلفة من السرطانات وأربع أمراض وراثية خطيرة.
وأكد المتحدث، أن الدراسات أثبتت انتقال هذه الأمراض جينيًا عبر الأجيال، ما يؤدي إلى إصابة طفل من بين أربعة بتشوهات خلقية، خاصة في حالات الزواج المختلط بالمنطقة.

وللتكفل بالضحايا، أنشأت الوزارة مراكز طبية متخصصة بعين أمڨل وورڨان، مجهزة بأجهزة سكانير ورنين مغناطيسي، مع إرسال فرق طبية أسبوعية لمتابعة الحالات.
وأشار شرشالي إلى معالجة نحو 4 آلاف ملف صحي، إلى جانب تنظيم حملات توعية للسكان حول مخاطر الاقتراب من المواقع المشعة واستهلاك نباتاتها أو مياهها الجوفية.
آثار جيولوجية خطيرة
الخبير الجيولوجي، حنافي بن علي، استعرض بدوره التأثيرات العميقة للتفجيرات، أبرزها فشل تجربة “بيريل” التي تسببت في انبعاث سحابة نووية وحمم بركانية أصابت التشكيلات الصخرية والمعادن النادرة.
وأكد ذات المتحدث، أن أخطر الانعكاسات مست قطاع المياه الجوفية في منطقة ورڨان، حيث يوجد أكبر خزان مائي في شمال إفريقيا (الحوض الألبي الممتد بين الجزائر وليبيا وتونس)، مضيفًا أن الدراسات إلى حد الساعة تؤكد سلامة هذه المياه، رغم أن خطورة الإشعاعات حالت دون استغلال حقول الغاز في المنطقة.
دعوة لمحاسبة فرنسا
المحامية بن براهم شددت على أن ما حدث جريمة إنسانية دامغة وفق القانون الدولي واتفاقية روما، معتبرة أن فرنسا تختبئ وراء اتفاقيات إيفيان التي لا تنص على أي تجارب نووية.
ودعت إلى تشكيل جبهة وطنية تضم المختصين والحقوقيين، لإنشاء جمعية تُعنى بمقاضاة فرنسا أمام المحافل الدولية وإجبارها على الاعتراف بجرائمها وتسليم الخرائط والأرشيف الخاص بالتفجيرات.
إرث ثقيل ومسؤولية قائمة
الوثائقي أعاد فتح جرح لم يندمل بعد، مُسلّطًا الضوء على معاناة آلاف الجزائريين المتأثرين بإرث نووي ثقيل، وفي الوقت نفسه أبرز الجهود الجزائرية المبذولة للتقليل من الكارثة، في إطار رؤية شاملة يحرص عليها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لضمان التنمية المستدامة في المناطق المتضررة.
تجارب فرنسا النووية.. أخطر من قنبلة هيروشيما
وما زالت آثار التجارب النووية الفرنسية برقان (ولاية أدرار) التي جرت منذ 65 سنة تلقي بظلالها على السكان والبيئة المتضررة، لتذكر فرنسا بمسؤوليتها التاريخية إزاء هذه المأساة الإنسانية.
وقد وُصفت تلك التجارب التي ارتكبت يوم 13 فيفري 1960 في منطقة حمودية برقان بجرائم ضد الإنسانية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، حيث اعتبرها مختصون أشد خطورة من تفجيرات هيروشيما، نظراً لتأثيراتها الكارثية على الإنسان والنبات والحيوان.
وتسببت التفجيرات في أمراض سرطانية وتشوهات خطيرة لا تزال تؤثر على سكان الجنوب الجزائري حتى اليوم، فيما أكدت تقارير دولية استمرار وجود نسب مرتفعة من الإشعاعات بالمنطقة.
كما شكلت شهادات الضحايا دليلاً إضافياً على حجم المأساة الإنسانية والبيئية.
وفي هذا السياق، دعا ممثلو الضحايا إلى تحمل فرنسا لمسؤولياتها القانونية والتاريخية وتعويض المتضررين، لاسيما وأن ملف التجارب النووية يبقى من أبرز القضايا العالقة بين الجزائر وباريس، إلى جانب الأرشيف والمفقودين.
وكانت الحكومة الجزائرية قد شددت أكثر من مرة على ضرورة معالجة هذه الملفات قبل الانتقال إلى مرحلة اعتذار فرنسا عن جرائمها الاستعمارية، بينما يبقى التعويض وإنصاف الضحايا مطلباً ملحاً لم يُجسّد بعد رغم بعض الوعود الفرنسية.
















